هي أيام بل ربما أشهر ..من أجل أن يبيع أحدهم شيئا من تلك العيدان.. خضراء كانت أم بنية اللون.
إنهم بائعو المساويك أولئك الذين يقدمون لك عود الأراك بثمن لا يعجز عنه الصغير لكنهم يرتهنون بذلك الثمن الزهيد الكثير و الكثير من أحلام اليباس .
الظروف وحدها هي التي أجبرتهم على البقاء طويلا فمنهم من يمكث أشهرا بعيدا عن أطفاله و بعيدا عن بيته.
أنهم آباء يحملون جباها ووجوها قد رسمت فيها السنون خطوط التعب و المعاناة و مع ذلك لا حيلة لهم سوى العشم في صحة تدوم و تدوم على الأقل لريثما يحققون شيئا من متطلبات العيال و البيت أو يسددون بعض الحقوق و الدين .
فالسوق أو المكان مهما امتلأ ضجيجا لا يعنيهم من كل ذلك الضجيج عدا من يجلس أمامهم طالبا بريال أو ريالين عود المسواك.
اليوم يمر و ربما شارف الوقت على حمل البضاعة و الخلود للنوم، الأمر لا يتطلب سوى قطعة قماش أو كرتون و النوم على رصيف أو زاوية قرب البضاعة.
في حين يلوذ بعضهم بالمقهى و النوم ليس بالمجان !
لا بد من الدفع و هذا الدفع إن حدث فهو مبلغ سيكون من ميزانية العيال و احتياجاتهم ولهذا يمكن توفير المبلغ بالنوم قرب البضاعة على الرصيف.
مسواك البلدية
العم مسعود عواد الفهيمي – 49 عاما الذي أمضى قرابة العشرين عاما في بيع المساويك قال محترقا:
أكثر من عشرين عاما قضيتها بائعا لهذه المساويك و التي كنت أيام الشباب أحضرها من (خضراء) ديرة المساويك الصحيحة.
هذه الديرة التي تقع في طريق الساحل توجد بها غابات من شجر الأراك حيث كنت أذهب كل خمسة عشر يوما لكي أقوم بالحفر لمسافات عميقة حتى أصل إلى الجذر الأساسي و المدفون في العمق هناك.
هذه الشجرة لم تعد كذلك الآن بسبب أنها تحمي نفسها من الحفر و القطع العابث لجذورها.
العمالة يا ولدي تعبث بكل شيء ولا يهمها أي شيء، و لماذا تهتم.. هي جاءت لكي تجمع المال بأي شكل ولا يهمها إن تلف الشجر أو حتى الأرض هؤلاء عندما قاموا ببيع المساويك لم يتعاملوا مع شجرة الأراك مثلما يتعامل ابن الوطن فنحن نقوم بقطع ما نحتاج ولكن لا نقتل الشجرة حتى نعود لها من جديد أما هؤلاء فهم يجتثونها بواسطة (الشيول) من جذورها بالكامل ثم يقطعون الجذور و يتركونها تموت على سطح الأرض.
يفعلون هذا و لا أحد يمنعهم لذلك الكثير من هذا الشجر تم قتله بواسطة هذه الطريقة و بلا رحمة . كنت أراهم يفعلون لهذا تركت بيع المساويك بسبب حزني على تلك الأشجار و لم أعد إليها و خصوصا عندما كثر هؤلاء لكن أغلبهم لا يستطيع أن يذهب إلى حيث تلك الأشجار كما أن كثرة الحملات في طريق الساحل جعلت منهم قلة و ليس بالكثرة التي كانت من قبل و لهذا لجأ بعضهم لشراء الأراك من بائعي المساويك ثم يعودون لبيعها من جديد كما أن هناك بعض الأشجار الخاصة بالبلدية لها شكل الأراك و طعمه لكنها ليست (أراك) وهؤلاء يقومون ببيعه على أساس أنه من شجرة الأراك و كل هذا غش و فعل مشين من أفعال هؤلاء العمال.
لقد عدت لبيع المساويك بعدما أصبت بالتهاب في عظام ساقي و لم أعد استطيع الحركة مثلما كنت سابقا لم أجد عملا أعيش منه سوى بيع المساويك و لهذا آتي إلى هذا المكان في بعض الأحيان و أغيب عنه لبيع المساويك بجوار المساجد، يوم هنا و أيام هناك و هكذا لا أثبت في مكان واحد .
كنت مقاولا
وبينما يشتكي العم مسعود من العبث الجائر بأشجار الأراك في طريق الساحل يظن العم سالم محمد المضبعي – 55 عاما أن المساويك التي يتم بيعها حاليا ليست مساويك تتحقق فيها الفائدة التي يطلبها الشخص من السواك قائلا:
أغلب الذي يباع هو مسواك قد مضت عليه أشهر طويلة يقوم البعض بوضعه في الماء لكي يبدو طريا و جديدا.. و يستكمل ضاحكا:
أنا «ابن الأراك» و أعرف المسواك الحقيقي من المسواك الذي يؤتى به من أشجار البلدية كما أعرف المسواك الجديد من القديم .
فما يتم بيعه مساويك يتم وضعها ليلا في الماء حتى الصباح ثم تباع للناس، و الناس لا تعلم من ذلك شيئا لكن سألتني لماذا أبيع المساويك الآن :
كنت يا ولدي أعمل مقاولا كبيرا و كان الحال جيدا لكن قبل تسعة و عشرين عاما سقط علي عمود خرسانة و هشم ساقي اليسرى و أوشك الأطباء على بترها لتهشم العظام فيها و ظللت أحاول و أحاول أن أمنع البتر عنها و أخذت أدعو الله ليل نهار و الحمد الله استجاب لي و شفيت بقدرة القادر الأحد بعدما يئس الأطباء من ذلك.
بقيت أكثر من خمس سنوات وأنا أعاني خسرت فيها كل شيء لكنني ربحت ساقي و لله الحمد و هذا فضل كبير من الله لهذا لم أشعر بأنني خسرت بل على العكس ربحت صحة رجلي .
و منذ ذلك اليوم لم أعد للمقاولات لقد كرهتها كما أن صحتي لم تعد تسعفني و من هنا تحولت لبيع المساويك كما ترى.
و مات النحل
رضا الدين تواب معمور – 43 عاما، يقسم بالله أن المساويك التي يبيعها هي مساويك لا غش فيها لكنه يعترف أنه يضعها في الماء ليلا حتى لا تتخشب و قال :
«هذا مسواك أصلي أنا فيه يشتري من عند صديق في مكة.. الحرم»..و فهمت من كلامه أنه في كل يوم جمعة يوصي صديقا له يذهب إلى مكة بشراء كمية من المساويك من هناك لاعتقاده أن المسواك الحقيقي يباع بجوار الحرم و يمتنع عن شراء المساويك من البلد ليس لأنه يشك فيها و إنما لأن باعة المساويك هناك يرفعون سعرها عليه عندما يعلمون أنه يود المتاجرة بها .
رضا الدين قال إنه أصلا كان يعمل في مهنة (النحالة) لكن مع توقف الأمطار قام كفيله ببيع النحل بعدما مات الكثير منه ولهذا بقي رضا بلا عمل و اضطر لبيع المساويك لأنها مهنة سريعة ولا تحتاج للكثير من الوقت سوى الصلاة في أحد المساجد ثم وضع المساويك على الأرض لكي يتم بيعها و يقول إنها مهنة بسيطة لكنها لا تأتي بربح كثير «ممكن مكسب خمسة ريال أو عشرة بس» إلا أنه مضطر لأنه لا يستطيع العمل في غيرها و في نفس الوقت لا يستطيع العودة لبلاده لأنه محمل بدين كبير نتيجة التأشيرة و يرفض العودة ما لم يجمع كل تلك الديون بالحلال.
رفضت تجارة الأغنام
العم مصلح عاتق الحاشدي – 55 عاما القادم من القنفذة ينفي ما قاله رضا الدين من كون باعة المساويك في (البلد) يرفعون السعر على كل من يود المتاجرة بالمساويك قائلا:
لم يكن صادقا الذي يقول هذا الكلام يا أخي نحن لا نستفسر ممن يشتري منا هنا.. نفرح يا ولدي لو جاء أحد الناس و طلب كمية كبيرة من هذه المساويك سواء كان يبيعها أو يستخدمها أو يهديها.
الكثير من الناس يأتون هنا من الرياض و القصيم و يتعاملون معي أنا مثلما يتعامل آخرون مع غيري و يقومون بشراء كميات كبيرة من المساويك لم أسأل أحدهم ماذا تفعل بها ولا يهمني فأنا أعرف أن الكثير منهم يقوم بشرائها لكي يوزعها على الناس أو يهديها لكن كما قلت لا يهمني ذلك و السعر يخضع للتفاوض بل و الله ثم و الله دائما ما أبيع أحيانا بنقص ريالين أو حتى عشرة.. و (شوف) يا ولدي أنا في هذا المكان من نحو ثلاثة وثلاثين عاما لا أذكر أنني رأيت بائع مساويك يستغل الناس البيع و الشراء البركة فيه مخافة الله وما عرفنا الغش و استغلال الناس إلا عندما دخل في هذه المهنة ناس ليسوا من أهلها.
أنا أسكن في القنفذة و عيالي هناك أجلس أشهرا طويلة لا أعرفهم إلا من خلال التليفون أتصل بهم و أرسل لهم ما يحتاجون من هذا السوق فما الذي يجعلني أجلس كل هذه المدة بعيدا عن عيالي و بيتي؟
أنا أقول لك: الذي يجلسني كل هذه المدة و يجعلني أتحمل كل هذا التعب هو (القرش الحلال) وإلا أنا كنت أبيع و أشتري في الأغنام و كانت حالي ميسورة و مستورة، لكن عندما رأيت أن بيع الأغنام في السوق دخل فيه من لا يخاف الله و صار البيع فيها مشبوها هربت إلى بيع المساويك و هذا الكلام كما قلت لك له نحو ثلاثة وثلاثين عاما منذ أن تركت بيع الأغنام و صدقني لو وجدت في بيع المساويك شيئا من ذلك لخرجت من السوق بكل هدوء و الله هو الرزاق.
ابني كان مدرسا
وبحرقة يقول العم عوض الله مساعد المسعودي – 76 عاما:
لم أكن من بائعي المساويك لكن شاء الله ذلك فقد كانت لدي مزرعة أزرع فيها الذرة و الدخن و القصب و الخضروات و هذا قبل أربعين عاما ثم مع جدب الآبار و قلة المياه مات كل شيء و أصبحت مزرعتي مجرد رمال لا حياة فيها لكن من فضل الله تعالي أن ولدي الكبير كان قد تخرج معلما كفاني تعب الحياة و فرحت لذلك فرحا كبيرا حيث تولى كل شيء عني، و كان بارا بي و ما ضايقني في يوم ما .
عشت سعيدا بهذا الحال ست سنوات حتى كان ذلك المساء و يعلم الله أنني في مساء ذلك اليوم كنت أشعر بضيق شديد يكتم صدري و كنت أتعوذ بالله منه. فبينما هو عائد من عمله في طريق الليث تعرض هو و أربعة من المدرسين الذين كانوا معه لحادث توفي فيه ثلاثة منهم و نجا واحد و لكنه معاق. جاءني الخبر في الليل عندما علمت أنه تأخر عن موعد حضوره للبيت، و كما قلت كنت أشعر بذلك لكنني لم أتكلم خوفا على أمه.
لقد توفي و ما كان علي إلا العودة للبحث عن الرزق و لم أجد غير هذه المساويك التي (أتلقط) منها الرزق بصبر و أحمد الله على كل شيء فهذه حكمته.
النوم على الرصيف
...بيتي يا ولدي في قرية من قرى الطائف، أتوجه إليها في بعض الاحيان بعد مرور شهرين وربما ثلاثة أيام وحينما أجمع مبلغا كافيا للذهاب فلا أتردد بل أذهب متلهفا إلى بيتي..
هكذا قالها عبيدالله شجاع السفياني – 74 عاما و يكمل:
أحيانا أنام في (القهوة) و كان يكلفني النوم هناك قبل سنتين عشرة ريالات لكنهم مع ارتفاع الأسعار رفعوا قيمة النوم إلى خمسة عشر ريالا في بعض هذه المقاهي و هذا صعب علي.
فو الله هذا المبلغ يكلفني كثيرا من لوازم أبنائي و لهذا أضطر في كثير من الليالي أن أتوجه قرب أحد الدكاكين في هذا السوق و أفرش فراشي و أنام لكن صار هذا ممنوعا فحراس الأمن يرفضون بقائي هناك فأضطر للتوجه إلى أحد الأزقة .
كل هذا من أجل الأولاد و لا تنس أننا ندفع مقابل الطعام و الشراب، ففي بعض الأيام أكتفي بوجبتين فقط فطور و عشاء أو فطور و غداء فقط لكن ما يكلفني هو غسل الثياب و هذا ضروري لأنه لابد أن أكون حسن المظهر حتى يقبل الناس علي لكن لو كانت الثياب متسخة فهذا مظهر لا أرضى أن أكون فيه و لعل هذا ما يجعل بعض بائعي المساويك يتوقفون عن لبس الثوب و الاكتفاء بقميص و (فوطة) أو ما نسميه نحن (الوزرة) .
للأراك مواطن
ويعدد العم سليمان بن قاسم القداح – 70 عاما أماكن المساويك الجيدة قائلا:
يأتي المسواك من جازان و حلي و الأحسبة و منطقة الشواق و يعتبر أجودها ما يأتي من الأحسبة و الشواق.
أما بالنسبة لي فقد كنت عسكريا في عهد الملك سعود يرحمه الله ثم تقاعدت حيث امتهنت هذا العمل الذي أعيش منه الآن.
و المساويك تحتاج إلى عناية خاصة و يجب أن تحفظ في أكياس حتى لا تتيبس أما وضعها في الماء فإن تكرار هذه العملية يؤدي لوجود رائحة بها. و سعر المساويك غير ثابت فأحيانا تأخذ المئة بمئتين و خمسين ريالا و أحيانا تصل إلى ثلاثمائة ريال.
عاشق المساويك
الشاب رمزي بشير العبدلي – 34 عاما عشق المساويك فلم يكمل دراسته كما يقول..ويضيف: توقفت عند المرحلة الابتدائية حيث امتهنت هذا العمل من عهد والدي و أصبحت لا أتقن سواه بل لا أريد العمل إلا فيه فأنا خبير الآن في موضوع المساويك هذا.
و كما قال لك العم سليمان فهي تأتي من جازان و الأحسبة و الشواق و أنا أقوم شخصيا بعملية الحفر من أجل الحصول على الأراك و لو تعلم مدى التعب الذي أواجهه في هذه العملية لعرفت مدى المشقة التي لا توازيها مشقة من أجل عود الأراك.
و لعل هذا ما يجعلني أستغرب من بعض الزبائن حينما يأتي إلى هنا و أطلب منه سعرا معينا لأجده يقول لي:
«يا أخي أنت و يش سويت قطعته من الشجرة و ما تعبت فيه»
استغرب من مثل هذا الشخص الذي يقول هذا و أعتقد أنه جاهل تماما لأن الحصول على الأراك يتطلب حفرا قد يمتد إلى مترين تحت شجرته و هذا يستغرق جهدا ووقتا و الحقيقة أن كثرة الأمطار تساعد على عمق الحفرة فمتى كان المطر كثيرا هذا يعني أننا نبذل مجهودا أقل و متى كانت الأمطار شحيحة فهذا يتطلب تعبا و مشقة كبيرة.
و رغم أن للأراك مواسم محددة إلا أنه عموما يظل بضاعة مثل بقية البضائع تتعرض في أوقات معينة إلى الكساد و صدقني لولا أنني أطلب الأجر من الله تعالى - عندما تجد أحدهم يدعو لك - صدقني لولا هذا لربما تركت هذه المهنه منذ زمن. وأنت تسألني لماذا لم أتزوج فأقول لك كيف أتزوج و الديون تتراكم علي.. بضاعتنا بالكاد تفي ببعض الاحتياجات و مسألة الزواج هذه تحتاج إلى تكاليف باهظة. و يشاطره علي رمزي العبدلي – 40 عاما في هذا الهم حيث يقول إنه كثيرا ما يقوم بالاقتراض من الأحباب و الأصدقاء لتسديد إيجار بيته المتأخر و ذلك لأن سوق الأراك سوق خاسرة غير ثابتة فأحيانا ينزل الأراك للحراج و يكون سعره مرتفعا جدا و هذا يؤدي إلى خسارة بائع التجزئة و يضيف علي رمزي: سوق الأراك مثل سوق الأسهم لا تتوقع نتائجها ولا تستطيع أن تتنبأ بما يحدث فيها والله المستعان.
إنهم بائعو المساويك أولئك الذين يقدمون لك عود الأراك بثمن لا يعجز عنه الصغير لكنهم يرتهنون بذلك الثمن الزهيد الكثير و الكثير من أحلام اليباس .
الظروف وحدها هي التي أجبرتهم على البقاء طويلا فمنهم من يمكث أشهرا بعيدا عن أطفاله و بعيدا عن بيته.
أنهم آباء يحملون جباها ووجوها قد رسمت فيها السنون خطوط التعب و المعاناة و مع ذلك لا حيلة لهم سوى العشم في صحة تدوم و تدوم على الأقل لريثما يحققون شيئا من متطلبات العيال و البيت أو يسددون بعض الحقوق و الدين .
فالسوق أو المكان مهما امتلأ ضجيجا لا يعنيهم من كل ذلك الضجيج عدا من يجلس أمامهم طالبا بريال أو ريالين عود المسواك.
اليوم يمر و ربما شارف الوقت على حمل البضاعة و الخلود للنوم، الأمر لا يتطلب سوى قطعة قماش أو كرتون و النوم على رصيف أو زاوية قرب البضاعة.
في حين يلوذ بعضهم بالمقهى و النوم ليس بالمجان !
لا بد من الدفع و هذا الدفع إن حدث فهو مبلغ سيكون من ميزانية العيال و احتياجاتهم ولهذا يمكن توفير المبلغ بالنوم قرب البضاعة على الرصيف.
مسواك البلدية
العم مسعود عواد الفهيمي – 49 عاما الذي أمضى قرابة العشرين عاما في بيع المساويك قال محترقا:
أكثر من عشرين عاما قضيتها بائعا لهذه المساويك و التي كنت أيام الشباب أحضرها من (خضراء) ديرة المساويك الصحيحة.
هذه الديرة التي تقع في طريق الساحل توجد بها غابات من شجر الأراك حيث كنت أذهب كل خمسة عشر يوما لكي أقوم بالحفر لمسافات عميقة حتى أصل إلى الجذر الأساسي و المدفون في العمق هناك.
هذه الشجرة لم تعد كذلك الآن بسبب أنها تحمي نفسها من الحفر و القطع العابث لجذورها.
العمالة يا ولدي تعبث بكل شيء ولا يهمها أي شيء، و لماذا تهتم.. هي جاءت لكي تجمع المال بأي شكل ولا يهمها إن تلف الشجر أو حتى الأرض هؤلاء عندما قاموا ببيع المساويك لم يتعاملوا مع شجرة الأراك مثلما يتعامل ابن الوطن فنحن نقوم بقطع ما نحتاج ولكن لا نقتل الشجرة حتى نعود لها من جديد أما هؤلاء فهم يجتثونها بواسطة (الشيول) من جذورها بالكامل ثم يقطعون الجذور و يتركونها تموت على سطح الأرض.
يفعلون هذا و لا أحد يمنعهم لذلك الكثير من هذا الشجر تم قتله بواسطة هذه الطريقة و بلا رحمة . كنت أراهم يفعلون لهذا تركت بيع المساويك بسبب حزني على تلك الأشجار و لم أعد إليها و خصوصا عندما كثر هؤلاء لكن أغلبهم لا يستطيع أن يذهب إلى حيث تلك الأشجار كما أن كثرة الحملات في طريق الساحل جعلت منهم قلة و ليس بالكثرة التي كانت من قبل و لهذا لجأ بعضهم لشراء الأراك من بائعي المساويك ثم يعودون لبيعها من جديد كما أن هناك بعض الأشجار الخاصة بالبلدية لها شكل الأراك و طعمه لكنها ليست (أراك) وهؤلاء يقومون ببيعه على أساس أنه من شجرة الأراك و كل هذا غش و فعل مشين من أفعال هؤلاء العمال.
لقد عدت لبيع المساويك بعدما أصبت بالتهاب في عظام ساقي و لم أعد استطيع الحركة مثلما كنت سابقا لم أجد عملا أعيش منه سوى بيع المساويك و لهذا آتي إلى هذا المكان في بعض الأحيان و أغيب عنه لبيع المساويك بجوار المساجد، يوم هنا و أيام هناك و هكذا لا أثبت في مكان واحد .
كنت مقاولا
وبينما يشتكي العم مسعود من العبث الجائر بأشجار الأراك في طريق الساحل يظن العم سالم محمد المضبعي – 55 عاما أن المساويك التي يتم بيعها حاليا ليست مساويك تتحقق فيها الفائدة التي يطلبها الشخص من السواك قائلا:
أغلب الذي يباع هو مسواك قد مضت عليه أشهر طويلة يقوم البعض بوضعه في الماء لكي يبدو طريا و جديدا.. و يستكمل ضاحكا:
أنا «ابن الأراك» و أعرف المسواك الحقيقي من المسواك الذي يؤتى به من أشجار البلدية كما أعرف المسواك الجديد من القديم .
فما يتم بيعه مساويك يتم وضعها ليلا في الماء حتى الصباح ثم تباع للناس، و الناس لا تعلم من ذلك شيئا لكن سألتني لماذا أبيع المساويك الآن :
كنت يا ولدي أعمل مقاولا كبيرا و كان الحال جيدا لكن قبل تسعة و عشرين عاما سقط علي عمود خرسانة و هشم ساقي اليسرى و أوشك الأطباء على بترها لتهشم العظام فيها و ظللت أحاول و أحاول أن أمنع البتر عنها و أخذت أدعو الله ليل نهار و الحمد الله استجاب لي و شفيت بقدرة القادر الأحد بعدما يئس الأطباء من ذلك.
بقيت أكثر من خمس سنوات وأنا أعاني خسرت فيها كل شيء لكنني ربحت ساقي و لله الحمد و هذا فضل كبير من الله لهذا لم أشعر بأنني خسرت بل على العكس ربحت صحة رجلي .
و منذ ذلك اليوم لم أعد للمقاولات لقد كرهتها كما أن صحتي لم تعد تسعفني و من هنا تحولت لبيع المساويك كما ترى.
و مات النحل
رضا الدين تواب معمور – 43 عاما، يقسم بالله أن المساويك التي يبيعها هي مساويك لا غش فيها لكنه يعترف أنه يضعها في الماء ليلا حتى لا تتخشب و قال :
«هذا مسواك أصلي أنا فيه يشتري من عند صديق في مكة.. الحرم»..و فهمت من كلامه أنه في كل يوم جمعة يوصي صديقا له يذهب إلى مكة بشراء كمية من المساويك من هناك لاعتقاده أن المسواك الحقيقي يباع بجوار الحرم و يمتنع عن شراء المساويك من البلد ليس لأنه يشك فيها و إنما لأن باعة المساويك هناك يرفعون سعرها عليه عندما يعلمون أنه يود المتاجرة بها .
رضا الدين قال إنه أصلا كان يعمل في مهنة (النحالة) لكن مع توقف الأمطار قام كفيله ببيع النحل بعدما مات الكثير منه ولهذا بقي رضا بلا عمل و اضطر لبيع المساويك لأنها مهنة سريعة ولا تحتاج للكثير من الوقت سوى الصلاة في أحد المساجد ثم وضع المساويك على الأرض لكي يتم بيعها و يقول إنها مهنة بسيطة لكنها لا تأتي بربح كثير «ممكن مكسب خمسة ريال أو عشرة بس» إلا أنه مضطر لأنه لا يستطيع العمل في غيرها و في نفس الوقت لا يستطيع العودة لبلاده لأنه محمل بدين كبير نتيجة التأشيرة و يرفض العودة ما لم يجمع كل تلك الديون بالحلال.
رفضت تجارة الأغنام
العم مصلح عاتق الحاشدي – 55 عاما القادم من القنفذة ينفي ما قاله رضا الدين من كون باعة المساويك في (البلد) يرفعون السعر على كل من يود المتاجرة بالمساويك قائلا:
لم يكن صادقا الذي يقول هذا الكلام يا أخي نحن لا نستفسر ممن يشتري منا هنا.. نفرح يا ولدي لو جاء أحد الناس و طلب كمية كبيرة من هذه المساويك سواء كان يبيعها أو يستخدمها أو يهديها.
الكثير من الناس يأتون هنا من الرياض و القصيم و يتعاملون معي أنا مثلما يتعامل آخرون مع غيري و يقومون بشراء كميات كبيرة من المساويك لم أسأل أحدهم ماذا تفعل بها ولا يهمني فأنا أعرف أن الكثير منهم يقوم بشرائها لكي يوزعها على الناس أو يهديها لكن كما قلت لا يهمني ذلك و السعر يخضع للتفاوض بل و الله ثم و الله دائما ما أبيع أحيانا بنقص ريالين أو حتى عشرة.. و (شوف) يا ولدي أنا في هذا المكان من نحو ثلاثة وثلاثين عاما لا أذكر أنني رأيت بائع مساويك يستغل الناس البيع و الشراء البركة فيه مخافة الله وما عرفنا الغش و استغلال الناس إلا عندما دخل في هذه المهنة ناس ليسوا من أهلها.
أنا أسكن في القنفذة و عيالي هناك أجلس أشهرا طويلة لا أعرفهم إلا من خلال التليفون أتصل بهم و أرسل لهم ما يحتاجون من هذا السوق فما الذي يجعلني أجلس كل هذه المدة بعيدا عن عيالي و بيتي؟
أنا أقول لك: الذي يجلسني كل هذه المدة و يجعلني أتحمل كل هذا التعب هو (القرش الحلال) وإلا أنا كنت أبيع و أشتري في الأغنام و كانت حالي ميسورة و مستورة، لكن عندما رأيت أن بيع الأغنام في السوق دخل فيه من لا يخاف الله و صار البيع فيها مشبوها هربت إلى بيع المساويك و هذا الكلام كما قلت لك له نحو ثلاثة وثلاثين عاما منذ أن تركت بيع الأغنام و صدقني لو وجدت في بيع المساويك شيئا من ذلك لخرجت من السوق بكل هدوء و الله هو الرزاق.
ابني كان مدرسا
وبحرقة يقول العم عوض الله مساعد المسعودي – 76 عاما:
لم أكن من بائعي المساويك لكن شاء الله ذلك فقد كانت لدي مزرعة أزرع فيها الذرة و الدخن و القصب و الخضروات و هذا قبل أربعين عاما ثم مع جدب الآبار و قلة المياه مات كل شيء و أصبحت مزرعتي مجرد رمال لا حياة فيها لكن من فضل الله تعالي أن ولدي الكبير كان قد تخرج معلما كفاني تعب الحياة و فرحت لذلك فرحا كبيرا حيث تولى كل شيء عني، و كان بارا بي و ما ضايقني في يوم ما .
عشت سعيدا بهذا الحال ست سنوات حتى كان ذلك المساء و يعلم الله أنني في مساء ذلك اليوم كنت أشعر بضيق شديد يكتم صدري و كنت أتعوذ بالله منه. فبينما هو عائد من عمله في طريق الليث تعرض هو و أربعة من المدرسين الذين كانوا معه لحادث توفي فيه ثلاثة منهم و نجا واحد و لكنه معاق. جاءني الخبر في الليل عندما علمت أنه تأخر عن موعد حضوره للبيت، و كما قلت كنت أشعر بذلك لكنني لم أتكلم خوفا على أمه.
لقد توفي و ما كان علي إلا العودة للبحث عن الرزق و لم أجد غير هذه المساويك التي (أتلقط) منها الرزق بصبر و أحمد الله على كل شيء فهذه حكمته.
النوم على الرصيف
...بيتي يا ولدي في قرية من قرى الطائف، أتوجه إليها في بعض الاحيان بعد مرور شهرين وربما ثلاثة أيام وحينما أجمع مبلغا كافيا للذهاب فلا أتردد بل أذهب متلهفا إلى بيتي..
هكذا قالها عبيدالله شجاع السفياني – 74 عاما و يكمل:
أحيانا أنام في (القهوة) و كان يكلفني النوم هناك قبل سنتين عشرة ريالات لكنهم مع ارتفاع الأسعار رفعوا قيمة النوم إلى خمسة عشر ريالا في بعض هذه المقاهي و هذا صعب علي.
فو الله هذا المبلغ يكلفني كثيرا من لوازم أبنائي و لهذا أضطر في كثير من الليالي أن أتوجه قرب أحد الدكاكين في هذا السوق و أفرش فراشي و أنام لكن صار هذا ممنوعا فحراس الأمن يرفضون بقائي هناك فأضطر للتوجه إلى أحد الأزقة .
كل هذا من أجل الأولاد و لا تنس أننا ندفع مقابل الطعام و الشراب، ففي بعض الأيام أكتفي بوجبتين فقط فطور و عشاء أو فطور و غداء فقط لكن ما يكلفني هو غسل الثياب و هذا ضروري لأنه لابد أن أكون حسن المظهر حتى يقبل الناس علي لكن لو كانت الثياب متسخة فهذا مظهر لا أرضى أن أكون فيه و لعل هذا ما يجعل بعض بائعي المساويك يتوقفون عن لبس الثوب و الاكتفاء بقميص و (فوطة) أو ما نسميه نحن (الوزرة) .
للأراك مواطن
ويعدد العم سليمان بن قاسم القداح – 70 عاما أماكن المساويك الجيدة قائلا:
يأتي المسواك من جازان و حلي و الأحسبة و منطقة الشواق و يعتبر أجودها ما يأتي من الأحسبة و الشواق.
أما بالنسبة لي فقد كنت عسكريا في عهد الملك سعود يرحمه الله ثم تقاعدت حيث امتهنت هذا العمل الذي أعيش منه الآن.
و المساويك تحتاج إلى عناية خاصة و يجب أن تحفظ في أكياس حتى لا تتيبس أما وضعها في الماء فإن تكرار هذه العملية يؤدي لوجود رائحة بها. و سعر المساويك غير ثابت فأحيانا تأخذ المئة بمئتين و خمسين ريالا و أحيانا تصل إلى ثلاثمائة ريال.
عاشق المساويك
الشاب رمزي بشير العبدلي – 34 عاما عشق المساويك فلم يكمل دراسته كما يقول..ويضيف: توقفت عند المرحلة الابتدائية حيث امتهنت هذا العمل من عهد والدي و أصبحت لا أتقن سواه بل لا أريد العمل إلا فيه فأنا خبير الآن في موضوع المساويك هذا.
و كما قال لك العم سليمان فهي تأتي من جازان و الأحسبة و الشواق و أنا أقوم شخصيا بعملية الحفر من أجل الحصول على الأراك و لو تعلم مدى التعب الذي أواجهه في هذه العملية لعرفت مدى المشقة التي لا توازيها مشقة من أجل عود الأراك.
و لعل هذا ما يجعلني أستغرب من بعض الزبائن حينما يأتي إلى هنا و أطلب منه سعرا معينا لأجده يقول لي:
«يا أخي أنت و يش سويت قطعته من الشجرة و ما تعبت فيه»
استغرب من مثل هذا الشخص الذي يقول هذا و أعتقد أنه جاهل تماما لأن الحصول على الأراك يتطلب حفرا قد يمتد إلى مترين تحت شجرته و هذا يستغرق جهدا ووقتا و الحقيقة أن كثرة الأمطار تساعد على عمق الحفرة فمتى كان المطر كثيرا هذا يعني أننا نبذل مجهودا أقل و متى كانت الأمطار شحيحة فهذا يتطلب تعبا و مشقة كبيرة.
و رغم أن للأراك مواسم محددة إلا أنه عموما يظل بضاعة مثل بقية البضائع تتعرض في أوقات معينة إلى الكساد و صدقني لولا أنني أطلب الأجر من الله تعالى - عندما تجد أحدهم يدعو لك - صدقني لولا هذا لربما تركت هذه المهنه منذ زمن. وأنت تسألني لماذا لم أتزوج فأقول لك كيف أتزوج و الديون تتراكم علي.. بضاعتنا بالكاد تفي ببعض الاحتياجات و مسألة الزواج هذه تحتاج إلى تكاليف باهظة. و يشاطره علي رمزي العبدلي – 40 عاما في هذا الهم حيث يقول إنه كثيرا ما يقوم بالاقتراض من الأحباب و الأصدقاء لتسديد إيجار بيته المتأخر و ذلك لأن سوق الأراك سوق خاسرة غير ثابتة فأحيانا ينزل الأراك للحراج و يكون سعره مرتفعا جدا و هذا يؤدي إلى خسارة بائع التجزئة و يضيف علي رمزي: سوق الأراك مثل سوق الأسهم لا تتوقع نتائجها ولا تستطيع أن تتنبأ بما يحدث فيها والله المستعان.