الأصابع متخشبة.. واليد يابسة.. والحلم في الغد منطفئ، والسبب رحيل الأمس.
آنذاك كانت هنا حركة، هذا قادم، و ذاك راحل، والوقت يمر بضجيج الواقفين بلا حساب. مد يده وتفحص أصابعه بحزن، لم يقل شيئا لكن تلك الأصابع، و تلك اليد سردت الحكاية باختصار الزمن. قال عبد الله أحمد الجعدي – 55 عاما - كنت صغيرا عندما لجأت إلى معلمي الأول في هذه المهنة، لم أتجاوز آنذاك الثانية عشرة، عملت كأي عامل، مهمتي مساعدة المعلم والالتفات لطلباته وبقيت هكذا حتى شارفت الثامنة عشرة، و نلت ثقة المعلم فصار يقسم العمل بيني و بينه، و كنت دقيقا و متقنا جيدا لعملي فصار الناس يصرون على المعلم أن يسند لي مهمة تبييض تلك ( الدلال )، وهذا ما ساعدني على الاستقلال و فتح محل خاص بي لـ ( تبييض الدلال و إصلاحها )، و من هنا بدأت، فصارت تنهال عليّ الدلال و كثر زبائني لدرجة أنني كنت أعمل حتى وقت متأخر من الليل، لكي لا تتأخر ( دلال ) الناس عندي. كنت أنجز ما يقارب أربع عشرة دلة في اليوم، و لكي تعرف معنى عدد الدلال في اليوم، دعني أحدثك عن ( تبييض الدلال و كيف يتم ).
عملية التبييض
أول ما تصلني ( الدلة ) أقوم بتنظيفها، وصنفرتها من الداخل، وأكرر العملية من أربع إلى ست مرات، أغسلها بالماء أولا ثم (بماء النار)، حتى أتأكد من لمعانها من الداخل بياضا، ثم تأتي عملية استخدام القصدير، حيث أقوم بصهره وإذابته جيدا، ثم أقوم بطلاء الدلة به من الداخل و أترك الدله فترة، لكي تجف ثم أعود لها مرة أخرى، و لكن هذه المرة لاستخدام مادة تشبه الدقيق تسمى ( بالتيزاب )، و هي مادة كيميائية تقوم بصقل القصدير لكن لا تقوم بتثبيت القصدير، وهي المرحلة الأخيرة والتي أستخدم فيها مادة أخرى تسمى بـ ( الشناذر )، وهي المسؤولة عن تثبيت القصدير بحيث يظل محافظا على التصاقه بجسم الدلة من الداخل و مصقولا بالبياض فترة طويلة. وبعد هذه المرحلة كما يقول الجعدي تكون الدلة جاهزة للاستخدام.
ومع أهمية كل هذه المراحل، إلا أن العمالة الدخيلة على هذه المهنة والغشاشة لا تقوم بها، بل إنها حتى لا تستخدم القصدير أو الشناذر أو التيزاب نظرا لتكاليفه، ومع ذلك يأخذون مبالغ لا حق لهم فيها، يعيدون الدلة بيضاء، وكأنها مصقولة بالفعل، لكنها لا تظل بهذا الوضع أكثر من شهر، ثم تتجمع فيها بقايا البن والهيل و يتحول إلى سواد بمرور الوقت، مما يعمل على عدم إمكانية تبييضها مرة أخرى، بسبب التصاق السواد المتراكم بجدار الدلة ويلتحم بها، وهذا يجعل أي عملية تبييض مرة أخرى لا تتم إلا بإزالة الطبقة الداخلية من جسم الدلة مما يجعلها تحرق القهوة عند إعدادها و هذا يعني أن الدلة صارت تالفة. ولا يشعر بالفارق هذا إلا كبار السن وحدهم، ويدركونه مع أول فنجان يتناولونه من الدلة التي تبيض بالطريقة القديمة، أو من التي تبيض على طريقة هذه العمالة التي تغش في عملها أو تجهله تماما.

زحام وإقبال
ويواصل الجعدي.. بالمناسبة كنت قبل عشرين أو ثلاثين سنة، لا أستطيع أن أرفع رأسي من كثافة الناس، وكثرة الدلال التي تنتظر أن أصلحها، و كما قلت لك كنت أنجز أربع عشرة دلة في اليوم، أما الآن أعمل من واحدة إلى اثنتين فقط في الأسبوع أو الشهر، بل ربما يمضى الشهر و أنا بلا عمل.
لم يعد الناس حريصين على تبييض دلالهم، فالأهون أن يرمي القديمة، ويشتري أخرى جديدة، لكن بعض سكان القرى القريبة يمرون أحيانا لحرصهم و معرفتهم بمعنى أن تبيض الدلة.
فالدلة كلما كانت قديمة لها مذاقها المختلف تماما عن الدلة الجديدة، و هذا أيضا يعرفه القدامى فقط، أما الجيل الجديد فلا خبرة له أبدا.