تشير إحصائيات وزارة العمل إلى أنها تستقدم سنويا أكثر من 700 ألف عامل سنويا، منهم أكثر من 300 ألف عامل أو عاملة منزلية، فيما تظهر بعض الدراسات أن نحو 50 في المائة من العمالة المنزلية تهرب من كفلائها. نورة المدميغ -سيدة أعمال ومستثمرة- أشارت إلى مشكلة هروب العمالة الوافدة خاصة النسائية والخادمات في المملكة، وظهورها بشكل مخيف، بعد الضغط الذي حدث على منح التأشيرات، فأصبح من الصعب الحصول على تأشيرة أو أكثر، إلى جانب أن صعوبة الشروط وطول فترة الانتظار دفعا ضعاف النفوس لمساعدة العاملات على الهرب، وتقديم إغراءات مادية كزيادة الراتب؛ فبدلا من 700 ريال تعطى 1000 ريال وأكثر شهريا، إلى درجة أصبحت هناك متخصصات لتحريض العاملة على الهرب، حتى أن الهاربات أصبحن يعلمن أنهن قادرات على الفرار في أي وقت ولا يوجد أي شيء يمنعهن، كما أن معرفتهن بإمكانية الحصول على عمل آخر أسهم في تفاقم المشكلة، فضلا على ارتفاع أسعار الاستقدام وتكاليف التعقيب التي كانت في السابق 500 ريال، وأصبحت الآن تتجاوز 1500، إضافة إلى ارتفاع أسعار التنازل عن العاملة في مكاتب الاستقدام، حيث أصبحت تتجاوز 14 ألف ريال في حين كانت في السابق لا تزيد على ستة آلاف ريال، جميع هذه الأسباب ساعدت على نشوء سوق سوداء للمتاجرة بالعاملات وتحولت المشكلة إلى ظاهرة واضحة يتحمل مسؤوليتها المواطن المتستر، لأنه منحهم فرصة الهرب، ومن ذلك يتضح أن تهريب العمالة أصبح صناعة مربحة قائمة بذاتها برعاية شبكات داخلية وخارجية، وليس من قبيل الصدفة التزايد المضطرد للعمالة الهاربة برعاية تلك الشبكات، ونتيجة لظاهرة هروب العمالة فإن هناك خسائر اقتصادية سنوية باهظة تتجاوز 1.5 مليار ريال سنويا نتيجة هروب العمالة، خلاف المساوئ الاجتماعية والأمنية.
أسباب الهروب
أرجعت دراسة الفريق البحثي تزايد حالات هروب العمالة من كفلائهم بشكل كبير في السنوات الأخيرة إلى عدة أسباب، منها؛ محاولة تحسين الدخل وعدم الراحة في العمل والمعاملة السيئة وطول فترة الدوام، بينما أرجع عصام مصطفى خليفة -عضو جمعية الاقتصاد، كبير اختصاصي تخطيط التسويق- الظاهرة إلى الأسباب التالية:
- غياب العنصر العقابي المسبوق بحملة إعلامية في سفارات المملكة في الدول المعنية.
- التزوير سهل لتلك العمالة الحصول على الأوراق والمستندات الثبوتية غير الرسمية.
- تنصل وزارة العمل وإدارة الجوازات من مسؤولية تحمل هروب العمالة، وتبادل المسؤوليات بينهما، وكل جهة ترى أنها ليست المعنية بالأمر.
- الحوافز المالية التي تمنح لهؤلاء في حالة العمل خارج نطاق الكفلاء.
- التعاطف الذي يلقونه من موظفي سفارات بلادهم بحكم مسؤوليتهم الوظيفية.
- عدم تعاون بعض أرباب العمل وبعض المواطنين مع حملة الجوازات التي تحذر من تشغيل العمالة المختلفة أو الهاربة.
- علم شبكات التهريب والعمالة المسبق أن الإجراءات المتبعة حاليا تخدمهم وأن الكفيل سيتحمل تبعات تصرفاتهم عبر إجراءات إدارية ومالية، إذ عليه إبلاغ الجهة المختصة عن تغيب مكفوليه عن العمل في حينه. على أن يسلمهم الجوازات بعد انقضاء المهلة التي حددها البلاغ بثلاثة أشهر، وإذا تم القبض عليهم قبل انقضاء المهلة المذكورة فإن الكفيل يتحمل نفقات سفرهم، وإذا تم القبض عليهم بعد تلك المهلة فإن الدولة أو العمالة الهاربة ستتحمل ذلك.
المصلحة العامة
علي بن إبراهيم الداود من معهد الإدارة العامة، يرى أن المواطن الكفيل هو الطرف الأضعف وهو الضحية في هذه الأزمة، حيث إنه تحمل التكاليف المالية والمعنوية وما ترتب عليها من إرباك ودخول في دوامة متصلة من الإجراءات والمتابعات والبحث عن حلول مؤقتة ومكلفة وغير مستقرة قد تكون غير آمنة، وقد يتحول من مواطن نظامي إلى مواطن جشع وأناني، بتوظيف عمالة هاربة أخرى بهدف حل مشكلته، وهنا يقع في المحظور، وهو بذلك يشجع على هروب عمالة أخرى لدى مواطنين آخرين، ويساعد على تفاقم الأزمة التي كان قد اكتوى بنارها وتضرر منها، ويعتبر الضحية الأولى لها. أما الطرف الآخر، وهو الأسوأ والأهم في تفاقم الأزمة، هو ذلك المواطن الجشع الذي يوظف العامل الهارب أو العاملة المنزلية الهاربة لحل مشكلته الخاصة، وهو يدفع راتبا أعلى لذلك العامل الهارب ليشجعه على أن يهرب من كفيله ويعمل لديه، وبذلك يضرب بالمصلحة العامة للجميع عرض الحائط التي تتمثل في هذا المجال بإعطاء تلك العمالة فرصة الهرب من الكفيل والحصول على أجر أعلى، مما يؤدي إلى ارتفاع الأجور وبذلك لا يكون هناك حد لها. أما العامل الهارب وهو الطرف الفاعل في الأزمة فهو يسعى إلى زيادة دخله ولا يرضى بالراتب الذي جاء بناء عليه، خاصة أنه وجد البيئة الخصبة التي تشجعه على الابتزاز والاستغلال وعدم القبول بمستوى الرواتب المعتاد، كما أنه يدرك عند هروبه أن أقصى عقوبة له هي القبض عليه وتسفيره إلى بلده ويمضي بعض الوقت هنالك ومن ثم يعود.
أما طرف الأزمة الآخر فهو السفارات التابعة للدول التي تنتمي لها تلك العمالة الهاربة، حيث إن أغلبها تعمل على تسهيل كل الإجراءات لتسفير مواطنيها، بغض النظر عن مصالح الأطراف الأخرى؛ الكفيل والجهات الحكومية المختصة مثلا، كما أن العامل في بعض الدول يستطيع بكل سهولة أن يحصل على جواز سفر آخر باسم آخر وبمعلومات أخرى، وما يدل على ذلك سرعة رجوعه على كفالة شخص آخر، وهو قد تم تسفيره، أو في الحالات العادية يتم إعطاؤه تأشيرة خروج وعودة ويعود على كفالة شخص آخر، غير أن الطرف المهم الذي يتحمل المسؤولية الكبرى تجاه هذه الأزمة هو الجوازات والجهات الحكومية ذات العلاقة من وزارة العمل والإدارة العامة.
أكثر الهاربين في الغربية
الرائد محمد الحسين -المتحدث الرسمي في الجوازات- يؤكد أن ظاهرة هروب المكفولين أصبحت منتشرة ليس في جميع مناطق المملكة، إذ تتركز النسبة الأكبر في المنطقة الغربية، بسبب قربها من الحرمين، وكثرة فرص العمل والعوائد المجزية فيها، ولوجود شركات كبيرة تقوم باستقدام أعداد كبيرة من العمال.
ويضيف الرائد الحسين أن بعض الأماكن في جدة مثل كبري العمال في الكيلو 8 وبجانب دوار الدراجة في وسط المحافظة، تحوي أعدادا كبيرة من العمال المخالفين بعضهم تكون لديه إقامة نظامية، لكنه شارد عن كفيله، والبعض الآخر يكون متخلف عمرة أو حج وليس لديه تصريح يخوله العمل في المملكة، ونحن نقوم بحملات بشكل شبه يومي، لكنهم بصراحة في ازدياد مستمر. أما على صعيد هروب الخادمات والسائقين التي يأتون بطرق رسمية ومن ثم هروبهم من غير سبب مقنع، فالسبب يعود بشكل رئيسي للمادة، فهي الهدف من وراء هروبهم لأنهم يعرفون مسبقا أنهم بمجرد وصولهم للمملكة توجد فرص عمل كثيرة ومميزات وفيرة، منها على سبيل المثال الخادمات اللائي يشكلن النسبة الأعلى في الهرب من كفلائهن، إلا أن نسبة هروب العمال من كفلائهم بعد تطبيق نظام البصمة قد انخفضت إلى 40 في المائة.
من محاسب لعامل نظافة
عبدالقادر صادق علي (30 عاما، باكستاني الجنسية، موقوف في ترحيل جدة) يقول جئت للمملكة بتأشيرة محاسب لدى مواطن، لكي أعمل لديه في مؤسسته الخاصة كمحاسب، وفجأة، دون سابق إنذار، حولني لعامل نظافة، وعندما قمت بالاعتراض والامتناع عن العمل كعامل نظافة قال لي «اذا مو عاجبك شوف لك كفيل ثاني» وأنا بصراحة ليست لدي خبرة إلا في مجال عملي كمحاسب، وليس لدي مبلغ أؤمن به حياتي أو أنقل كفالتي لشخص آخر، فقمت بالهروب من كفيلي، وفي أثناء هروبي ضاعت إقامتي، وجئت للترحيل لكي أذهب لبلدي، وها أنا انتظر بفارغ الصبر العودة لوطني.
لم يتسلمني أحد
ويقول محمد عمر (إندونيسي) منذ أن وصلت لأرض المملكة في جدة، لم يأت كفيلي لاستلامي وعند استفساري عن مصيري من الانتظار الذي امتد لمدة يومين متتالين في المطار، قام كفيلي بقفل جميع وسائل الاتصال المتاحة التي كان من الممكن التواصل معه، مما أوقعني في حرج كبير، والمطار بدوره قام بإحالتي للترحيل وأخذ بصماتي استعدادا لترحيلي، علما بأنني جئت بطريقة سليمة للعمل في المملكة.
العقد الموحد
للحد من ظاهرة هروب العمالة، يرى عصام خليفة أن الدولة بدأت في استخدام بعض الإجراءات التي ستحد نسبيا من هروب العمالة، وستساهم في تعزيز الأمن ومنها استخدام نظام البصمة العشرية لحفظ بصمات الأصابع للمقيمين في المملكة، مشيرا إلى أن هناك مفاوضات جادة تجري حاليا بين مكاتب العمل في المملكة ومكاتب العمل في تلك الدول التي تستقدم منها العمالة بخصوص العقد الموحد الذي يوضح حقوق العامل والكفيل، وهذا العقد سيساهم في الحد من هروب العمالة، فيما يرى أن هناك خطوات أخرى يجب تطبيقها من جهات الاختصاص للحد من الظاهرة، ومنها:
- توعية أفراد المجتمع من خلال مؤسسات المجتمع المختلفة بالآثار السلبية الأمنية والاجتماعية والاقتصادية لهروب العمالة الوافدة.
- تعديل الإجراءات الحالية ورفع العبء عن الكفيل الملتزم بالأنظمة ووضعها على كاهل العمالة الهاربة التي أخلت بأنظمة البلاد، وسن قوانين رادعة تمنع العمالة الوافدة من التفكير في عملية الهروب ولتلك الشبكات من استدراجهم وتشغيلهم، ومن ذلك إيقاف العمالة الهاربة وعناصر تلك الشبكات لمدد تتراوح من 3 - 6 أشهر وتحميلهم غرامة مالية مجزية وسقوط حقوقهم لدى كفلائهم، إضافة لعدم منحهم -مستقبلا- تأشيرة دخول للمملكة.
- دمج مكاتب الاستقدام في شركة كبرى تستقدم العمالة المنزلية على كفالتها، ويتم ذلك بموجب طلبات المواطنين الذين يستلمون العاملة المنزلية أو السائق بموجب عقد موقع بين المواطن وشركة الاستقدام، وموافقة العاملة المنزلية والسائق على شروط العقد، ويكون جواز سفر العاملة المنزلية أو السائق بحوزة شركة الاستقدام الكفيلة، وإن تبين عدم صلاحية العمالة المنزلية أو السائق للعمل أو عدم رغبة أحدهما في العمل لدى الأسرة المتعاقد معها يعيدهما للشركة ويستبدلهما بآخرين، ويكون هذا واردا ضمن شروط العقد.
في حين؛ يؤكد قصي فلالي -مدير مكتب العمل والعمال في جدة- أن تطبيق نظام التأمين على العمالة سوف يقضي على هروب العمالة، وبالتالي سوف يحمي المواطن وبشكل كبير بحفظ حقوقه المالية عند هروب العامل أو العاملة، لأن المواطن عند استقدامه للعامل يدخل في مصاريف من ناحية استقدام التأشيرة واستخراج الإقامة وغير ذلك، ثم بعد فترة يهرب العامل أو العاملة، مشيرا إلى أن نظام البصمة والمعمول به في الجوازات، سوف يحد من هذه الظاهرة لأن العامل الهارب إذا تم ضبطه هاربا من مكفوليه، فإنه يحرم من العودة مجددا إلى المملكة، ومن هذا فإن العامل سوف يحسب ألف حساب ويعمل بشكل نظامي.
البصمة العشرية
مصدر أمني في المديرية العامة للجوازات، أكد أن نظام البصمة العشرية والمعمول به أخيرا سيسهم إلى حد كبير في تعزيز الأمن والحد من هروب العمالة ويضع قواعد بيانات أمنية تستخدم لحفظ بصمات الأصابع للمقيمين في المملكة، عن طريق نقاط عدة في جميع المناطق، مشيرا إلى أن وزارة الداخلية، ومن خلال المديرية العامة للجوازات، قامت بإصدار قرار حول منع دخول العمالة المنزلية من سائقين وخدم المبعدين من المملكة، بسبب هروبهم من كفلائهم والعمل مرة أخرى داخل المملكة، بعد تطبيق نظام البصمة، حيث أعادت مطارات المملكة ومنافذ الدخول عددا من تلك العمالة إلى بلادهم مرة أخرى، وتعويض الكفيل الجديد بتأشيرة جديدة، وذكر أنه تمت إعادة أعداد ليست بالقليلة بعد وصولهم إلى المملكة والتثبت من بصماتهم وأنهم رحلوا سابقا بعد هروبهم من كفلائهم، مشيرا إلى أن هذا القرار سيقضي على هروب العمالة المنزلية خلال فترة وجيزة بنسبة 50 في المائة، وهذا الإجراء وغيره من الإجراءات لها آثار سيراها المواطن مستقبلا، خصوصا أن هناك خطة لربط نظام البصمة مستقبلا مع سفارات خادم الحرمين الشريفين في الخارج ليتعرف النظام إلى السائق أو الخادمة قبل منحه التأشيرة.
أسباب الهروب
أرجعت دراسة الفريق البحثي تزايد حالات هروب العمالة من كفلائهم بشكل كبير في السنوات الأخيرة إلى عدة أسباب، منها؛ محاولة تحسين الدخل وعدم الراحة في العمل والمعاملة السيئة وطول فترة الدوام، بينما أرجع عصام مصطفى خليفة -عضو جمعية الاقتصاد، كبير اختصاصي تخطيط التسويق- الظاهرة إلى الأسباب التالية:
- غياب العنصر العقابي المسبوق بحملة إعلامية في سفارات المملكة في الدول المعنية.
- التزوير سهل لتلك العمالة الحصول على الأوراق والمستندات الثبوتية غير الرسمية.
- تنصل وزارة العمل وإدارة الجوازات من مسؤولية تحمل هروب العمالة، وتبادل المسؤوليات بينهما، وكل جهة ترى أنها ليست المعنية بالأمر.
- الحوافز المالية التي تمنح لهؤلاء في حالة العمل خارج نطاق الكفلاء.
- التعاطف الذي يلقونه من موظفي سفارات بلادهم بحكم مسؤوليتهم الوظيفية.
- عدم تعاون بعض أرباب العمل وبعض المواطنين مع حملة الجوازات التي تحذر من تشغيل العمالة المختلفة أو الهاربة.
- علم شبكات التهريب والعمالة المسبق أن الإجراءات المتبعة حاليا تخدمهم وأن الكفيل سيتحمل تبعات تصرفاتهم عبر إجراءات إدارية ومالية، إذ عليه إبلاغ الجهة المختصة عن تغيب مكفوليه عن العمل في حينه. على أن يسلمهم الجوازات بعد انقضاء المهلة التي حددها البلاغ بثلاثة أشهر، وإذا تم القبض عليهم قبل انقضاء المهلة المذكورة فإن الكفيل يتحمل نفقات سفرهم، وإذا تم القبض عليهم بعد تلك المهلة فإن الدولة أو العمالة الهاربة ستتحمل ذلك.
المصلحة العامة
علي بن إبراهيم الداود من معهد الإدارة العامة، يرى أن المواطن الكفيل هو الطرف الأضعف وهو الضحية في هذه الأزمة، حيث إنه تحمل التكاليف المالية والمعنوية وما ترتب عليها من إرباك ودخول في دوامة متصلة من الإجراءات والمتابعات والبحث عن حلول مؤقتة ومكلفة وغير مستقرة قد تكون غير آمنة، وقد يتحول من مواطن نظامي إلى مواطن جشع وأناني، بتوظيف عمالة هاربة أخرى بهدف حل مشكلته، وهنا يقع في المحظور، وهو بذلك يشجع على هروب عمالة أخرى لدى مواطنين آخرين، ويساعد على تفاقم الأزمة التي كان قد اكتوى بنارها وتضرر منها، ويعتبر الضحية الأولى لها. أما الطرف الآخر، وهو الأسوأ والأهم في تفاقم الأزمة، هو ذلك المواطن الجشع الذي يوظف العامل الهارب أو العاملة المنزلية الهاربة لحل مشكلته الخاصة، وهو يدفع راتبا أعلى لذلك العامل الهارب ليشجعه على أن يهرب من كفيله ويعمل لديه، وبذلك يضرب بالمصلحة العامة للجميع عرض الحائط التي تتمثل في هذا المجال بإعطاء تلك العمالة فرصة الهرب من الكفيل والحصول على أجر أعلى، مما يؤدي إلى ارتفاع الأجور وبذلك لا يكون هناك حد لها. أما العامل الهارب وهو الطرف الفاعل في الأزمة فهو يسعى إلى زيادة دخله ولا يرضى بالراتب الذي جاء بناء عليه، خاصة أنه وجد البيئة الخصبة التي تشجعه على الابتزاز والاستغلال وعدم القبول بمستوى الرواتب المعتاد، كما أنه يدرك عند هروبه أن أقصى عقوبة له هي القبض عليه وتسفيره إلى بلده ويمضي بعض الوقت هنالك ومن ثم يعود.
أما طرف الأزمة الآخر فهو السفارات التابعة للدول التي تنتمي لها تلك العمالة الهاربة، حيث إن أغلبها تعمل على تسهيل كل الإجراءات لتسفير مواطنيها، بغض النظر عن مصالح الأطراف الأخرى؛ الكفيل والجهات الحكومية المختصة مثلا، كما أن العامل في بعض الدول يستطيع بكل سهولة أن يحصل على جواز سفر آخر باسم آخر وبمعلومات أخرى، وما يدل على ذلك سرعة رجوعه على كفالة شخص آخر، وهو قد تم تسفيره، أو في الحالات العادية يتم إعطاؤه تأشيرة خروج وعودة ويعود على كفالة شخص آخر، غير أن الطرف المهم الذي يتحمل المسؤولية الكبرى تجاه هذه الأزمة هو الجوازات والجهات الحكومية ذات العلاقة من وزارة العمل والإدارة العامة.
أكثر الهاربين في الغربية
الرائد محمد الحسين -المتحدث الرسمي في الجوازات- يؤكد أن ظاهرة هروب المكفولين أصبحت منتشرة ليس في جميع مناطق المملكة، إذ تتركز النسبة الأكبر في المنطقة الغربية، بسبب قربها من الحرمين، وكثرة فرص العمل والعوائد المجزية فيها، ولوجود شركات كبيرة تقوم باستقدام أعداد كبيرة من العمال.
ويضيف الرائد الحسين أن بعض الأماكن في جدة مثل كبري العمال في الكيلو 8 وبجانب دوار الدراجة في وسط المحافظة، تحوي أعدادا كبيرة من العمال المخالفين بعضهم تكون لديه إقامة نظامية، لكنه شارد عن كفيله، والبعض الآخر يكون متخلف عمرة أو حج وليس لديه تصريح يخوله العمل في المملكة، ونحن نقوم بحملات بشكل شبه يومي، لكنهم بصراحة في ازدياد مستمر. أما على صعيد هروب الخادمات والسائقين التي يأتون بطرق رسمية ومن ثم هروبهم من غير سبب مقنع، فالسبب يعود بشكل رئيسي للمادة، فهي الهدف من وراء هروبهم لأنهم يعرفون مسبقا أنهم بمجرد وصولهم للمملكة توجد فرص عمل كثيرة ومميزات وفيرة، منها على سبيل المثال الخادمات اللائي يشكلن النسبة الأعلى في الهرب من كفلائهن، إلا أن نسبة هروب العمال من كفلائهم بعد تطبيق نظام البصمة قد انخفضت إلى 40 في المائة.
من محاسب لعامل نظافة
عبدالقادر صادق علي (30 عاما، باكستاني الجنسية، موقوف في ترحيل جدة) يقول جئت للمملكة بتأشيرة محاسب لدى مواطن، لكي أعمل لديه في مؤسسته الخاصة كمحاسب، وفجأة، دون سابق إنذار، حولني لعامل نظافة، وعندما قمت بالاعتراض والامتناع عن العمل كعامل نظافة قال لي «اذا مو عاجبك شوف لك كفيل ثاني» وأنا بصراحة ليست لدي خبرة إلا في مجال عملي كمحاسب، وليس لدي مبلغ أؤمن به حياتي أو أنقل كفالتي لشخص آخر، فقمت بالهروب من كفيلي، وفي أثناء هروبي ضاعت إقامتي، وجئت للترحيل لكي أذهب لبلدي، وها أنا انتظر بفارغ الصبر العودة لوطني.
لم يتسلمني أحد
ويقول محمد عمر (إندونيسي) منذ أن وصلت لأرض المملكة في جدة، لم يأت كفيلي لاستلامي وعند استفساري عن مصيري من الانتظار الذي امتد لمدة يومين متتالين في المطار، قام كفيلي بقفل جميع وسائل الاتصال المتاحة التي كان من الممكن التواصل معه، مما أوقعني في حرج كبير، والمطار بدوره قام بإحالتي للترحيل وأخذ بصماتي استعدادا لترحيلي، علما بأنني جئت بطريقة سليمة للعمل في المملكة.
العقد الموحد
للحد من ظاهرة هروب العمالة، يرى عصام خليفة أن الدولة بدأت في استخدام بعض الإجراءات التي ستحد نسبيا من هروب العمالة، وستساهم في تعزيز الأمن ومنها استخدام نظام البصمة العشرية لحفظ بصمات الأصابع للمقيمين في المملكة، مشيرا إلى أن هناك مفاوضات جادة تجري حاليا بين مكاتب العمل في المملكة ومكاتب العمل في تلك الدول التي تستقدم منها العمالة بخصوص العقد الموحد الذي يوضح حقوق العامل والكفيل، وهذا العقد سيساهم في الحد من هروب العمالة، فيما يرى أن هناك خطوات أخرى يجب تطبيقها من جهات الاختصاص للحد من الظاهرة، ومنها:
- توعية أفراد المجتمع من خلال مؤسسات المجتمع المختلفة بالآثار السلبية الأمنية والاجتماعية والاقتصادية لهروب العمالة الوافدة.
- تعديل الإجراءات الحالية ورفع العبء عن الكفيل الملتزم بالأنظمة ووضعها على كاهل العمالة الهاربة التي أخلت بأنظمة البلاد، وسن قوانين رادعة تمنع العمالة الوافدة من التفكير في عملية الهروب ولتلك الشبكات من استدراجهم وتشغيلهم، ومن ذلك إيقاف العمالة الهاربة وعناصر تلك الشبكات لمدد تتراوح من 3 - 6 أشهر وتحميلهم غرامة مالية مجزية وسقوط حقوقهم لدى كفلائهم، إضافة لعدم منحهم -مستقبلا- تأشيرة دخول للمملكة.
- دمج مكاتب الاستقدام في شركة كبرى تستقدم العمالة المنزلية على كفالتها، ويتم ذلك بموجب طلبات المواطنين الذين يستلمون العاملة المنزلية أو السائق بموجب عقد موقع بين المواطن وشركة الاستقدام، وموافقة العاملة المنزلية والسائق على شروط العقد، ويكون جواز سفر العاملة المنزلية أو السائق بحوزة شركة الاستقدام الكفيلة، وإن تبين عدم صلاحية العمالة المنزلية أو السائق للعمل أو عدم رغبة أحدهما في العمل لدى الأسرة المتعاقد معها يعيدهما للشركة ويستبدلهما بآخرين، ويكون هذا واردا ضمن شروط العقد.
في حين؛ يؤكد قصي فلالي -مدير مكتب العمل والعمال في جدة- أن تطبيق نظام التأمين على العمالة سوف يقضي على هروب العمالة، وبالتالي سوف يحمي المواطن وبشكل كبير بحفظ حقوقه المالية عند هروب العامل أو العاملة، لأن المواطن عند استقدامه للعامل يدخل في مصاريف من ناحية استقدام التأشيرة واستخراج الإقامة وغير ذلك، ثم بعد فترة يهرب العامل أو العاملة، مشيرا إلى أن نظام البصمة والمعمول به في الجوازات، سوف يحد من هذه الظاهرة لأن العامل الهارب إذا تم ضبطه هاربا من مكفوليه، فإنه يحرم من العودة مجددا إلى المملكة، ومن هذا فإن العامل سوف يحسب ألف حساب ويعمل بشكل نظامي.
البصمة العشرية
مصدر أمني في المديرية العامة للجوازات، أكد أن نظام البصمة العشرية والمعمول به أخيرا سيسهم إلى حد كبير في تعزيز الأمن والحد من هروب العمالة ويضع قواعد بيانات أمنية تستخدم لحفظ بصمات الأصابع للمقيمين في المملكة، عن طريق نقاط عدة في جميع المناطق، مشيرا إلى أن وزارة الداخلية، ومن خلال المديرية العامة للجوازات، قامت بإصدار قرار حول منع دخول العمالة المنزلية من سائقين وخدم المبعدين من المملكة، بسبب هروبهم من كفلائهم والعمل مرة أخرى داخل المملكة، بعد تطبيق نظام البصمة، حيث أعادت مطارات المملكة ومنافذ الدخول عددا من تلك العمالة إلى بلادهم مرة أخرى، وتعويض الكفيل الجديد بتأشيرة جديدة، وذكر أنه تمت إعادة أعداد ليست بالقليلة بعد وصولهم إلى المملكة والتثبت من بصماتهم وأنهم رحلوا سابقا بعد هروبهم من كفلائهم، مشيرا إلى أن هذا القرار سيقضي على هروب العمالة المنزلية خلال فترة وجيزة بنسبة 50 في المائة، وهذا الإجراء وغيره من الإجراءات لها آثار سيراها المواطن مستقبلا، خصوصا أن هناك خطة لربط نظام البصمة مستقبلا مع سفارات خادم الحرمين الشريفين في الخارج ليتعرف النظام إلى السائق أو الخادمة قبل منحه التأشيرة.