ومضة تأمل خيالية قليلًا: هل يمكننا أن نتخيل شكل الجامعات في عام 2040؟ هل ستبقى الإجراءات الأكاديمية والبحثية على حالها؟ وهل ستستمر إستراتيجيات التعليم والتقييم والتدريب السريري والميداني بالقوالب نفسها؟ وهل يمكننا الخروج من التفكير الإستراتيجي قصير ومتوسط المدى إلى تفكير أبعد يستشرف ما قد تكون عليه الجامعة بعد خمسة عشر عامًا؟


بالنظر إلى العديد من الخطط الإستراتيجية لجامعاتنا، نجدها تدور غالبًا حول محاور معهودة: تحسين البيئة التعليمية، تطوير البحث العلمي، خدمة المجتمع، والبعض أضاف لها نكهة الاستدامة المالية. وهي محاور صحيحة، لكنها تركز في معظمها على تحسين الجامعة التي نعرفها اليوم، أكثر من تخيل الجامعة التي نريدها في المستقبل.


بينما على المستوى الدولي، بدأت تظهر تجارب تتجاوز الإطار التقليدي. فجامعة جيمس ماديسون الأمريكية صاغت خطتها الإستراتيجية بأفق يمتد إلى 2040 وتضمن لكل خريج مخرجات مهنية إيجابية، وجامعة أريزونا الحكومية تتوسع في دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم والبحث والعمليات الجامعية. وفي الصين، أُتيح لطلاب الدكتوراه في الهندسة التخرج بمنتج ابتكاري بدلًا من الرسالة التقليدية. كما تقدم مدرسة «42» الفرنسية نموذجًا لتعليم البرمجة قائمًا على المشاريع والتعلم بين الأقران، فيما تعمل جامعة مينيرفا الأمريكية بنموذج تعليمي لا يعتمد على الحرم الجامعي التقليدي أو المحاضرات بالشكل المعتاد. وفي جامعة ستانفورد، يجمع معهد التصميم بين تخصصات كالطب والهندسة والأعمال في مشروعات مشتركة.


قد لا تكون هذه النماذج قابلة للنقل كما هي، لكن أهميتها تكمن في السؤال الذي تطرحه: لماذا لا نعيد نحن أيضًا التفكير في بعض المسلّمات التي اعتدناها في جامعاتنا؟ وأين نقف نحن من هذا التحول؟


بكل تأكيد هنالك مبادرات استثنائية محلية بدأت تتلمّس هذا الاتجاه على خطى ناشئة. فمثلا مبادرة جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بإطلاق برنامج «بكالوريوس الهندسة الحيوية المؤهل للطب» بالتعاون مع جامعة الملك سعود بن عبدالعزيز للعلوم الصحية يعد خطوة جريئة تكسر الحاجز التقليدي بين التخصصات وتنتج «الطبيب-المهندس». لكنها تبقى مبادرة فردية في بحر من الخطط الإستراتيجية الجامعية الاعتيادية – لكن يجب الإشادة والإشارة لها.


جامعة 2040 لن تختلف بالضرورة في مبانيها، بل في فلسفتها. فلسفة التعلم ستتجه من التركيز على الشهادة وحدها إلى الجدارة القابلة للإثبات، مع مسارات تعليم مرنة وشهادات مصغرة تمتد مع الإنسان طوال حياته المهنية. والأستاذ الجامعي لن يكون ناقلًا للمعرفة فحسب، بل مرشدًا وقائدًا للمشروعات ومصممًا للتعلم، بينما سيجعل الذكاء الاصطناعي قياس الأثر البحثي أهم من مجرد عدّ الأوراق. وستنتقل العلاقة مع سوق العمل تدريجيًا من «تخرّج ثم وظّف» إلى «تعلّم وأنت تعمل»، بحيث تصبح الجامعة شريكًا للقطاع الخاص في إنتاج المعرفة والمهارات والابتكار. أما الحوكمة، فلن تملك الجامعة رفاهية البطء في عالم تتغير فيه التقنيات والمهن بسرعة. وستحتاج إلى حوكمة أكثر رشاقة بصلاحيات واضحة وقرارات أسرع، دون التفريط في الجودة والاعتماد.


بكل تأكيد، ليس المطلوب هدم كل ما هو قائم. فالجامعة التقليدية لا تزال تملك قيمًا جوهرية: البيئة الاجتماعية، والعمق المعرفي، والبحث الأساسي الذي قد لا يظهر أثره إلا بعد عقود. والتحدي ليس في المفاضلة بين القديم والجديد، بل في المزج الذكي بين ما أثبت جدواه وما يحتاج إلى إعادة تصميم. لكن من المهم أن تتضمن الخطط الإستراتيجية للجامعات اليوم محورًا مستقبليًا ثابتًا، بأهداف جريئة ومبادرات قد تبدو للوهلة الأولى بعيدة المنال، تدعمها مؤشرات استشرافية تستبق التقدم العلمي والتقني، والأهم أن يملك مشرعو القرارات في هذه الجامعات هذا الفكر الاستثنائي الشامل للتنبؤ والمجازفة الاستباقية.


فالإستراتيجية لا ينبغي أن تكون وثيقة لتحسين الحاضر فقط، بل أداة لتصميم المستقبل. ومن المهم المبادرة والجرأة في التفكر والتغيير. الجامعة التي لا تستشرف اليوم، قد تجد نفسها غدًا متحفًا أكاديميًا أنيقًا... لكنه خارج الزمن.