أحد أهم ميزات الشريعة الإسلامية أنها مواكبة للعصر، وتأخذ بتقنياتها وأدواتها، وتحتكم إليها في نزاعات فقهية شتى، وقد خطا العلم خطوات واسعة في مجالات تحليل الدم والهندسة الوراثية، ما جعل بعض الشرعيين يتساءل حيال إمكانية توظيف هذه التقنيات في إثبات النسب، لاسيما أن حوادث إثبات نسب متفرقة وقعت في محاكم المملكة، اقترح فيها المختصون الاستناد إلى الحمض النووي للفصل في قضايا إثبات الأنساب كبديل للطريقة الشرعية المتداولة وهي اللعان، وهي الطريقة التي لجأ إليها الكثيرون عبر التاريخ الإسلامي للخروج من إشكالية النسب.
ملحق(الدين والحياة) يطرح في قضيته لهذا الأسبوع مدى إمكانية اعتماد الحمض النووي كإثبات شرعي للنسب، عبر هذا التحقيق:
في البداية أكد الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن عبد الله المخضوب الباحث الشرعي وعضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الاسلامية، أنه لا اعتبار للحمض النووي شرعا في قضية إثبات الأنساب، وقال إن المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي سبق وأن أصدر قرارا بالإجماع باعتبار الحمض النووي DNA قرينة لكنه لا يعتمد عليه لا لإثبات الأنساب أو نفيها، كما طالب الدكتور المخضوب بالحذر في طرح مثل هذه القضايا الحساسة لأن لها مساسا بالأعراض، وقال إن بعض ضعاف النفوس والمرضى يستخدمون هذا ذريعة للتشكيك في نسل أبنائهم وارتباطهم بهم فتعم البلوى في المجتمع بذلك، وأضاف: لاشك أن الاسلام أمر بحفظ الأنساب وحض عليها، مبينا أن في السنة النبوية مايدل على هذه الحالات، وذكر قصة أحد الصحابة والذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم مشككا في انتساب أحد أبنائه إليه وقد شبه له النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحالة بتناسل الإبل حتى اقتنع رضي الله عنه.
الحذر من عواقبها
وسلط الدكتور يوسف بن أحمد القاسم الأكاديمي والباحث الشرعي الضوء على بعض الأحكام والمقاصد الشرعية المرتبطة بهذه القضية، وقال إن هذا الموضوع له حساسية مفرطة، ويمكن أن يوظف خطأ بشكلٍ أو بآخر، وأضاف: أحب أن أنبه إلى نقاط متعددة، أولا: أن الله عز وجل شرع اللعان؛ حماية للزوج من حد القذف حين يتهم زوجته بالزنا، وحماية للزوجة من حد الزنا، وحماية لها من تساهل الزوج في قذفها دون بينة، ولهذا نجد اللعان من القضايا النادرة في المحاكم، لأنه يشتمل على أيمان مغلظة، وتختم أيمان الزوج في الخامسة بلعنة الله عليه إن كان كاذبا، وتختم أيمان الزوجة بالغضب من الله عليها إن كانت كاذبة، ولهذا يتراجع الكثير من الأزواج عن الإقدام عن هذه الخطوة‘ خوفا من عقاب الله تعالى، وهو كما ترى أسلوب تربوي عظيم، يمنع الزوج من التساهل في قذف زوجته دون بينة.
وثانيا: أن الشارع الحكيم قد قنن اللعان كطريقٍ وحيد لنفي ولد الزنا، وذلك لئلا يتساهل الناس في نفي الولد، فلم يجعل الشارع نفي الولد بشهادة الشهود، ولا بإقرار الزوجة، ولا بغير ذلك من وسائل الإثبات، محافظة على الأسرة، وعلى الأنساب من الضياع، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الولد للفراش) لئلا يطعن الناس في أنسابهم، ولتبقى بنوة الأولاد لآبائهم سالمة مما يكدرها، إلا في أضيق الحدود، وذلك عبر اللعان فقط.
ثالثا: أنه لو فسح المجال أمام الآباء لينفوا الأولاد الذين ولدوا على فراشهم عبر الوسائل الأخرى، كنفيهم عبر بصمة الحمض النووي DNA لرأينا الناس طوابير على أبواب الأدلة الجنائية، لإمكان الحصول عليه، دون ما يلهب المشاعر بالخوف من عقاب الله تعالى، أما الأيمان المغلظة، والدعاء على النفس بلعنة الله أو غضبه، فهو من أشد ما يمنع الزوج المسلم من الإقدام على النفي، إلا بعد تأكد وتحقق.
ولهذا نجد القاضي يوظف بصمة الحمض النووي في إثبات الأبوة، وفي إثبات النسب، فيما إذا اختلط المواليد في المستشفى, أو فيما إذا وقعت كوارث, أو زحام في الحج فاختلط المواليد، ولا يوجد من الصور والأوراق الثبوتية ما يثبت نسب هؤلاء الأطفال، ففي هذه الحالة وأشباهها يأخذ القاضي ببصمة الحمض النووي، وبغيرها من وسائل الإثبات، لأننا هنا في حالة إثبات أبوة ونسب، والشارع الحكيم يتشوف إلى الإثبات، أما في حالة نفي النسب فالشارع يحتاط لذلك أشد الاحتياط، ولهذا لم يجعل هناك وسيلة أخرى لنفي النسب في حالة وجود الفراش «أي النكاح» إلا من خلال اللعان، ومن هنا تظهر عظمة مقصد الشارع، وجهل كثيرين ممن ينادون بإجراء بصمة الحمض النووي كوسيلة للنفي، دون إدراك لأبعاد ذلك تربويا، ومجتمعيا، وأسريا. ومن أراد أن يعرف أضرار ذلك، فليقم بزيارة سريعة إلى دور اللقطاء ليعرف حجم المشكلة.
دور القاضي
رابعا: أما بالنسبة للقاضي، فإنه ينبغي إذا قدم عليه الزوج طالبا نفي الولد عبر اللعان، ينبغي عليه أن يخوفه بالله تعالى، ويبين له عظيم عقوبة الله تعالى له إن كان كاذبا، فإن أصرّ على اللعان، عرض عليه الفحص بالحمض النووي، كما حصل مرة في المحكمة العامة في الرياض، حيث عرض أحد القضاة على الزوج الفحص عبر الحمض النووي، وفعلا حصل الفحص، وثبتت إيجابيته، وأن الولد ولده، فتراجع الزوج عن اللعان، وهنا أمكن القاضي بذكائه توظيف بصمة الحمض النووي كقرينة إثبات للأب، مما أقنعه على التراجع عن اللعان، وبالتالي أصبحت البصمة هنا وسيلة إثبات لا نفي.
قرينة معتبرة
أما عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى الدكتور محمد بن سعد العصيمي فقال: إن الحمض النووي يعتبر من القرائن التي تعتبرها الشريعة الإسلامية، ما لم تعارض ماهو أقوى منها، فعلى سبيل المثال إذا دلت البينة على اعتبار النسب فلا عبرة بالقرينة و إذا لم توجد البينة اعتبرت القرينة، ويدل على ذلك ما جاء في اللعان من أن النبي صلى الله عليه وسلم احدث اللعان بين الزوجين تطبيقا للآيات الواردة في قول الله عز وجل (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين * والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين * ويدفع عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين * والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين) ثم فرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما وقال بعد ذلك: أبصروها فإن جاءت به كذا وكذا فهو لزوجها وإن جاءت به كذا وكذا فهو للذي رماها به، فلما جاءت به على النعت المكروه قال صلى الله عليه وسلم: لو ما سبق لي من كتاب الله لكان لي ولها شأن، فهذا يدل على أن القرينة إذا عارضت البينة الشرعية أو عارضت القرينة الأقوى منها فلا عبرة بها، وإن لم تعارض بينة أو قرينة أكبر منها و أعظم فإنها والحالة تلك تكون معتبرة شرعا. ومما يدل على اعتبار القرائن في الشريعة الإسلامية ما جاء في حديث معاذ بن عمر بن الجموح ومعاوية بن عفراء، وذلك عندما انطلقا يبحثان عن أبي جهل فالتقوا بعبد الرحمن بن عوف فغمزه الأول وقال: ياعم أين أبو جهل؟ قال وما تريد به؟ قال: سمعت أنه يسب النبي صلى الله عليه وسلم، فو الله لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، يقول فرأيت أبا جهل يتبختر في المعركة فقلت له: هذا صاحبكم فانطلقا إليه كالصقرين، فحفاه أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ثم ضربه كل واحد منهما بسيفه فأردياه قتيلا، فانطلقا وكل واحد منهما يقول أنا الذي قتلته فقال النبي صلى الله عليه وسلم أرياني سيفيكما، فنظر إليهما فقال: كلاكما قتله وقضى بسلبه، وهو المتاع الذي يكون على المقتول وقضى بسلبه لمعاذ بن عمر بن الجموح، وهذا يدل على أن الضربة المؤثرة في القتل هي ضربة معاذ بن عمر بن الجموح. وهذا يدل على اعتبار القرينة الدالة على حصول القتل، فغيره من باب أولى كما جاء في قول الله عز وجل عن امرأة العزيز لما اتهمت يوسف أنه راودها قال الذي مع العزيز:( إن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين* وإن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين * فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم) وهذا يدل على اعتبار القرينة وهي إن كانت في شريعة من قبلنا إلا أن القاعدة الأصولية في ذلك، شرع من قبلنا شرعنا، شرع لنا ما لم ينسخه شرعنا والأدلة على ذلك كثيرة لا يتسع المقام لحصرها.
ملحق(الدين والحياة) يطرح في قضيته لهذا الأسبوع مدى إمكانية اعتماد الحمض النووي كإثبات شرعي للنسب، عبر هذا التحقيق:
في البداية أكد الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن عبد الله المخضوب الباحث الشرعي وعضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الاسلامية، أنه لا اعتبار للحمض النووي شرعا في قضية إثبات الأنساب، وقال إن المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي سبق وأن أصدر قرارا بالإجماع باعتبار الحمض النووي DNA قرينة لكنه لا يعتمد عليه لا لإثبات الأنساب أو نفيها، كما طالب الدكتور المخضوب بالحذر في طرح مثل هذه القضايا الحساسة لأن لها مساسا بالأعراض، وقال إن بعض ضعاف النفوس والمرضى يستخدمون هذا ذريعة للتشكيك في نسل أبنائهم وارتباطهم بهم فتعم البلوى في المجتمع بذلك، وأضاف: لاشك أن الاسلام أمر بحفظ الأنساب وحض عليها، مبينا أن في السنة النبوية مايدل على هذه الحالات، وذكر قصة أحد الصحابة والذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم مشككا في انتساب أحد أبنائه إليه وقد شبه له النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحالة بتناسل الإبل حتى اقتنع رضي الله عنه.
الحذر من عواقبها
وسلط الدكتور يوسف بن أحمد القاسم الأكاديمي والباحث الشرعي الضوء على بعض الأحكام والمقاصد الشرعية المرتبطة بهذه القضية، وقال إن هذا الموضوع له حساسية مفرطة، ويمكن أن يوظف خطأ بشكلٍ أو بآخر، وأضاف: أحب أن أنبه إلى نقاط متعددة، أولا: أن الله عز وجل شرع اللعان؛ حماية للزوج من حد القذف حين يتهم زوجته بالزنا، وحماية للزوجة من حد الزنا، وحماية لها من تساهل الزوج في قذفها دون بينة، ولهذا نجد اللعان من القضايا النادرة في المحاكم، لأنه يشتمل على أيمان مغلظة، وتختم أيمان الزوج في الخامسة بلعنة الله عليه إن كان كاذبا، وتختم أيمان الزوجة بالغضب من الله عليها إن كانت كاذبة، ولهذا يتراجع الكثير من الأزواج عن الإقدام عن هذه الخطوة‘ خوفا من عقاب الله تعالى، وهو كما ترى أسلوب تربوي عظيم، يمنع الزوج من التساهل في قذف زوجته دون بينة.
وثانيا: أن الشارع الحكيم قد قنن اللعان كطريقٍ وحيد لنفي ولد الزنا، وذلك لئلا يتساهل الناس في نفي الولد، فلم يجعل الشارع نفي الولد بشهادة الشهود، ولا بإقرار الزوجة، ولا بغير ذلك من وسائل الإثبات، محافظة على الأسرة، وعلى الأنساب من الضياع، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الولد للفراش) لئلا يطعن الناس في أنسابهم، ولتبقى بنوة الأولاد لآبائهم سالمة مما يكدرها، إلا في أضيق الحدود، وذلك عبر اللعان فقط.
ثالثا: أنه لو فسح المجال أمام الآباء لينفوا الأولاد الذين ولدوا على فراشهم عبر الوسائل الأخرى، كنفيهم عبر بصمة الحمض النووي DNA لرأينا الناس طوابير على أبواب الأدلة الجنائية، لإمكان الحصول عليه، دون ما يلهب المشاعر بالخوف من عقاب الله تعالى، أما الأيمان المغلظة، والدعاء على النفس بلعنة الله أو غضبه، فهو من أشد ما يمنع الزوج المسلم من الإقدام على النفي، إلا بعد تأكد وتحقق.
ولهذا نجد القاضي يوظف بصمة الحمض النووي في إثبات الأبوة، وفي إثبات النسب، فيما إذا اختلط المواليد في المستشفى, أو فيما إذا وقعت كوارث, أو زحام في الحج فاختلط المواليد، ولا يوجد من الصور والأوراق الثبوتية ما يثبت نسب هؤلاء الأطفال، ففي هذه الحالة وأشباهها يأخذ القاضي ببصمة الحمض النووي، وبغيرها من وسائل الإثبات، لأننا هنا في حالة إثبات أبوة ونسب، والشارع الحكيم يتشوف إلى الإثبات، أما في حالة نفي النسب فالشارع يحتاط لذلك أشد الاحتياط، ولهذا لم يجعل هناك وسيلة أخرى لنفي النسب في حالة وجود الفراش «أي النكاح» إلا من خلال اللعان، ومن هنا تظهر عظمة مقصد الشارع، وجهل كثيرين ممن ينادون بإجراء بصمة الحمض النووي كوسيلة للنفي، دون إدراك لأبعاد ذلك تربويا، ومجتمعيا، وأسريا. ومن أراد أن يعرف أضرار ذلك، فليقم بزيارة سريعة إلى دور اللقطاء ليعرف حجم المشكلة.
دور القاضي
رابعا: أما بالنسبة للقاضي، فإنه ينبغي إذا قدم عليه الزوج طالبا نفي الولد عبر اللعان، ينبغي عليه أن يخوفه بالله تعالى، ويبين له عظيم عقوبة الله تعالى له إن كان كاذبا، فإن أصرّ على اللعان، عرض عليه الفحص بالحمض النووي، كما حصل مرة في المحكمة العامة في الرياض، حيث عرض أحد القضاة على الزوج الفحص عبر الحمض النووي، وفعلا حصل الفحص، وثبتت إيجابيته، وأن الولد ولده، فتراجع الزوج عن اللعان، وهنا أمكن القاضي بذكائه توظيف بصمة الحمض النووي كقرينة إثبات للأب، مما أقنعه على التراجع عن اللعان، وبالتالي أصبحت البصمة هنا وسيلة إثبات لا نفي.
قرينة معتبرة
أما عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى الدكتور محمد بن سعد العصيمي فقال: إن الحمض النووي يعتبر من القرائن التي تعتبرها الشريعة الإسلامية، ما لم تعارض ماهو أقوى منها، فعلى سبيل المثال إذا دلت البينة على اعتبار النسب فلا عبرة بالقرينة و إذا لم توجد البينة اعتبرت القرينة، ويدل على ذلك ما جاء في اللعان من أن النبي صلى الله عليه وسلم احدث اللعان بين الزوجين تطبيقا للآيات الواردة في قول الله عز وجل (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين * والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين * ويدفع عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين * والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين) ثم فرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما وقال بعد ذلك: أبصروها فإن جاءت به كذا وكذا فهو لزوجها وإن جاءت به كذا وكذا فهو للذي رماها به، فلما جاءت به على النعت المكروه قال صلى الله عليه وسلم: لو ما سبق لي من كتاب الله لكان لي ولها شأن، فهذا يدل على أن القرينة إذا عارضت البينة الشرعية أو عارضت القرينة الأقوى منها فلا عبرة بها، وإن لم تعارض بينة أو قرينة أكبر منها و أعظم فإنها والحالة تلك تكون معتبرة شرعا. ومما يدل على اعتبار القرائن في الشريعة الإسلامية ما جاء في حديث معاذ بن عمر بن الجموح ومعاوية بن عفراء، وذلك عندما انطلقا يبحثان عن أبي جهل فالتقوا بعبد الرحمن بن عوف فغمزه الأول وقال: ياعم أين أبو جهل؟ قال وما تريد به؟ قال: سمعت أنه يسب النبي صلى الله عليه وسلم، فو الله لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، يقول فرأيت أبا جهل يتبختر في المعركة فقلت له: هذا صاحبكم فانطلقا إليه كالصقرين، فحفاه أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ثم ضربه كل واحد منهما بسيفه فأردياه قتيلا، فانطلقا وكل واحد منهما يقول أنا الذي قتلته فقال النبي صلى الله عليه وسلم أرياني سيفيكما، فنظر إليهما فقال: كلاكما قتله وقضى بسلبه، وهو المتاع الذي يكون على المقتول وقضى بسلبه لمعاذ بن عمر بن الجموح، وهذا يدل على أن الضربة المؤثرة في القتل هي ضربة معاذ بن عمر بن الجموح. وهذا يدل على اعتبار القرينة الدالة على حصول القتل، فغيره من باب أولى كما جاء في قول الله عز وجل عن امرأة العزيز لما اتهمت يوسف أنه راودها قال الذي مع العزيز:( إن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين* وإن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين * فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم) وهذا يدل على اعتبار القرينة وهي إن كانت في شريعة من قبلنا إلا أن القاعدة الأصولية في ذلك، شرع من قبلنا شرعنا، شرع لنا ما لم ينسخه شرعنا والأدلة على ذلك كثيرة لا يتسع المقام لحصرها.