عندما شاهدت ابتسامة الارتياح والسعادة التي ارتسمت على محيا الرئيس الاسرائيلي شيمون بيريز وهو يلتقي رئيس الوزراء إيهود أولمرت في اليوم الثالث من العدوان الاسرائيلي الغاشم على غزة، شعرت بالغصة والألم لما كانت تعنيه تلك الابتسامة، فها هي إسرائيل تسجل انتصارا جديدا في سلسلة معاركها ضد الأمة، وها هي تحتفل بإراقة دماء المزيد من الأبرياء وإزهاق أرواح المزيد من الأطفال الذين قتلوا بالجملة في هذه الحرب غير المتكافئة التي كانت فيها طائرات العدو من طراز إف 16 ومروحياته من نوع أباتشي التي تطلق صواريخ (لاو) الموجهة بالليزر على أهدافها تلهو وتعبث بحرية تامة في سماء مدينة تعتبر من أكثر مدن العالم اكتظاظا بالسكان، وحيث يعني قصف أي هدف سقوط ضحايا من المدنيين.
لست بصدد إضافة ما اتفق عليه الجميع بأن ما حدث ويحدث في غزة منذ أكثر من أسبوع هو جريمة شنعاء يزيد من بشاعتها حالة الصمت الدولي المطبق الذي يعني إعطاء المزيد من الحرية لإسرائيل لإكمال مذبحتها الجديدة الرهيبة التي أسفرت عن استشهاد المئات وجرح الآلاف من الضحايا الأبرياء بينهم عشرات الأطفال. لست بصدد التأكيد على حقيقة اتفق عليها الجميع، وإنما أحاول فقط استشراف آفاق المستقبل الذي ينتظر القطاع والمنطقة بعد أن تضع هذه الحروب التي تدور من طرف واحد أوزارها. بيد أنني قبل ذلك أرى إنه من الإجحاف مقارنة تلك الحرب بحرب إسرائيل في لبنان صيف 2006 لعدة أسباب أولها أن حزب الله كان يحصل على الأعتدة والأسلحة التي لا مجال لمقارنتها بتلك التي بحوزة حماس، وهو كان يحصل على هذا الدعم - إضافة إلى التدريب- من إيران عبر سوريا دون أي عوائق، وهو ما لم يتوفر حتى الآن لفصائل المقاومة الفلسطينية في القطاع، ولو توفرت لتلك الفصائل بضعة صواريخ من نوع سام 9 لما تسنى لمروحيات الأباتشي استباحة أجواء غزة على النحو الذي شاهدناه على شاشات التلفاز، وإلى جانب ذلك فقد أمكن ملاحظة أن العديد من الأطراف العربية وغير العربية استغلت هذا الحدث المؤلم للمزايدة على المواقف، أو بمعنى آخر استغلت المأساة لتصفية حساباتها القديمة والجديدة بين بعضها البعض مستخدمة مفردات العمالة والخيانة والتواطؤ وغير ذلك من المفردات التي تخرج في أهدافها عن الإحساس بالمسؤولية الجماعية للأمة في هذا الخطب الجسيم.
ما تزعمه إسرائيل بأنه نصر ضد المقاومة الفلسطينية في القطاع لا يمكن أن يخدم قضية السلام بأي حال من الأحوال، فالنتيجة الطبيعية لهذا القتل الجماعي والعشوائي إن لم تكن انتفاضة ثالثة فإنها لابد وأن تمكن حماس من تجنيد جيوش جديدة من العناصر الأكثر تشددا وتجعل أهل غزة يلتفون حولها، ليس هذا كلامي، وإنما كلام (الإنديبندنت) الأحد الماضي، إلى جانب أن الانتصار في المفهوم الإسرائيلي الذي يعني حرق غزة وقتل العدد الأكبر من أهلها لا يمكن أن يؤدي إلى تحقيق الأمن والسلام لإسرائيل، وهو ليس كلامي أيضا وإنما كلام الصحفي البريطاني سيماس ميلن في «الجارديان» الثلاثاء الماضي بقوله في مقال له بعنوان «الهجوم الإسرائيلي على غزة جريمة لا يمكن أن تنجح»: إن المحاولة الإسرائيلية المدعومة أمريكيا لإخضاع حماس بالقوة الكاسحة، ستؤدي على الأرجح إلى نتيجة عكسية. لقد تعالت أصوات كثيرة في الصحف الإسرائيلية في الآونة الأخيرة تطالب رئيس الوزراء إيهود أولمرت بمفاوضة حماس لإنهاء هذا المسلسل التراجيدي الذي طالت حلقاته أكثر من اللازم، وذكرت تلك الأصوات أن إسرائيل كانت ترفض التفاوض مع منظمة التحرير وقادة المنظمة، وأنه -طبقا لحقائق التاريخ- لابد من التفاوض مع حماس في نهاية المطاف، وهو ما يجعل تلك الحروب مضيعة للوقت إلى جانب ما يترتب عليها من سقوط ضحايا وأبرياء مدنيين لا ذنب لهم إلا أنهم يعيشون في قطاع غزة.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن, من سيتولى إعادة إعمار غزة وإعادة بنيتها التحتية التي دمرتها إسرائيل عن بكرة أبيها, ومن سيعوض آلاف المدنيين الذين دمرت منازلهم وبيوتهم؟ متى.. وكيف، هذه الأسئلة لابد وان تصطدم بحقيقة تستوجب التذكير أيضا بأن حماس ليست حزب الله. فحزب الله يستظل براية الدولة (اللبنانية) التي ساهمت بالقدر الأكبر في إعادة اعمار الجنوب, ولم توجد ثمة عوائق تعيق وصول المساعدات إلى الجنوب, وليست هذه الحال في غزة, فإذا لم تفتح المعابر وإذا لم تعد غزة والضفة تحت سلطة واحدة سيظل القطاع يلعق جراحه, وستزداد المأساة فداحة في ظل استمرار الحصار ويمكن أن تؤدي الأوضاع إلى كارثة إنسانية تتجاوز التصور, وهو ما يقتضي إنهاء الانقسام الفلسطيني بأسرع وقت ممكن للخروج من المأزق الراهن مع التذكير بأن المطلب العربي الذي عبر عنه الاجتماع الوزاري لجامعة الدول العربية الأسبوع الماضي بهذا الصدد يصطدم مع الأهداف الإسرائيلية التي ترى أن مصلحتها تكمن في استمرار الانقسام, وهو ما يعني أن مطلب المصالحة يلبي المصلحة الوطنية الفلسطينية أولا وأخيرا وهو ما ينبغي على كافة الفصائل الفلسطينية إدراكه.