تتصاعد موجة الاحتجاجات في عدد من الدول الأوروبية، مدفوعة بارتفاع أسعار الوقود والغذاء، وأزمة السكن، وتراجع الخدمات العامة، والاستياء من أوضاع التعليم والأجور. وتحولت مدن عدة إلى ساحات للمواجهات وأعمال الشغب، وسط اعتقالات وإصابات وعمليات نهب وتخريب، بالتزامن مع استحقاقات انتخابية مفصلية وصعود أحزاب اليمين المتطرف.
وامتدت التحركات الاحتجاجية من فرنسا وإيطاليا إلى إسبانيا والبرتغال وألبانيا وصربيا، في وقت تواجه فيه الحكومات ضغوطاً شعبية متزايدة، بينما تستغل تيارات اليمين المتطرف حالة الغضب لتعزيز حضورها السياسي.
فرنسا.. مواجهات واعتقالات
شهدت فرنسا احتجاجات واسعة بدأت بمطالب طلابية لتحسين أوضاع المدارس وزيادة الموارد، قبل أن تتسع لتشمل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة، مع انضمام نقابات ونشطاء إلى التحركات.
وفرضت السلطات حظراً جزئياً للتجول في مناطق من باريس ومدن أخرى، عقب اضطرابات تخللتها عمليات نهب في باريس ومرسيليا وليون وبوردو، وإحراق مدارس ومبانٍ عامة. وفي مدينة ليموج، التهمت النيران مبنى البلدية التاريخي وكادت تدمره بالكامل.
وأسفرت الاضطرابات عن توقيف 2400 شخص وإصابة مئات، فيما أدان الرئيس إيمانويل ماكرون أعمال العنف، مؤكداً محاسبة المتورطين. وفي المقابل، حمّل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المهاجرين مسؤولية التخريب، داعياً فرنسا إلى إغلاق حدودها، رغم أن السلطات الفرنسية لم تنسب الاضطرابات إليهم.
إسبانيا والبرتغال.. أزمة السكن تشعل الشوارع
في إسبانيا، دخل معلمو المدارس الابتدائية والثانوية في مدريد إضراباً مفتوحاً للمطالبة بتحسين الأجور وظروف العمل، فيما نصبت مجموعات احتجاجية خياماً في ساحة بويرتا ديل سول، وسط العاصمة، للتنديد بارتفاع الإيجارات وتكاليف السكن.
وتوسعت الاحتجاجات إلى مدن أخرى، بينها برشلونة، التي تواجه تداعيات السياحة المفرطة وارتفاع أسعار العقارات. ويبلغ الحد الأدنى للأجور في إسبانيا 1221 يورو، مقابل متوسط إيجار شهري يناهز 1130 يورو لشقة مساحتها 80 متراً مربعاً، ما يعكس حجم الضغوط المعيشية.
وفي البرتغال، شهدت لشبونة وبورتو تحركات مماثلة احتجاجاً على أزمة الإسكان وصعوبة الحصول على مساكن بأسعار مناسبة.
إيطاليا.. أعمال شغب واشتباكات مع الشرطة
وفي إيطاليا، تظاهر آلاف الأشخاص بدعوة من حركة «إيطاليا في الساحات»، مطالبين بتحسين فرص العمل والرعاية الصحية والتعليم، ورفع الأجور وتوفير السكن.
لكن المسيرات تحولت إلى أعمال شغب في تورينو وبولونيا وميلانو، حيث اشتبك ملثمون مع الشرطة ونهبوا متاجر وأضرموا النار في ممتلكات. وأعلنت شرطة ميلانو توقيف 271 شخصاً، معظمهم قاصرون، وإصابة 14 عنصراً أمنياً خلال يومين من الاضطرابات.
ألبانيا وصربيا.. احتجاجات ضد الفساد
وفي ألبانيا، تتواصل الاحتجاجات المناهضة للحكومة في العاصمة تيرانا، بمشاركة طلاب الجامعات والمدارس، للمطالبة باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما ومكافحة الفساد وحماية الخدمات العامة. وتصاعدت الاشتباكات مع اتساع حركة «فلامينجو» الاحتجاجية، التي تعارض أيضاً مشاريع سياحية مثيرة للجدل.
أما في صربيا، فيواصل طلاب الجامعات احتجاجاتهم المناهضة للفساد، بالتزامن مع الانتخابات البرلمانية المقررة في 25 أكتوبر، وسط منافسة محتدمة ومخاوف من تجدد العنف.
وتأتي هذه التطورات في مرحلة حساسة لأوروبا، مع تصاعد التحديات الاقتصادية والسياسية، وتزايد الضغوط على الحكومات، بالتزامن مع استمرار الحرب في أوكرانيا والخلافات بشأن سبل دعم كييف ومواجهة ما تصفه دول أوروبية بالتهديدات الروسية الهجينة.