تتجه السعودية وفرنسا إلى تعميق شراكتهما الإستراتيجية، مع انعقاد اجتماع مجلس الشراكة الإستراتيجية السعودي - الفرنسي خلال زيارة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى باريس، في خطوة تستهدف تحويل التقارب السياسي والشراكة الإستراتيجية بين الرياض وباريس إلى مسارات عملية ومشاريع اقتصادية واستثمارية طويلة الأمد.
ومن المقرر أن يقود ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وفدي البلدين في اجتماع المجلس، الذي يمثل إطاراً مؤسسياً لتنظيم العلاقات الثنائية، وتنسيق رؤى المسؤولين السياسيين والإداريين حيال الأولويات المشتركة، وصياغة خريطة طريق جديدة تعزز الشراكة بين البلدين.
الدفاع والطاقة في صدارة الملفات
وتتصدر قطاعات الدفاع والأمن والطاقة والنقل والطيران والثقافة مجالات التعاون المرتقبة، إلى جانب بحث الفرص والمشاريع المرتبطة بالتحول الاقتصادي الذي تشهده المملكة في إطار رؤية السعودية 2030.
وتنظر الرياض إلى استقطاب التقنيات المتقدمة والخبرات الصناعية باعتبارها إحدى أولويات المرحلة، وترى في شراكتها مع باريس فرصة لتعزيز نقل المعرفة والتكنولوجيا وتوطين الصناعات، بالتوازي مع ما تمثله فرنسا من شريك سياسي وإستراتيجي مهم للمملكة.
«رؤية 2030» تفتح شهية الشركات الفرنسية
وفي المقابل، تسعى الشركات الفرنسية إلى تعزيز حضورها في السوق السعودية والاستفادة من الفرص التي أتاحها التحول الاقتصادي في المملكة، خصوصاً مع التوسع في الاستثمارات في البنية التحتية والتقنيات الجديدة والسياحة والنقل والصناعات الدفاعية.
وتنظر الأوساط الاقتصادية الفرنسية إلى المشاريع السعودية الكبرى بوصفها سوقاً واعدة للشركات الفرنسية، وفرصة لبناء شراكات طويلة الأمد يمكن أن تنعكس على الاقتصاد الفرنسي، وسط منافسة دولية محتدمة على الفرص الاستثمارية في المملكة، خصوصاً من الشركات الأمريكية والصينية والأوروبية.
قوة استثمارية تعيد تشكيل العلاقة
وتدرك باريس في الوقت ذاته حجم التحول الذي طرأ على موازين العلاقة الاقتصادية، في ظل ما تتمتع به المملكة من قوة مالية واستثمارية وصندوق سيادي ضخم، يمنحها مساحة واسعة لاختيار الشركاء والمفاضلة بين العروض الدولية وفقاً لمصالحها وأهدافها التنموية.
ويضع ذلك الشركات الفرنسية أمام تحدٍ يتمثل في تقديم قيمة مضافة تتجاوز تصدير المنتجات والخدمات إلى نقل التقنية وتوطين المعرفة وبناء شراكات صناعية واستثمارية تتوافق مع أولويات الاقتصاد السعودي.
من التفاهمات السياسية إلى العقود
ويراهن الصناعيون الفرنسيون على أن تسهم اجتماعات مجلس الشراكة في تحويل التفاهمات السياسية بين الرياض وباريس إلى عقود ومشاريع مستدامة، خصوصاً في القطاعات التي تشهد المملكة توسعاً متسارعاً فيها.
لكن الاستفادة من هذه الفرص لا تبدو متساوية بين مختلف الشركات الفرنسية؛ إذ تظل المجموعات الكبرى الأكثر قدرة على المنافسة في طلبات العروض والمشاريع الضخمة، فيما تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة تحديات تتعلق بتكاليف التأسيس والمتطلبات التنظيمية وآليات الدخول إلى الأسواق الخارجية.
وبين الطموح السعودي إلى استقطاب أفضل التقنيات والاستثمارات العالمية، والسعي الفرنسي إلى اقتناص حصة أكبر من المشاريع السعودية، يبرز مجلس الشراكة الإستراتيجية بوصفه منصة مرشحة لنقل العلاقات بين البلدين من مرحلة التفاهمات إلى مرحلة أكثر مؤسسية، عنوانها الاستثمار والتقنية والتوطين والمصالح المتبادلة.