أفزعني ما قرأته في الصحف منذ أيام عن رجل رهن ولده مقابل عشرين ألف ريال، ثم أبلغ عن اختفائه.
قضية خطيرة بحق، تستاهل الوقوف عندها حتى وإن لم تصل إلى حد الظاهرة، وتشيع في المجتمع السعودي، فليس من المعقول أن نصم آذاننا، ونعمي عيوننا، ونكسر أقلامنا، ونتغاضى عن معالجة السلبيات وإن كانت حالات فردية، فمهمة كل قلم وطني غيور، أن يعالج السلبيات قبل استفحالها، وقبل أن تتحول من مجرد «هفوات فردية» إلى ظواهر اجتماعية.
لن أعالج الأمر من زاوية شرعية، فهذه المعالجة لها رجالاتها، وإن كنت على يقين من أن رهن الأبناء لا يجوز شرعاً، لأنه يعني ببساطة، إن لم يتم دفع المبلغ في موعده، جاز للطرف الآخر امتلاك هذا المرهون، ولكنني فقط سأتناول القضية من زوايا أخرى، لعل أبرزها تلك «الحيوانية» التي اتسمت بها سلوكيات الأب، وإن كنت أدرك أن الحيوان لا يفرط في أولاده بهذه السهولة.
مثل هذا الأب، وهو لا يستحق لفظ الأب، لابد من أن يعرض أولاً وقبل أي إجراء يتخذ بحقه، على المتخصصين في الطب النفسي، فإذا كان الرجل سوياً، لابد من محاكمته وتوقيع ما يستحقه من عقوبة عليه، وإن كان غير سوي، ويعاني من مرض عقلي أو نفسي، فينبغي أن تتم معالجته في المصحات المتخصصة.
وإن كان سوياً -كذلك- علينا دراسة الأسباب التي دفعته لأن يفرط في فلذة كبده، ذي الثلاث سنوات، على أن تتم معالجة الأسباب، دون أن تكون هذه الأسباب أعذاراً تقبل منه بسهولة.
فقد يكون الرجل في حاجة ماسة للمال، وظروفه سيئة للغاية، وعندها لابد من معالجة هذه الظروف، على أن لا تسقط معاقبته للتفريط في ولده من جانب، ولخرقه أبسط حقوق الإنسان التي أرساها الإسلام متمثلة في حق الحرية.
لقد لفت انتباهي في هذه القضية أن الطفل المرهون قد انتقل من حضن الأب في تبوك، إلى مقر الطرف الآخر، وكأنه سلعة تباع وتشترى، في مدينة جدة.
فكيف خرج هذا الطفل من تبوك إلى جدة، براً أو جواً، دون أن يكتشف أمره؟
المسألة ببساطة أن هوياتنا لا تحمل صوراً لأطفالنا، وهذا يدفعنا إلى أن نقترح على الجهات المعنية أن تضم حفيظة نفوس الأب صوراً لأولاده.
وثمة نقطة مهمة أخرى ينبغي ألا تغيب عن أذهان رجال الشرطة الذين اكتشفوا هذه «الجريمة»، تتعلق بذلك الذي أخذ الطفل رهينة، فهو طرف ضالع في هذا العمل البشع الشنيع الذي لا يقره الشرع، ولا تقبله الأعراف، هل كان يعتقد أنه سيمتلك هذا الطفل في حالة عجز والده عن سداد المبلغ؟ هل كان يدرك أن هذه الفعلة النكراء هي جريمة متكاملة الأبعاد؟ نحن نريد معرفة ما ستنتهي إليه هذه القضية على وجه السرعة، لأنها قضية هزت كل صاحب ضمير من الأعماق، وحتى لا تتكرر، فقد يأتي يوم -إذا لم تعالج المسألة بحزم- ونجد على بعض المحلات لوحات كُتب عليها: نحن نقبل رهن الذهب.. والأولاد.. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
dr@drrasheed.com

للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 177 مسافة ثم الرسالة