على مرِّ التاريخ البشري، لم تكن القوة العسكرية الغاشمة أو البطش سبيلًا مستدامًا للبقاء؛ بل كانا في كثير من التجارب بدايةً لمسار التآكل والسقوط. وتتجلّى هذه الحقيقة اليوم في تجربة مليشيا الحوثي في اليمن، التي تمتلك ترسانة من السلاح وتحظى بدعم خارجي، لكنها تحمل في أحشائها مقتلها وفي ممارساتها أحد أبرز مصادر ضعفها: اعتمادها على القمع والانتهاكات في فرض السيطرة. ولطالما ارتبط الظلم، في المنظور الديني والتاريخي، بعواقب وخيمة على أصحابه.
عاجلًا أم آجلًا.. هكذا يصنع القمع موجة الرفض الأخيرة
خلف الشعارات التي ترفعها مليشيا الحوثي، يتكّشف واقع مأساوي وثَّقته تقارير حقوقية محلية ودولية، حيث شهدت المناطق الخاضعة لسيطرتها انتهاكات واسعة لحقوق المدنيين. ووفق تقرير لـ(الشبكة اليمنية للحقوق والحريات)، وثقت الشبكة نحو 59 ألف حالة وفاة وإصابة بين المدنيين نُسبت إلى هجمات الحوثيين خلال الفترة من يناير 2015 حتى النصف الأول من عام 2026؛ بينها وفيات وإصابات ناجمة عن الألغام.
وفي أحدث تقرير للشبكة، نُسب إلى الحوثيين ارتكاب 1,033 جريمة وانتهاكًا في محافظتي تعز والحديدة خلال الفترة من 3 إلى 27 سبتمبر 2026؛ بينها 421 حالة اختطاف وإخفاء قسري، إضافة إلى مقتل 16 من الأسرى العسكريين؛ بحسب التقرير. كما وثَّقت الشبكة اعتقال 278 مواطنًا على خلفية مشاركتهم أو نيتهم المشاركة في فعاليات إحياء ذكرى ثورة 26 سبتمبر.
كما وثقت منظمة (هيومن رايتس ووتش) استمرار حملة الاعتقالات التعسُّفية بحق موظفين في الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني؛ وأفادت في أغسطس 2026 بأن ما لا يقل عن 73 موظفًا أمميًا ظلوا محتجزين لدى الحوثيين، إلى جانب عشرات العاملين في المجتمع المدني؛ وفق المنظمة.
وعلى صعيد النزوح، أعلنت الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين تسجيل نزوح 2,183 أسرة من محافظتي تعز والحديدة بحلول 5 سبتمبر 2026، فيما وثّقت المنظمة الدولية للهجرة أعدادًا أكبر بكثير من النازحين خلال التصعيد المتصاعد على الساحل الغربي.
لكن الانتهاكات المستمرة لا تبقى مجرد أداة لفرض السيطرة بقوة السلاح، بل يمكن أن تتحول، مع تراكمها، إلى عبوة موقوتة تُشحن يومياً بغضب الشارع، إلى عامل يغذّي السخط الشعبي. فسياسات الإفقار الممنهج والقمع وتقييد الحريات ومصادرة الحقوق تضاعف حالة الاحتقان، وتراكم مشاعر الرفض خلف جدران الخوف. والتجارب التاريخية تشير إلى أن الإفراط في القمع قد يُسهم في اتساع دائرة المعارضة، لتتحول أدوات السيطرة نفسها إلى مصدر من مصادر هشاشة السلطة.
سلاح الظلم الارتدادي: كيف يحفر الحوثي قبره بيده؟
مهما بلغت سطوة الظالم، فإن إمهال الله له ليس إهمالًا، بل هو استدراج حتى إذا أخذه لم يُفلته. وقد جاءت النصوص الشرعية لتؤكد وعيد الله للظالمين ونصرته للمظلومين: يقول الله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} [إبراهيم: 42]. ويقول سبحانه: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47].
وحذّر النبي ﷺ من دعوة المظلوم، فقال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: «واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» [رواه البخاري]. وبيّن ﷺ مآل الظالم إذا جاءه الأخذ، فقال: «إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته» [رواه البخاري].
إن مليشيا الحوثي، وهي تواجه اتهامات واسعة بارتكاب انتهاكات بحق أبناء الشعب اليمني، لا تبني دولة بالمعنى المؤسسي، بل تراكم عوامل قد تقوِّض قدرتها على فرض السيطرة على المدى الطويل. فغطرسة السلاح والقوة لا تلغي آثار القمع في الوعي الشعبي، ولا تمنع تراكم مشاعر الغضب والرفض لدى المتضررين من الحرب والانتهاكات.
قانون التاريخ لا يستثني أحدًا.. حين يتحول الظلم إلى عامل سقوط
لم يخلُ التاريخ من تجارب لسلطات وقوى عسكرية اعتمدت على البطش والاستبداد، ثم واجهت لاحقًا مقاومة أضعفت نفوذها. ويقدم القرآن الكريم قصة فرعون نموذجًا بارزًا للسلطة التي بالغت في الاستعلاء والاستضعاف؛ إذ قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}.
وعندما بلغت غطرسة فرعون ذروتها، ساقه الله بعزته إلى وسط البحر الذي ظنّ أنه مسرح لنجاته، وأغرقه وجنوده وأصبحوا عبرةً عن عاقبة الاستعلاء والظلم.
وفي التاريخ الإسلامي، تمثِّل معركة عين جالوت عام 1260م محطة بارزة في مواجهة التوسّع المغولي، وظلمٍ وبطشٍ لم تشهد البشرية له مثيلاً؛ فقتلوا الملايين ودمروا الحواضر والمدن وسفكوا دماء الأبرياء مستندين إلى تفوقهم العسكري الأعمى. استنهض هذا الظلم الصارخ الأمة، وتمكنت قوات المماليك بقيادة السلطان سيف الدين قطز، وبمشاركة بارزة من بيبرس، من إلحاق هزيمة كبيرة بالقوة المغولية، لتتوقف بذلك موجة التوسع المغولي غربًا في تلك المرحلة، ولتتحطم أسطورة الجيش الذي لا يُقهر وينتصر الحق.
وليس التاريخ الحديث ببعيدٍ عن هذه السنن؛ فقد شهد العالم العربي تجارب لسلطات بالغت في إحكام قبضتها على شعوبها، من قمعٍ إلى عقودٍ من البطش والتنكيل، وصولًا إلى نظام أخضع الحريات لقيود أمنية وقانونية واسعة. لكن القبضة التي بدت لسنوات عصية على الانكسار لم تمنع تراكم المظالم؛ ففي اللحظة التي انكسر فيها حاجز الخوف، تحولت سنوات القمع إلى وقود للاحتجاج، وسقطت أنظمة ظنت أن أجهزة الأمن قادرة على تأمين بقائها إلى الأبد.
وهكذا، فإن امتلاك القوة العسكرية قد يتيح فرض السيطرة لفترة، لكنه لا يضمن وحده استدامتها. فحين يقترن السلاح بالقمع، وتتراكم الانتهاكات والاحتقان، يمكن أن تتحول أدوات السيطرة نفسها إلى مصدر ضغط على السلطة، وتصبح المظالم المتراكمة عاملًا في اتساع دائرة الرفض والمقاومة.