شبع القراء من البلاوي التي تحدث في المدارس الحكومية في مختلف الدول العربية، وأعترف بأنني معجب بالنظم والضوابط التربوية المعمول بها في المدارس الأجنبية، حيث يحظر على المدرس شتم أو ضرب الطلاب أو إرهاقهم بالواجبات المنزلية، كما أنني من أنصار المناهج الدراسية التي لا تقوم على التلقين الببغاوي وتعطي الطالب هامشا من الحرية ليفكر ويصل إلى استنتاجات صحيحة أو خاطئة.. ورغم أنني أدخلت عيالي في مدرسة أجنبية عريقة في قطر (ومسألة العراقة مهمة كما سأوضح لاحقا)، إلا أنني ظللت متنبها لحقيقة ان هذا النوع من المدارس لا يخلو من مزالق،.. عراقة المدرسة الأجنبية تعني أن إدارتها تفهم خصوصية الثقافة والعادات.. ولكن هناك أشياء تفوت على أجانب عاشوا بيننا لثلاثين سنة مثلا.. ذات مرة كنت أرافق منتجا تلفزيونيا بريطانيا شديد الحماس للثقافتين العربية والإسلامية، وسبق له إعداد برامج ناجحة يدحض فيها الافتراءات حول العرب والمسلمين، وذات يوم جلست معه ليعرض علي مقاطع من فيلم "خام” حول المرأة المسلمة، وفجأة انتبهت إلى لقطة لمئات النساء في مسجد في صلاة التراويح وهن في وضع السجود، فقلت له إن اللقطة غير موفقة وستثير احتجاجات لأن الكاميرا كانت خلف المصليات.. قال لي إن أجمل ما في صلوات المسلمين الركوع والسجود لأن الخشوع يتجلى فيهما ولكنني قلت له: ولو.. لا يصح تسليط الكاميرا على مؤخرات الناس ذكورا كانوا أم إناثا، وأن تصوير لاعبات التنس في وضع الانحناء لضربة البداية في كل جولة أمر مبتذل لا علاقة له باللعبة نفسها.
في صحيفة خليجية صدرت يوم الاثنين 27 نوفمبر تقرير مطول عن مدرسة أجنبية وزعت أوراقا مطبوعة على طلابها حول التغذية المتوازنة: ضرورة الابتعاد عن الوجبات المشبعة بالدهون، والإكثار من أكل الخضروات والفواكه واللحوم البيضاء و............ تناول جرعات من النبيذ الأحمر خلال الوجبات! نعم؟ ريد واين.. عصير العنب المختمر الذي يسكر حتى قليله؟ بالتأكيد لم تتعمد المعلمة التي وزعت تلك الأوراق الترويج للخمر، وفي تقديري فإن ما حدث هو أنها عثرت على قائمة بالأطعمة المفيدة صحيا وقامت بما يسمى في لغة الكمبيوتر «كت آند بيست» أي قطع ولصق، ولم تنتبه إلى كون أن النبيذ سواء كان أحمر أو بنفسجيا حرام في البيئة التي ينتمي إليها طلابها.. ولكن لو تذكرت ان ذائقة الطعام نفسها تختلف في الدولة الخليجية، عن البلد الأوروبي الذي تنتمي إليه، لما وقعت في ذلك الخطأ الشنيع (دعك من أنه لا يجوز لمعلم تمجيد أي نوع من الخمور في أي بيئة ثقافية).. وقبل نحو عام دخلت معلمة بريطانية السجن في الخرطوم لأنها أتت بدب (دمية) وطلبت من تلاميذها الصغار أن يختاروا له اسما فوقع اختيار الصغار وبكل براءة على "محمد”، بوصفه أحب الأسماء إلى نفوسهم، وعلم أولياء الأمور بالحكاية وانتهى الأمر باعتقال المدرسة ثم إبعادها من السودان.
في نفس الجريدة ولكن في مدرسة ثانوية حكومية اكتشف الآباء أن على عيالهم دفع رشوة لعمال المقصف للحصول على وجبات.. الحيلة الذكية الحقيرة تمثلت في بيع الطعام من خلال نافذتين بدلا من خمس، وتفاديا للتزاحم يدفع الطلاب المقتدرون ماليا الرشوة ويحصلون على الوجبات من الباب الخلفي للمقصف في ثوان.. تقول الجريدة إن حارس نفس المدرسة يتقاضى الرشوة للسماح للطلاب للخروج من المدرسة أو لتوفير السجائر لهم.. ولم تقل الصحيفة لماذا هناك مدير ووكيل ورقيب ووكيل عريف في المدرسة.


jafasid09@hotmail.com


للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم
88548 تبدأ بالرمز 151 مسافة ثم الرسالة