حين دعتها قريبتها لحضور حفل تخرجها من الثانوية العامة ترددت كثيرا، هل تحضر الحفل أم تعتذر، فهي لم تعتد على حضور الحفلات، وكثيرا ما كانت تخجل من تواجدها بين الناس، بل إنها حين يتحدث إليها أحد الكبار كانت تضع عينيها في الأرض وتشبك يديها وتبقى صامتة إلى أن ينهي الكبير حديثه، ومع تشجيع قريبتها لها وافقت ولكنها اشترطت عليها: أن تكون والدتها معها، وأن يدخلن جميعا إلى القاعة، وأن لا تتركها أمها لحظة واحدة، حققت لها قريبتها كل الشروط، ودخلت بصحبة أمها وقريبتها، وجلست بجوار والدتها والقلق قد أخذ منها مأخذا كبيرا إلى حد أنها كانت تسمع ضربات قلبها وتحس وكأنه يكاد يخرج من صدرها، وصار هدوؤها يزداد كلما ازدادت القاعة امتلاء بالطالبات وأمهاتهن، إلا أنها كانت تحس أن الوقت يسير متثاقلا إلى أن بدأ الحفل الذي شدتها فقراته ولم تعد تشعر بعد ذلك بكثير من مظاهر القلق السابقة، وكانت اللحظة الحاسمة هي لحظة توزيع الجوائز على المتفوقات في مجالات النشاط المختلفة، فقد استرعى انتباهها أمرا مهما، إذ كان التصفيق لكل طالبة تظهر على المسرح مختلف الشدة، فبعض الطالبات لا يكاد يصفق لهن أحد، في حين أن طالبات أخريات يكاد لا يتوقف التصفيق لهن، فسألت قريبتها عن سر ذلك، وكان جوابها أن الطالبات اللواتي يحظين بشعبية كبيرة هن اللواتي حظين بتصفيق طويل وحار، عندها سألت نفسها سؤالا غير مجرى حياتها تماما: هل أريد أن أقف في مثل هذا الموقف لألقى تصفيقا طويلا حارا أم تصفيقا خفيفا وضعيفا؟ تقول: يومها قررت أن أحظى بتصفيق حار وطويل، ومن يومها بدأت سلوكياتها الاجتماعية تتغير، وقررت أن تخرج من قوقعتها التي وضعت نفسها بداخلها، وبدأت تتخيل نفسها في هذا الموقف بعد ثلاث سنوات من ذلك الحفل الذي عانت فيه من القلق والخجل الكثير، وكانت تلاحظ الفتيات اللواتي يحظين بشعبية كبيرة، وأدركت أن هذه الشعبية مصدرها حب الآخرين، وطرحت على نفسها سؤالا مهما: ما السر الذي جعل هؤلاء الطالبات يكسبن هذه المحبة؟ تقول بدأت أبحث وأراجع سلوك من حولي من الطالبات وأدركت أن سر محبة الطالبات له العديد من الأسباب ولا يكمن وراءه سبب واحد، فالتفوق أحد هذه الأسباب، والآخر المشاركة الوجدانية بمعنى أن تحس الواحدة منهن بمشاعر غيرها وأن تدرك الضيق أو الحزن أو الألم أو القلق في وجوه الغير وتسعى للتعاطف مع كل ذلك، كما أن التفكير من منطلق الواجب الذي يفرضه الموقف هو الأساس، فالطالبات المعطاءات اللواتي لا يبخلن على غيرهن بمساعدة حتى لو كانت بكلمة، هن الأكثر شعبية وهن الأعلى رصيدا من الحب بين الأخريات، أطرقت زميلتها التي كانت تسير بجانبها قليلا بعد أن توقفت في مكانها، فالتفتت لها وسحبتها من يدها مبتسمة ومتسائلة: ما بك؟ فقالت: ألم تكوني تخشين أن يؤثر ذلك على دراستك ومستواك التحصيلي؟ فأجابت: لقد كنت دائما أحرص أن أكون على صواب فيما أفعل دون أن يؤذي ذلك الصواب غيري مع التأكيد على أن لا تفارق الابتسامة وجهي، وأن لا أتوانى عن الاعتذار لأية طالبة لو ثبت لي أنني أخطأت بحقها فعلا، ولن أنسى حفل التخرج الذي غير مجرى حياتي بعد أن مضى على حضوري له تسع سنوات، فنحن كما تعلمين على وشك الانتهاء من سنة الامتياز إذ لم يبق أكثر من شهر ونصف فقط وسنصبح طبيبات بإذن الله، لقد علمني ذلك الموقف أن العطاء بكل صوره هو محور كسب محبة الناس.

للتواصل ارسل رسالة نصية sms الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 146 مسافة ثم الرسالة
او عبر الفاكس رقم: 6327389 الهاتف: 2841552
الإيميل: Dr.Maisarah yahoo.com