اصطف آلاف السائحين والزائرين أمام معبد أبو سمبل جنوب أسوان، لمتابعة ظاهرة تعامد الشمس على تمثال الملك رمسيس الثاني، في مشهد يجمع بين الإبهار الفلكي وعظمة العمارة المصرية القديمة، ويحوّل المدينة الأثرية إلى وجهةٍ سياحيةٍ عالميةٍ مرتين كل عام.

وشهد محيط المعبد توافد زائرين من جنسيات مختلفة، وسط طوابير امتدت أمام بوابات الدخول منذ الساعات الأولى من الصباح، مع حرص الحاضرين على الوصول إلى قدس الأقداس لمشاهدة أشعة الشمس وهي تتسلل إلى أعماق المعبد وتضيء تماثيله، وتوثيق اللحظة التي ينتظرها عشاق الحضارة المصرية القديمة.

ويأتي هذا الإقبال بالتزامن مع الاحتفالات السنوية بالظاهرة، التي تُعد من أبرز الأحداث الأثرية والفلكية في مصر، وتسهم في تنشيط الحركة السياحية بمدينة أبو سمبل ومحافظة أسوان.

ظاهرة فلكية تتكرر مرتين سنوياً

وتحدث ظاهرة تعامد الشمس في معبد رمسيس الثاني يومي 22 أكتوبر و22 فبراير من كل عام، عندما تخترق أشعة الشمس مدخل المعبد وممراته لمسافةٍ تقارب 60 متراً، وصولاً إلى قدس الأقداس، حيث تضيء تماثيل رمسيس الثاني والإلهين آمون رع ورع حور آختي، بينما يبقى تمثال الإله بتاح في الظل.

وتستغرق الظاهرة نحو 20 دقيقةً، وتكشف عن دقة تصميم المعبد وقدرة المصري القديم على توظيف معرفته بالفلك والهندسة في تشييد منشآته الدينية، بما يسمح بوصول الضوء إلى موضعٍ محددٍ في توقيتين ثابتين تقريباً كل عام.

ولا يقتصر الحدث على قيمته البصرية؛ إذ يرتبط بتصميم المعبد ومكانة رمسيس الثاني الدينية والسياسية، ويقدم مثالاً على التداخل بين العمارة والاعتقاد الديني والمعرفة الفلكية في مصر القديمة.

معبد نجا من الغرق ليواصل إبهار العالم

وتكتسب الظاهرة أهميةً إضافيةً لأن معابد أبو سمبل نجت من الغرق تحت مياه بحيرة ناصر عقب بناء السد العالي. ففي ستينيات القرن الماضي، أطلقت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» حملةً دوليةً لإنقاذ آثار النوبة المهددة بالغمر، جرى خلالها تقطيع المعبدين إلى كتلٍ ضخمةٍ ونقلهما إلى موقعٍ أعلى، ثم إعادة تجميعهما.

ورغم عملية النقل المعقدة، استمر تعامد الشمس في الموعدين السنويين، ليظل المعبد شاهداً على إنجازين حضاريين مختلفين: براعة المصري القديم في تصميمه، والتعاون الدولي الذي أسهم في إنقاذه والحفاظ عليه للأجيال القادمة.

ومع توافد الزائرين لمتابعة الظاهرة، تتجدد مكانة أبو سمبل على خريطة السياحة الثقافية في مصر، بوصفها موقعاً يجمع بين التاريخ والآثار والعلوم، ويمنح الزائرين فرصةً مشاهدة مشهدٍ فريدٍ تتقاطع فيه حركة الشمس مع أسرار العمارة المصرية القديمة.