تتزايد الضغوط السياسية على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في وقت تتراجع فيه أولوية الحرب الأوكرانية على أجندة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي يسعى إلى تحقيق اختراق في مسار التسوية مع روسيا قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر القادم.


وبين حسابات ترمب الانتخابية، وتمسك زيلينسكي بمواقفه حيال الشروط الروسية، تبدو العلاقات بين واشنطن وكييف أمام مرحلة أكثر تعقيداً، خصوصاً مع تصاعد الخلافات بشأن التنازلات الإقليمية والضمانات الأمنية التي يفترض أن تتضمنها أي تسوية محتملة.


ولم يعد التوتر بين الرئيسين مقتصراً على الخلافات الشخصية، التي ظهرت بوضوح خلال لقائهما العاصف في البيت الأبيض في فبراير 2025، بل امتد إلى مستقبل الدعم الأمريكي لأوكرانيا، وحدود استعداد واشنطن لمواصلة تحمل أعباء الحرب.


حسابات انتخابية تضغط على كييف


يربط مراقبون تشدد موقف ترمب تجاه زيلينسكي برغبته في تحقيق إنجاز سياسي خارجي، يعزز موقف الجمهوريين قبل الانتخابات النصفية، في ظل تحديات داخلية وضغوط اقتصادية مرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة وتداعيات المواجهة مع إيران.


ويرى المراقبون أن استمرار رفض كييف بعض الطروحات الأمريكية للتسوية بات يمثل عقبة أمام مساعي ترمب لإنهاء الحرب سريعاً، خصوصاً مع استمرار الدعم الأوروبي للموقف الأوكراني.


وتعكس تصريحات ترمب بشأن ضرورة تغيير القيادة الأوكرانية اتساع الهوة بين الطرفين، فيما يواصل الكرملين إظهار ارتياحه للتحركات الأمريكية، معتبراً أن القيادة الأوكرانية لم تعد قادرة على تغيير مسار المواجهة.


الدعم الأمريكي.. مؤشرات مقلقة


على الرغم من استمرار بعض أشكال التعاون العسكري والاستخباراتي بين واشنطن وكييف، فإن تقارير إعلامية تحدثت عن عراقيل تواجه وصول إمدادات عسكرية أمريكية إلى أوكرانيا، من بينها صواريخ اعتراضية سبق أن مولت دول أخرى شراءها.


كما أثارت تقارير عن تراجع مستوى تبادل المعلومات الاستخباراتية، وفرض قيود على بعض خدمات الاتصالات الفضائية، تساؤلات بشأن مستقبل المساندة الأمريكية للقوات الأوكرانية.


وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة في ظل اعتماد كييف على القدرات الأمريكية في الدفاع الجوي والمعلومات الاستخباراتية، وهو ما يجعل أي تقليص لهذه المساعدات عاملاً مؤثراً في قدرتها على مواصلة الحرب.


وكان زيلينسكي قد أقر بصعوبة استمرار المواجهة دون دعم واشنطن، بالتزامن مع اعترافه بتحول جانب كبير من الاهتمام الدولي نحو تطورات الشرق الأوسط.


ملفات الفساد تزيد الضغوط


ولا تقتصر التحديات التي يواجهها زيلينسكي على خلافاته مع الإدارة الأمريكية، إذ تتزامن الضغوط الخارجية مع قضايا فساد طالت شخصيات من دائرته السياسية والمقربة منه.


وتناولت تقارير إعلامية تحقيقات واتهامات مرتبطة بمسؤولين وشخصيات بارزة، من بينهم مدير مكتبه أندريه يرماك، ورجل الأعمال تيمور مينديتش، الذي ارتبط اسمه سابقاً بزيلينسكي من خلال شركة الإنتاج الفني «كفارتال 95».


وتوفر هذه الملفات مادة إضافية لانتقادات ترمب، الذي دأب على التشكيك في حجم المساعدات الأمريكية المقدمة لأوكرانيا وآليات الرقابة على إنفاقها خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن.


زيلينسكي أمام خيارات صعبة


تضع هذه التطورات الرئيس الأوكراني أمام معادلة سياسية وعسكرية شديدة التعقيد؛ فالموافقة على تسوية تتضمن تنازلات إقليمية قد تثير اعتراضات داخلية واسعة، بينما يحمل استمرار رفض المقترحات المطروحة مخاطر اتساع الخلاف مع واشنطن.


وفي المقابل، لا يبدو الدعم الأوروبي، على أهميته، كافياً بالضرورة لتعويض جميع القدرات العسكرية والاستخباراتية التي توفرها الولايات المتحدة.


ومع اقتراب الانتخابات الأمريكية النصفية، يتزايد الضغط الزمني على مساعي التسوية، فيما يحاول زيلينسكي الحفاظ على الدعم الغربي دون تقديم تنازلات يعتبرها تهديداً لمستقبل بلاده.


وبين إصرار ترمب على إنهاء الحرب وفق حساباته السياسية، وتمسك زيلينسكي بشروطه، يبقى السؤال الأبرز: هل تنجح الضغوط الأمريكية في دفع كييف إلى تسوية لا ترغب فيها، أم تتحول الخلافات بين الحليفين إلى أزمة تعيد رسم مستقبل القيادة الأوكرانية؟