يظل النص الأدبي الذي نتلقاه جاهزاً أيّاً كان مستوى كاتبه الإبداعي والثقافي ومقدرته التخييلية، يظل خلاصة ترسّب قديم لعناصر وأنساق وبنى لغوية وفنية وثقافية عديدة، هي محصلة امتصاص الكاتب لأشكال تعبيرية ولغوية وفنون أدبية متنوعة تتراكم في وعيه من خلال اختياراته القرائية الخاصة، كما أنه خلاصة احتكاك هذا الكاتب بالواقع وملامسة همومه ومعايشة قضاياه والتفاعل مع أحداثه. حتى أن مكمن سر تشكيل الوعي الأدبي لدى الكتّاب وظهوره جلياً بين أسطر نصوصهم يوجد في ميولهم واختياراتهم القرائية بالضبط، كما يوجد في طبيعة البيئة التي عاشوا فيها، فالنص الأدبي باعتباره موقفاً فنياً وموقفاً إبداعياً وموقفاً إنسانياً أيضاً، هو عصارة بناء ثقافي وفكري وعقلي جرى تشكيله عبر رحلة معينة في عوالم الأدب والفكر، مثلما هو خلاصة مواقف وتصورات ورؤى يمليها الواقع الاجتماعي والثقافي والتاريخي الخاص. بالتالي فإن التوهم بوجود الحرية المطلقة والاستقلال الكامل عن الواقع عند وضع النصوص الأدبية سواء كان ذلك بقصدية من الكاتب أي بمحاولة واعية منه أم لا، هو أمر يخالف القانون الوجودي العام القائم على علاقات التأثير والتأثر، فالكاتب من حيث هو فرد يمارس فاعليته الوجودية في ظرف زماني ومكاني محكوم بسياقات ثقافية ومفاهيمية وقيمية معينة يفترض أنه دائماً في علاقة تبادلية إيجابية مع محيطه العام، يتفاعل معه مؤثراً فيه أو متاثراً به، وبدون ذلك لا يكون أديباً له حساسية الأديب وقدرته على الالتقاط والهضم وإعادة الصوغ.
والنص المطروح أمامنا شعراً كان أم نثراً مهما أغرق في فانتازيته وأمعن في غرائبيته يبقى نتيجة لازمة وطبيعية للواقع الذي يحتك به الكاتب متشكّلاً في المنتج الأدبي، بكل ما فيه من علامات لغوية وإشاراته ثقافية وصور ورموز وإحالات، بدليل أن الصراع والتنافس بين ما هو تقليدي وسائد من جهة، وبين الوافد الجديد داخل التجربة الأدبية الواحدة هو الذي ينتج صيغاً وأساليب جديدة في نفس التجربة الإبداعية، وبهذا المعنى يمكن القول إن للكاتب حرية نسبية في ما يطرح من أفكار ويناقش من قضايا على مستوى محاولة محاكاة الواقع وطرحه في صيغ جديدة، ولكنه غير حر أبداً ولا مستقل عن المؤثرات التي تجعله يتخذ قراره بتبنّي فنٍ أو أسلوبٍ معين لتوجيه خطابه الإبداعي، لأنه حتى عندما يفاضل بين طريقة وأخرى أو فن أدبي وآخر إنما يتنقل بين أساليب وتقنيات وخيارات لغوية مكتسبة سلفاً، وإنْ طبَعَها بطابعه الخاص الذي لن يخرجها عن المعاد المكرور كمال قيل قديماً:
ما أرانا إلا نقول معار
أو معاداً من قولنا مكروراً
فكسر وصاية الواقع الثقافي على النصوص وتحييد هيمنته على لا وعي الكاتب عبر شبكة علاقاته المتصلة بعضها ببعض بقوة وإحكام، هو أمر من الصعوبة بحيث يمكن أن تزيل قدرتك على الكتابة ذاتها إذا أردت فعلاً أن تزيله وتحيّده عن حسك الإبداعي، فالاستقبال من الخارج نفسه هو من يخرج نصاً مكتوباً بعد أن يمتزج بذاتية الكاتب، بهواجسه وخيالاته وعواطفه وانفعالاته، والنص بهذا المعنى هو نتاج ماضي الكاتب القرائي والثقافي من حيث اللغة والأسلوب كما هو صورة لحاضره من حيث القضايا المطروحة.
ثم إن المتخيل في الأصل يستمد عناصره الأساسية من الواقع أو يستلهم الواقع في تشكيل نفسه، فالصورة الشعرية والمشهد السردي والمجاز والتشبيه والاستعارة البلاغية كلها تعود إلى الواقع لتمتاح منه، وبدون الواقع بأخيلته وصوره المتعددة لا يمكن الكتابة إلى متلقٍّ يشترك مع الكاتب في نفس اللغة ونفس الأطر المفاهيمية والمشتركات العقلية.