عندما شرع الرسول صلى الله عليه وسلم الأذان للصلاة اختار الصوت الشجي العذب وهو الصحابي الجليل بلال بن رباح ـ رضي الله عنه ـ ليكون أول مؤذن للإسلام، الذي استمر مؤذنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وفاته عليه الصلاة والسلام. ولما زار أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ الشام توسل المسلمون إليه أن يحمل بلالا على أن يؤذن لهم صلاة واحدة، ودعا أمير المؤمنين بلالا، وقد حان وقت الصلاة ورجاه أن يؤذن لها، وصعد بلال وأذن فبكى الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ ممن أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وبلال يؤذن، بكوا كما لم يبكوا من قبل أبدا، وكان عمر ـ رضي الله عنه ـ أشدهم بكاء.وإذا تطرقنا إلى الأذان في الحرمين الشريفين فإن المؤذنين ينادون للصلاة على عدة مقامات، منها المقام المدني والمقام اليماني الحجازي والمقام المشورك (بين المقام المدني والمقام اليماني الحجازي)، ولكل منهما ميزة، لكن الأذان الحجازي أصعب من المدني، الذي يحتاج إلى صوت وقوة، أما المدني يحتاج إلى رطوبة في الصوت.
الأذان والموسيقى
في الدول الإسلامية الأذان يختلف من مدينة لأخرى، فهناك الأذان المصري والدمشقي وغيرها، ولكل منها نوعه وراحلته وقراره، ففي مصر يكون الأذان بعدة مقامات، منها: مقام الصبا، الذي يمتاز بنبرة الصوت الحزينة، وغالبا يكون في أذاني الفجر والعصر، ومقام السيكا ويمتاز بنبرة الفرح، وغالباً يكون أذاني المغرب والعشاء في رمضان، وأيضا في المناسبات مثل أذان فجر يوم العيد، وكذلك بمقام الراست الذي يكون عادة في أذاني الظهر والمغرب. وفي تركيا وتحديدا في العاصمة استانبول فإن مقامات الأذان تختلف في اليوم الواحد من أذان لآخر، ولكل نداء للصلاة في اليوم والليلة المقام الخاص به، فهناك مقامات ذات الأصول الفارسية التي تكون على مقام ديلكش أزاران (الصبا) في صلاة الفجر، وعلى مقامي راست وحجاز لصلاة الظهر، ومقامات بياتي وحجاز وأووشاق للعصر، ومقامات حجاز وراست وسيكا ودوجاه في أذان المغرب، أما بالنسبة لمقام أذان العشاء فكان ومقامات حجاز وبياتي وراست ونوا وأووشاق لنداء صلاة العشاء.وإذا اعتبرنا أن الأذان صنعة لا بد لممتهنها من دراسة المقامات ومعرفة الضوابط الفقهية للأذان، فإننا حينها لا نستغرب من قول مؤذن المسجد النبوي عبدالرحمن خاشقجي حين يؤكد أن لكل مؤذن نكهة مميزة وبصمة خاصة، ولذلك نجد مؤذن المسجد الحرام الشيخ علي ملا يرى أن شروط المؤذن بمعرفته التامة بقواعد الأذان والتبليغ (التكبير بعد الإمام)، والالتزام بحدود الأذان دون الخروج إلى مرحلة الغناء أو التطويل، وإضافة لهذين الرأيين فإن مؤذن الحرم المكي نايف فيده يضع وصفة للمؤذنين للحفاظ على سلامة الصوت والحبال الصوتية، من ذلك البعد عن التيارات الهوائية الباردة، وعدم تناول الأطعمة والمشروبات الباردة، والتقليل من تناول المأكولات المفلفلة والحوامض، متطرقاً إلى بعض الوصفات الطبية الشعبية للمحافظة على الحنجرة مثل: تناول الماء الدافئ والعسل والحبة السوداء وزيت الزيتون.ومع هذه المقامات المتعددة للأذان فإن الموسيقار غازي علي يوضح أن كل ما يغنى هو موسيقى، ولذا فإن الأذان يعتبر موسيقى تطرب له الأذن، مشيرا إلى أن الأذان مبني على مقامات موسيقية وأي أذان لا يبنى على غير المقام الموسيقي يعتبر نشازا ومنفرا للأذن، مشيرا إلى أن الأذان في الحرمين الشريفين وفي بعض الدول الإسلامية الأخرى تطرب له الآذان لأنه يبنى على مقامات مختلفة مثل النهاوند والبياتي والحجاز.
أذان الخيف
وقبل أيام استمتع الحجيج أثناء تواجدهم بمنى في موسم الحج المنصرم بسماع نغمات الأذان الحجازي بأصوات جميلة ترفع الأذان وتقيم الصلاة من داخل مسجد الخيف، تم اختيارهم بعناية، فمنهم من تم اختياره هذا العام، وآخرون سبق لهم التشرف بذلك في أعوام سابقة، حتى أن الدكتور خالد الغامدي (أحد) الأئمة السابقين في الخيف كان المسجد طريقا له للإمامة في المسجد الحرام.
التقيت أثناء موسم الحج بأئمة ومؤذني مسجد الخيف وهم د. محب الدين واعظ (الأستاذ المشارك بقسم الكتاب والسنة في جامعة أم القرى)، والمؤذنيان الشيخ أحمد علي نحاس (وكيل ثانوية الثغر بجدة) وأيمن سراج معروف (واحد من سلالة مؤذني المسجد الحرام)، حيث يوضح د. محب الدين أنه بدأ الإمامة في المسجد عام 1425هـ، مشيرا إلى أنه ارتبط بالقرآن الكريم منذ الصغر فحفظه في سن مبكرة، مواصلا رحلته مع كتاب الله الكريم، فاستعانت بخبراته الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمكة المكرمة ليكون رئيسا لقسم الدراسات والتطوير المتعلقة بكتاب الله الكريم، خاصة أنه أستاذ للحديث وتفسير القرآن وعلومها في الجامعة، كما أنه إماما لمسجد محمود مليباري بمكة المكرمة، ويعيد د. محب الدين تعلقه بالقرآن وحفظه ودراسة علومه لفضل الله على توفيقه له، ثم لوالديه اللذان شجعانه على حفظ كتاب الله ومتابعة النهل من علومه، وأساتذته الذين علموه وحفظوه القرآن الكريم، موصيا الشباب والناشئة بالنهل من كتاب الله الكريم وحفظه وتعلمه لأنه الحافظ لهم من الشرور، ويشير إلى عدة تجارب لشباب حفظوا القرآن فرفعهم الله في الدنيا وسينالون الجزاء الأكبر في الآخرة، ويلبسون والديهم تاج الوقار يوم القيامة. أما المؤذنان أحمد نحاس وأيمن معروف اللذان بدآ في الأذان في مسجد الحنيف عام 1422هـ، فإنهما يشنفان الآذان بصوت جميل يذكر بأصوات المسجد الحرام على الطريقة المكاوية بمقام "الحجاز"، ولهما أمنية الانضمام لقافلة المؤذنين بالمسجد الحرام، فالأول لديه ماجستير تربية إسلامية مقارنة، والثاني جده ووالده وشقيقه كانوا مؤذنين في الحرم المكي. ويؤكدان أن الصوت الذي وهبهما الله إياه هو نعمة يجب المحافظة عليها بالشكر والدعاء موضحين أن الأذان ليس غناء رغم استخدام المقامات فيه، مشيرين إلى أن الصوت لا بد له من عناية بالابتعاد عن السوائل الباردة أو الحارة واستخدام الدافئ منها، وشرب الزنجبيل، ووضع حبة من القرنفل (المسمار) قبل الأذان الذي يطهر الحلق. ويؤكد نحاس وسراج أنهما يستمتعان برفع الأذان من مسجد الخيف بمنى، ويريان أن هذا من فضل الله يهبه لمن يشاء.
الأذان والموسيقى
في الدول الإسلامية الأذان يختلف من مدينة لأخرى، فهناك الأذان المصري والدمشقي وغيرها، ولكل منها نوعه وراحلته وقراره، ففي مصر يكون الأذان بعدة مقامات، منها: مقام الصبا، الذي يمتاز بنبرة الصوت الحزينة، وغالبا يكون في أذاني الفجر والعصر، ومقام السيكا ويمتاز بنبرة الفرح، وغالباً يكون أذاني المغرب والعشاء في رمضان، وأيضا في المناسبات مثل أذان فجر يوم العيد، وكذلك بمقام الراست الذي يكون عادة في أذاني الظهر والمغرب. وفي تركيا وتحديدا في العاصمة استانبول فإن مقامات الأذان تختلف في اليوم الواحد من أذان لآخر، ولكل نداء للصلاة في اليوم والليلة المقام الخاص به، فهناك مقامات ذات الأصول الفارسية التي تكون على مقام ديلكش أزاران (الصبا) في صلاة الفجر، وعلى مقامي راست وحجاز لصلاة الظهر، ومقامات بياتي وحجاز وأووشاق للعصر، ومقامات حجاز وراست وسيكا ودوجاه في أذان المغرب، أما بالنسبة لمقام أذان العشاء فكان ومقامات حجاز وبياتي وراست ونوا وأووشاق لنداء صلاة العشاء.وإذا اعتبرنا أن الأذان صنعة لا بد لممتهنها من دراسة المقامات ومعرفة الضوابط الفقهية للأذان، فإننا حينها لا نستغرب من قول مؤذن المسجد النبوي عبدالرحمن خاشقجي حين يؤكد أن لكل مؤذن نكهة مميزة وبصمة خاصة، ولذلك نجد مؤذن المسجد الحرام الشيخ علي ملا يرى أن شروط المؤذن بمعرفته التامة بقواعد الأذان والتبليغ (التكبير بعد الإمام)، والالتزام بحدود الأذان دون الخروج إلى مرحلة الغناء أو التطويل، وإضافة لهذين الرأيين فإن مؤذن الحرم المكي نايف فيده يضع وصفة للمؤذنين للحفاظ على سلامة الصوت والحبال الصوتية، من ذلك البعد عن التيارات الهوائية الباردة، وعدم تناول الأطعمة والمشروبات الباردة، والتقليل من تناول المأكولات المفلفلة والحوامض، متطرقاً إلى بعض الوصفات الطبية الشعبية للمحافظة على الحنجرة مثل: تناول الماء الدافئ والعسل والحبة السوداء وزيت الزيتون.ومع هذه المقامات المتعددة للأذان فإن الموسيقار غازي علي يوضح أن كل ما يغنى هو موسيقى، ولذا فإن الأذان يعتبر موسيقى تطرب له الأذن، مشيرا إلى أن الأذان مبني على مقامات موسيقية وأي أذان لا يبنى على غير المقام الموسيقي يعتبر نشازا ومنفرا للأذن، مشيرا إلى أن الأذان في الحرمين الشريفين وفي بعض الدول الإسلامية الأخرى تطرب له الآذان لأنه يبنى على مقامات مختلفة مثل النهاوند والبياتي والحجاز.
أذان الخيف
وقبل أيام استمتع الحجيج أثناء تواجدهم بمنى في موسم الحج المنصرم بسماع نغمات الأذان الحجازي بأصوات جميلة ترفع الأذان وتقيم الصلاة من داخل مسجد الخيف، تم اختيارهم بعناية، فمنهم من تم اختياره هذا العام، وآخرون سبق لهم التشرف بذلك في أعوام سابقة، حتى أن الدكتور خالد الغامدي (أحد) الأئمة السابقين في الخيف كان المسجد طريقا له للإمامة في المسجد الحرام.
التقيت أثناء موسم الحج بأئمة ومؤذني مسجد الخيف وهم د. محب الدين واعظ (الأستاذ المشارك بقسم الكتاب والسنة في جامعة أم القرى)، والمؤذنيان الشيخ أحمد علي نحاس (وكيل ثانوية الثغر بجدة) وأيمن سراج معروف (واحد من سلالة مؤذني المسجد الحرام)، حيث يوضح د. محب الدين أنه بدأ الإمامة في المسجد عام 1425هـ، مشيرا إلى أنه ارتبط بالقرآن الكريم منذ الصغر فحفظه في سن مبكرة، مواصلا رحلته مع كتاب الله الكريم، فاستعانت بخبراته الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بمكة المكرمة ليكون رئيسا لقسم الدراسات والتطوير المتعلقة بكتاب الله الكريم، خاصة أنه أستاذ للحديث وتفسير القرآن وعلومها في الجامعة، كما أنه إماما لمسجد محمود مليباري بمكة المكرمة، ويعيد د. محب الدين تعلقه بالقرآن وحفظه ودراسة علومه لفضل الله على توفيقه له، ثم لوالديه اللذان شجعانه على حفظ كتاب الله ومتابعة النهل من علومه، وأساتذته الذين علموه وحفظوه القرآن الكريم، موصيا الشباب والناشئة بالنهل من كتاب الله الكريم وحفظه وتعلمه لأنه الحافظ لهم من الشرور، ويشير إلى عدة تجارب لشباب حفظوا القرآن فرفعهم الله في الدنيا وسينالون الجزاء الأكبر في الآخرة، ويلبسون والديهم تاج الوقار يوم القيامة. أما المؤذنان أحمد نحاس وأيمن معروف اللذان بدآ في الأذان في مسجد الحنيف عام 1422هـ، فإنهما يشنفان الآذان بصوت جميل يذكر بأصوات المسجد الحرام على الطريقة المكاوية بمقام "الحجاز"، ولهما أمنية الانضمام لقافلة المؤذنين بالمسجد الحرام، فالأول لديه ماجستير تربية إسلامية مقارنة، والثاني جده ووالده وشقيقه كانوا مؤذنين في الحرم المكي. ويؤكدان أن الصوت الذي وهبهما الله إياه هو نعمة يجب المحافظة عليها بالشكر والدعاء موضحين أن الأذان ليس غناء رغم استخدام المقامات فيه، مشيرين إلى أن الصوت لا بد له من عناية بالابتعاد عن السوائل الباردة أو الحارة واستخدام الدافئ منها، وشرب الزنجبيل، ووضع حبة من القرنفل (المسمار) قبل الأذان الذي يطهر الحلق. ويؤكد نحاس وسراج أنهما يستمتعان برفع الأذان من مسجد الخيف بمنى، ويريان أن هذا من فضل الله يهبه لمن يشاء.