أخذت محاضرة الباحث خالد البسام عن هجرة النجديين الأوائل واختياره خليل الرواف ـ نجدي في أمريكا ـ أنموذجا لهذه التجربة، مساحة كبيرة من الاهتمام، رغم عاصفة الغبار التي خنقت العاصمة أول أمس.
وشارك في الندوة التي أقيمت أمس الأول ضمن الأنشطة الثقافية في معرض الرياض، د.عثمان الرواف وآسيا الرواف ود محمد الربيع. وقد انطلق البسام في بحثه بالحديث عن أسباب الهجرة، وحددها بالصراعات المسلحة، وعدم الاستقرار السياسي والحاجة الى الأمن، والأوضاع الاقتصادية والفقر والبطالة، والحاجة الى التعليم والبحث عن عمل، وكذلك التجارة. وبين اختلاف هذه الهجرة عن غيرها من الهجرات بقوله (تختلف نوع هجرة النجديين عن الكثيرن من الهجرات العربية مثل شعوب الشام واليمن وغيرها. فبينما ذهب أهل الشام من لبنانيين وسوريين وفلسطينين الى أمريكا الجنوبية واستراليا وافريقيا، ذهبت الهجرة النجدية الى البلدان العربية، وفضل أهلها الهجرة الى البلدان القريبة بسبب عدم حبهم الى الهجرة أصلا. ولذلك هاجروا الى العراق أولا ثم البحرين وسوريا ومصر، ثم الهند.) وأكد بعد تحديد تاريخ هذه الهجرة انها بدأت مع نهايات القرن التاسع عشر الميلادي وبداية القرن العشرين، وقد بدأت أولا مع التجار ثم امتدت الى العمال. وبعد ان تعلم عشرات النجديين وخاصة من أهل عنيزة القراءة والكتابة وبعضهم اللغة الانكليزية اشتغلوا في مهن كثيرة وساعدتهم مهارتهم وذكاءهم الفطري في ذلك في اكتساب مهارات كثيرة والعمل في أشغال مختلفة.
ووصف البسام تعامل النجديين مع الهجرة بقوله «اعتبر النجدوين أنفسهم في بلدان الهجرة نجديين أولا وذلك عبر تمسكهم بلهجتهم ولباسهم وحتى بطعامهم، وذلك بعكس الهجرات العربية الأخرى التي اندمجت مع المجتمعات الأخرى وذابت بها تماما. لكن النجديين عموما تعاملوا مع مجتمعات الهجرة بصورة طبيعية، فعملوا بها باجتهاد وصبر ومثابرة، وفي نفس الوقت حافظوا على هوياتهم سواء النجدية في البلدان العربية او النجدية العربية الإسلامية كما فعلوا في الهند مثلا مهما قصرت أو طالتهم إقامتهم في تلك البلدان».
وأضاف البسام «ان النجديين تعاملوا مع موضوع الهجرة بطريقة انها هجرة مؤقتة وانها موضوع أشهر أو سنوات ليس إلا، حتى ظهر بينهم مثل مشهور في البحرين يقول «بيزة على بيزة توديك عنيزة»، وهي تعني أن المهاجر مهما كان سواء كان تاجرا أو عاملا أو موظفا فعليه بسرعة ان يجمع المال لأهله الفقراء، الذين ينتظرون عودته بأسرع وقت ليجعلهم يعيشون حياة كريمة وطيبة وتبعد عنهم شرور الفقر، وكذلك ان يوفر بعض المال الذي يكسبه لتكاليف السفر. ولذلك تفاوقت الهجرة من تاجر الى آخر ومن عامل الى آخر. فهناك الكثير من الفقراء الذين لم يستطيعوا الصمود في الغربة حتى بضعة أيام حتى دبروا بعض النقود للعودة، وهناك من وجد في الغربة فرصة ثمينة لكسب الرزق والتجارة، بل ان بعضهم صار من أكبر تجار تلك البلدان وأغناهم على الإطلاق وهذا ما حدث في البصرة والكويت والبحرين والهند». ولفت المحاضر الى أنه اذا أردنا أن نلخص سنوات الهجرة النجدية في المدن العربية سنجد انها متفاوته، لكن نستطيع القول إن فئة التجار هم الأكثر استقرارا مادام وجدوا في تلك البلدان الأمن والاستقرار والحرية والتسهيلات التي يريدونها، أما فئة الفقراء والعمال فكانوا الأكثر رغبة بالعودة السريعة. وأشار البسام الى نقطة مهمة حول تفاعل المهاجريين مع البيئات الجديدة التي وصلوا اليها بأنه رغم الغلاق النجديين على أنفسهم في بداية هجرتهم الى المدن العربية القريبة، الا ان الكثير منهم وخاصة التجار اختلطوا مع شخصيات المجتمعات وأنديته وفعالية المجتمع المدني فيه سواء على الصعيد التجاري او السياسي غير المباشر، مثل تأييد القضايا القومية او الثقافي عبر الاشتراك في الأندية الثقافية وتأسيس المدارس وغيرها. وبقت الجالية النجدية متحدة في الهوية والثقافة لكنهم تركوا بصمات قوية في الحياة الاقتصادية والثقافية على وجه الخصوص.
وأكد البسام أن علاقة النجديين بالسلطات في بلادهم علاقة حميمية. وكان الأهالي يتبادلون معهم الثقة المتبادلة، بل ولم يحدث طوال التاريخ الطويل نسبيا من الهجرة ان حدثت أي توترات تذكر. «ولعل من أهم الأمثلة على تلك العلاقة الممتازة هي زيارة الملك عبدالعزيز آل سعود الى البحرين عام 1939 ميلادي والاستقبال الشعبي الكبير والحميم له من قبل مئات النجديين المقيمين في المنامة والمحرق. وقد ازدادت تلك العلاقات حميمة عندما زار الملك سعود البحرين عندما كان وليا للعهد عام 1952 وتم الاحتفاء به أيضا. وتروى إحدى الحكايات ان الملك سعود فوجئ بالأعداد الضخمة للجالية النجدية في البحرين التي كانت تقدر بالمئات الذين جاءوا للسلام عليه. فسأل عندها المسؤول عن الجالية السعودية هناك المرحوم عبدالرحمن القصيبي: ماذا يفعل كل هؤلاء النجديون هنا؟ فأجابه القصيبي: انهم يعملون هنا يا طويل العمر؟ فطلب منهم سعود العودة حالا الى المملكة والعمل هناك بدلا من الغربة والاستفادة من الثروة النفطية».
واختتم البسام محاضرته بالحديث عن نفوذ النجديين حيث وصفهم بقوله (شكل النجديون على الدوام جالية قوة في جميع البلدان التي هاجروا اليها. وكانت تلك القوة تنبع أولا من مكانة التجار النجديين وثقلهم واحترامهم الشديد في أسواق تلك البلدان. بل انهم اعتبروا كما في البحرين من أهم الجاليات العربية او الأجنبية وكان يحق لهم اختيار ممثل عنهم في بلدية المنامة في بداية العشرينات من القرن العشرين.)
المحاضرة كانت جماهيرية وأضافت لها المداخلات الكثير من الإثارة مما يجعلها مشروع كتاب مثير.
وشارك في الندوة التي أقيمت أمس الأول ضمن الأنشطة الثقافية في معرض الرياض، د.عثمان الرواف وآسيا الرواف ود محمد الربيع. وقد انطلق البسام في بحثه بالحديث عن أسباب الهجرة، وحددها بالصراعات المسلحة، وعدم الاستقرار السياسي والحاجة الى الأمن، والأوضاع الاقتصادية والفقر والبطالة، والحاجة الى التعليم والبحث عن عمل، وكذلك التجارة. وبين اختلاف هذه الهجرة عن غيرها من الهجرات بقوله (تختلف نوع هجرة النجديين عن الكثيرن من الهجرات العربية مثل شعوب الشام واليمن وغيرها. فبينما ذهب أهل الشام من لبنانيين وسوريين وفلسطينين الى أمريكا الجنوبية واستراليا وافريقيا، ذهبت الهجرة النجدية الى البلدان العربية، وفضل أهلها الهجرة الى البلدان القريبة بسبب عدم حبهم الى الهجرة أصلا. ولذلك هاجروا الى العراق أولا ثم البحرين وسوريا ومصر، ثم الهند.) وأكد بعد تحديد تاريخ هذه الهجرة انها بدأت مع نهايات القرن التاسع عشر الميلادي وبداية القرن العشرين، وقد بدأت أولا مع التجار ثم امتدت الى العمال. وبعد ان تعلم عشرات النجديين وخاصة من أهل عنيزة القراءة والكتابة وبعضهم اللغة الانكليزية اشتغلوا في مهن كثيرة وساعدتهم مهارتهم وذكاءهم الفطري في ذلك في اكتساب مهارات كثيرة والعمل في أشغال مختلفة.
ووصف البسام تعامل النجديين مع الهجرة بقوله «اعتبر النجدوين أنفسهم في بلدان الهجرة نجديين أولا وذلك عبر تمسكهم بلهجتهم ولباسهم وحتى بطعامهم، وذلك بعكس الهجرات العربية الأخرى التي اندمجت مع المجتمعات الأخرى وذابت بها تماما. لكن النجديين عموما تعاملوا مع مجتمعات الهجرة بصورة طبيعية، فعملوا بها باجتهاد وصبر ومثابرة، وفي نفس الوقت حافظوا على هوياتهم سواء النجدية في البلدان العربية او النجدية العربية الإسلامية كما فعلوا في الهند مثلا مهما قصرت أو طالتهم إقامتهم في تلك البلدان».
وأضاف البسام «ان النجديين تعاملوا مع موضوع الهجرة بطريقة انها هجرة مؤقتة وانها موضوع أشهر أو سنوات ليس إلا، حتى ظهر بينهم مثل مشهور في البحرين يقول «بيزة على بيزة توديك عنيزة»، وهي تعني أن المهاجر مهما كان سواء كان تاجرا أو عاملا أو موظفا فعليه بسرعة ان يجمع المال لأهله الفقراء، الذين ينتظرون عودته بأسرع وقت ليجعلهم يعيشون حياة كريمة وطيبة وتبعد عنهم شرور الفقر، وكذلك ان يوفر بعض المال الذي يكسبه لتكاليف السفر. ولذلك تفاوقت الهجرة من تاجر الى آخر ومن عامل الى آخر. فهناك الكثير من الفقراء الذين لم يستطيعوا الصمود في الغربة حتى بضعة أيام حتى دبروا بعض النقود للعودة، وهناك من وجد في الغربة فرصة ثمينة لكسب الرزق والتجارة، بل ان بعضهم صار من أكبر تجار تلك البلدان وأغناهم على الإطلاق وهذا ما حدث في البصرة والكويت والبحرين والهند». ولفت المحاضر الى أنه اذا أردنا أن نلخص سنوات الهجرة النجدية في المدن العربية سنجد انها متفاوته، لكن نستطيع القول إن فئة التجار هم الأكثر استقرارا مادام وجدوا في تلك البلدان الأمن والاستقرار والحرية والتسهيلات التي يريدونها، أما فئة الفقراء والعمال فكانوا الأكثر رغبة بالعودة السريعة. وأشار البسام الى نقطة مهمة حول تفاعل المهاجريين مع البيئات الجديدة التي وصلوا اليها بأنه رغم الغلاق النجديين على أنفسهم في بداية هجرتهم الى المدن العربية القريبة، الا ان الكثير منهم وخاصة التجار اختلطوا مع شخصيات المجتمعات وأنديته وفعالية المجتمع المدني فيه سواء على الصعيد التجاري او السياسي غير المباشر، مثل تأييد القضايا القومية او الثقافي عبر الاشتراك في الأندية الثقافية وتأسيس المدارس وغيرها. وبقت الجالية النجدية متحدة في الهوية والثقافة لكنهم تركوا بصمات قوية في الحياة الاقتصادية والثقافية على وجه الخصوص.
وأكد البسام أن علاقة النجديين بالسلطات في بلادهم علاقة حميمية. وكان الأهالي يتبادلون معهم الثقة المتبادلة، بل ولم يحدث طوال التاريخ الطويل نسبيا من الهجرة ان حدثت أي توترات تذكر. «ولعل من أهم الأمثلة على تلك العلاقة الممتازة هي زيارة الملك عبدالعزيز آل سعود الى البحرين عام 1939 ميلادي والاستقبال الشعبي الكبير والحميم له من قبل مئات النجديين المقيمين في المنامة والمحرق. وقد ازدادت تلك العلاقات حميمة عندما زار الملك سعود البحرين عندما كان وليا للعهد عام 1952 وتم الاحتفاء به أيضا. وتروى إحدى الحكايات ان الملك سعود فوجئ بالأعداد الضخمة للجالية النجدية في البحرين التي كانت تقدر بالمئات الذين جاءوا للسلام عليه. فسأل عندها المسؤول عن الجالية السعودية هناك المرحوم عبدالرحمن القصيبي: ماذا يفعل كل هؤلاء النجديون هنا؟ فأجابه القصيبي: انهم يعملون هنا يا طويل العمر؟ فطلب منهم سعود العودة حالا الى المملكة والعمل هناك بدلا من الغربة والاستفادة من الثروة النفطية».
واختتم البسام محاضرته بالحديث عن نفوذ النجديين حيث وصفهم بقوله (شكل النجديون على الدوام جالية قوة في جميع البلدان التي هاجروا اليها. وكانت تلك القوة تنبع أولا من مكانة التجار النجديين وثقلهم واحترامهم الشديد في أسواق تلك البلدان. بل انهم اعتبروا كما في البحرين من أهم الجاليات العربية او الأجنبية وكان يحق لهم اختيار ممثل عنهم في بلدية المنامة في بداية العشرينات من القرن العشرين.)
المحاضرة كانت جماهيرية وأضافت لها المداخلات الكثير من الإثارة مما يجعلها مشروع كتاب مثير.