كنت في حضرة بعض ممن أخذوا دورات في "البرمجة اللغوية العصبية"، وكانت الدورات التي تعاطوا معها حسب أقوالهم عبارة عن "الذات والتنويم المغناطيسي والعلاج عبر الزمن"، وكان حديثهم شيقا وجميلا.
حين قال أحدهم عن المشاركين بإحدى الدورات: "لقد اتفقنا جميعا أن هذا البرنامج - العلاج عبر الزمن- منحنا سكينة ورضا بالواقع وهدوءا في التعامل مع كافة المواقف المزعجة"، رحل بي عقلي بعيدا عنهم.
كان عقلي يتساءل: هل لو أدخلنا الفقراء لدورة "العلاج عبر الزمن"، ستمنحهم نفس السكينة والرضا بالواقع الذي وقع على كاهلهم، وإن نام أبناؤهم بلا عشاء؟ لا أعرف ما الذي سيحدث، لأن معلمي "البرمجة اللغوية العصبية" لم يفتحوا دورات مجانية للفقراء، وبالتأكيد لا يستطيع الفقير اقتطاع أكثر من ألفي ريال من دخله، لدخول دورة لمدة يومين تعيد له توازنه، وتمنحه السكينة، وتقتل قلقه من الغد، وخوفه على مصير مظلم ينتظره وأسرته. لست أدري لماذا أحمل شعورا سلبيا تجاه هذه البرمجة، مع أني وكما أظن منفتح على كل ما هو جديد؟
ربما سبب هذه السلبية معرفتي أن "البرمجة اللغوية العصبية" صدرت من الغرب، بعد أن أجرى علماؤهم بحوثا ودراسات على شرائح من مجتمعهم، فابتكروا لهم حلولا لمشاكلهم، فيما البعض يأخذ من هناك ويطبق، المشكلة أن الجامعات لدينا لا تجري أي دراسات؛ لمعرفة مدى صلاحية "البرمجة" لنا، وهل علينا أن نأخذها كما هي، أم نعيد إنتاجها لتتوافق مع احتياجاتنا، طالما أن لكل مجتمع مشاكله الخاصة؟
أحيانا حين أستمع لحوار بين عاشق لهذه البرمجة وآخر يرى أنها تريد هدم عقيدتنا، أتساءل: هل مجتمعنا أصبح منقسما إلى فئتين، واحدة تشبه الغرب لدرجة أن الدراسات التي قام بها علماء غربيون تنطبق على هذه الفئة، دون الأخذ بتداخل أمور كثيرة، تتدخل في تكوين الإنسان، فيما الفئة الأخرى هربت من شقوق الزمان وجاءت للمستقبل، وما زالت تحل أمورها النفسية بشيخ يقرأ ويبصق عليها ليشفي أفراد هذه الفئة من الحالات النفسية؟ وبين هاتين الفئتين يقف عقلي حائرا أو أن عقلي ينزع للتفكير السلبي، كما يقول أحد عرافي "البرمجة العصبية اللغوية" الكاتب الأمريكي "ميرفي" في كتابه " قدرات غير محدودة"، ولكن هل يعرف "ميرفي" كيف نفكر ونعيش هنا؟ أعود لما بدأت به، لأقول: لست ضد البرمجة لأني لا أعرف نتائجها المستقبلية على مجتمعنا، كذلك لست معها لأنها ليست حلولا مقترحة وضعت بعد دراسة قام بها علماء على مجتمعنا. لهذا أجدني أرتاب بها، لأن سياسة أغنياء العالم قائمة على تحويل المجتمعات إلى مستهلكين، حتى على المستوى المعرفي، يراد لنا وبسبب غياب دور المعاهد العلمية والجامعات أن نكون مستهلكين معرفيا، فنستهلك علاجا نفسيا يناسب إنسانا يعيش في مجتمع يختلف عن مجتمعنا، وهذا الإنسان بالتأكيد يعيش ضغوطات تختلف عن الضغوطات التي يواجهها الإنسان هنا، ونطبقها دون أن ندرس أو نحلل أو نجري بحوثا لمعرفة إلى أين ستؤدي بنا هذه البرمجة؟
تنويه : حرق المراحل المعرفية أمر جيد لمواكبة التطور، ولكن ليس دائما، وبالأخص حين ينتقل العلاج النفسي من البصق إلى "البرمجة العصبية اللغوية" دون تدرج معرفي.
S_ alturigee@yahoo.com

للتواصل ارسل رسالة نصية sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 127 مسافة ثم الرسالة