بين ما يُقال عن إيران وما يجري حولها فجوة يصعب تجاهلها. فالرئيس الأمريكي دونالد ترمب يقول إنه لن يضرب قبل الانتخابات الأمريكية، ونتنياهو يستبعد الهجوم قبل الانتخابات الإسرائيلية. لكن في الوقت نفسه، تتحرك حاملات الطائرات، وتُستكمل الخطط العسكرية، ويجتمع وزير الحرب الأمريكي برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعيداً عن الأضواء، فيما إسرائيل تختبر قدرتها على الوصول إلى إيران. فإذا كان قرار الحرب مؤجلاً فعلاً، لماذا تبدو الاستعدادات وكأن ساعة الصفر تقترب؟
ربما لأن السؤال تغيّر. هل تبدأ الحرب قبل الانتخابات أم بعدها؟ وهل تشكل التصريحات الأمريكية والإسرائيلية سقفاً زمنياً حقيقياً يمنع الحرب، أم أنها تمنح طهران شعوراً مؤقتاً بالأمان قبل ضربة مباغتة على غرار ما سبق جولتي يونيو 2025 ومارس 2026؟
ما يعزز الاحتمال الثاني أن المسار الدبلوماسي نفسه يكاد يفقد وظيفته، فبعد تعثر مفاوضات نيويورك، لم تظهر إشارات جدية إلى تسوية قادرة على ردم الهوة بين واشنطن وطهران، فيما انتقل مركز الثقل تدريجياً من غرف التفاوض إلى غرف العمليات. والتصعيد مع الحوثيين، إلى جانب التحولات الدولية المحيطة بالملف الإيراني، أضاف طبقة جديدة من الضغط على طهران.
الأهم يجري عسكرياً
فالتقارير الأمريكية تتحدث عن خطط أعدها البنتاغون لاحتمال استئناف العمليات ضد إيران، تتضمن خيارات تستهدف منشآت نووية وبنى للطاقة بالتزامن مع حشد بحري أمريكي كبير في المنطقة. والاستعداد لا يعني بالضرورة أن ترمب أصدر أمر الحرب، لكنه يعني أن خيار القوة ليس سيناريو افتراضياً يحتاج إلى أشهر من التحضير.
ثم جاءت زيارة وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث إلى إسرائيل لتضيف مؤشراً يصعب تجاهله. فاللقاء غير المعلن مع نتنياهو في قاعدة عوفدا الجوية ليس اجتماعاً بروتوكولياً، وكان الملف الإيراني في صلبه، وسط نقاشات بشأن ما يمكن أن تكون عليه المرحلة التالية من المواجهة.
سياسياً، تبدو العلاقة بين الحرب والانتخابات أكثر وضوحاً. دعم ترمب لنتنياهو ليس منفصلاً عن إيران، خصوصاً أن رئيس الحكومة الإسرائيلية يقدم نفسه للناخب باعتباره الرجل القادر على استكمال ما بدأه ضد البرنامج النووي الإيراني. ونتنياهو، من جهته، رفع السقف بإعلانه مفهوماً أمنياً يقوم على المبادرة والهجوم الاستباقي وتقليص الاعتماد على الدعم الأمريكي.
تبقى مع ذلك نافذة واحدة يمكن أن تقلب الحسابات: تنازلات إيرانية في اللحظة الأخيرة تعيد التفاوض إلى الواجهة. أما إذا بقيت المواقف على حالها، فإن انتهاء الانتخابات قد يزيل القيد السياسي الأخير أمام التصعيد.
ولهذا ربما تكون أخطر لحظة بالنسبة إلى إيران هي اليوم التالي للانتخابات. فمع انتهاء الاستحقاقين الإسرائيلي والأمريكي، يسقط القيد الزمني الذي وضعه ترمب ونتنياهو بنفسيهما أمام أي هجوم على إيران.
وعندها سيكون السؤال: ماذا بقي ليؤجل «الجولة الثالثة»؟