ليست كل المصائب سواء؛ فبعض الرجال إذا رحلوا، رحل معهم جزءٌ من ذاكرتنا، وجزءٌ من أجمل أيامنا، وجزءٌ من نفوسنا.

واليوم، وأنا أودع أخي الحبيب محمد بن عبدالله الدوغان (أبا أحمد)، أشعر أنني لا أكتب كلمات رثاء، بقدر ما أكتب شهادة وفاء لرجلٍ عرفته عن قرب، وعاشرتُه قرابة ثمانيةٍ وعشرين عاماً، كانت من أنقى ما عرفت من صحبة الرجال، وأصدقها مودةً، وأطيبها أثراً.

وقد جاءني نبأ وفاته وأنا خارج البلاد، فوقع الخبر على نفسي وقعاً أليماً، وزاد من حزني أنني لم أستطع أن أكون حاضراً بين أهله ومحبيه في لحظات الوداع، ولا أن أشارك في تشييعه. ولم أجد ما أواسي به نفسي إلا أن أكتب هذه الكلمات؛ وفاءً لأخٍ كريمٍ أحببته في الله، وعرفاناً بجميل صحبته، وتقديراً لما كان بيننا من محبةٍ صادقةٍ ومودةٍ خالصة.

عرفته عن قرب منذ عام 1428هـ، حين جمعتنا الزمالة في جامعة الملك فيصل بعد دمج كلية المعلمين مع كلية التربية، ومنذ ذلك اليوم لم يتغير؛ بقي كما هو.. نقيَّ السريرة، صادقاً، هادئاً، متواضعاً، يسبق فعله قوله، وتسبق ابتسامته عتابه، ويكسب القلوب قبل أن يكسب المواقف.

ثمانيةٌ وعشرون عاماً مرّت بين لقاءٍ وعملٍ ومواقف، فما رأيته يوماً إلا ثابتاً على خُلُقه، ولا سمعته يخوض في عرض أحد، ولا رأيته يحمل في قلبه ضغينةً لإنسان. بل كنت أعجب كيف يستطيع رجل أن يعيش كل هذه السنين بهذا الصفاء، وهذا التسامح، وهذا الانشغال الدائم بما ينفع الناس. وكأن الله صرف قلبه عن صغائر الأمور ليملأه بمعاليها.

كان يؤمن أن العمر أقصر من أن يُهدر في الخصومات، وأن رسالة الإنسان أكبر من أن تُستهلك في الجدل، فصرف وقته للعلم، والتربية، والإصلاح، وخدمة دينه ووطنه ومجتمعه، حتى أصبح أثره حاضراً في كل من عرفه، وفي كل طالبٍ تعلم على يديه، وفي كل زميلٍ عمل معه.

وأشهد لله شهادةً أسأله أن ألقاه بها – ولا نزكي على الله أحداً – أنني طوال معرفتي به لم أسمع منه غيبةً لمسلم، ولا شماتةً بمبتلى، ولا انتقاصاً لأحد. وكان إذا ذُكر الناس التمس لهم الأعذار، وإذا اختلفوا دعا إلى الكلمة الطيبة، وإذا اشتد الجدل آثر الصمت. وكان قلبه أوسع من أن يضيق بأحد، وأصفى من أن يحمل على أحد.

ولم تكن هذه الأخلاق الكريمة مجرد صفاتٍ تُذكر، بل كانت أعمالاً يراها كل من عرفه، ولا سيما من ارتاد جامع الشيخ أحمد الدوغان، الذي ارتبط به قلب أبي أحمد سنواتٍ طويلة. فما كان حضوره في المسجد حضورَ مصلٍّ فحسب، بل حضورَ خادمٍ لبيتٍ من بيوت الله، يرى في خدمته شرفاً، وفي العناية به عبادةً يرجو بها وجه الله.

سيشتاق إليه جامع الشيخ أحمد الدوغان، وسيشتاق إليه كل من اعتاد أن يراه قبل الأذان وبعده، يتفقد شؤون المسجد، ويتابع احتياجاته، ويحرص على أن يبقى بيتاً من بيوت الله في أكمل صورة.

وسيشتاق إليه مشروع إفطار الصائمين في شهر رمضان، فقد كان من أكثر الناس حرصاً على تنظيمه، والإشراف عليه، ومتابعة تفاصيله، ابتغاءً للأجر، وإكراماً للصائمين.

وسيشتاق إليه رواد المسجد في آخر ليلةٍ من ليالي رمضان، ليلة العيد، حين كان يحرص على أن يشارك الجميع فرحتهم، فيستقبل الصائمين بعد الإفطار بالحلوى، صغاراً وكباراً، ومن مختلف الجنسيات، ناشراً بينهم البِشر والسرور، ومجسداً بأفعاله معاني الأخوة الإسلامية، في مشهدٍ بقي حاضراً في ذاكرة كل من شهده.

وسيشتاق إليه كل من اعتاد أن يرى مصاحف المسجد مرتبةً في أماكنها، فقد كان يتعاهدها بعنايةٍ ومحبة، كما سيفتقده طلاب حلقات تحفيظ القرآن الكريم، الذين كان يتابعهم باهتمام، ويسأل عن أحوالهم، ويشجعهم، ويفرح بتقدمهم، ويرى في خدمة كتاب الله من أجلِّ القربات وأعظمها.

ولعل كثيراً من هذه الأعمال لم يكن يعرفها إلا من عاشها معه؛ لأنها كانت تُؤدى في صمت، بعيداً عن الأضواء، ابتغاء مرضاة الله. لكنها اليوم أصبحت شواهد ناطقة على رجلٍ عاش لله، وأحب بيوت الله، وجعل خدمة الناس جزءاً من عبادته.

ثم جاءه المرض.. ذلك الابتلاء الذي يغيّر كثيراً من الناس، لكنه لم يغيّره.

كنت ألقاه بين الحين والآخر في المسجد، وأنا أظن أنني سأسمع حديث الألم، فإذا به يحدثني عن مشاريعه الخيرية، وعن أفكاره في خدمة هذا الدين، وعن آماله في ما بقي من عمره، وكأن المرض نزل على جسده ولم يمس روحه. لم يكن يشكو، ولم يكن يتبرم، بل كان يكثر من ذكر الله، ويرجو رحمته، ويستقبل قضاءه بقلب المؤمن الراضي. وكنت كلما فارقته ازددت يقيناً أن الإيمان الصادق لا يظهر في أيام العافية كما يظهر في ساعات الابتلاء.

كنت أغادره في كل مرة، وأنا أشعر أنني أنا الذي تعلمت منه، وأنه – وهو المبتلى – كان يواسيني أكثر مما أواسيه.

واليوم.. رحل أبو أحمد.

وما أقسى أن يرحل من اعتدت حضوره، حتى يخيل إليك أن غيابه أمرٌ لا يمكن أن يحدث، فإذا بالموت يعلّمنا مرةً أخرى أن البقاء لله وحده.

رحلت يا أبا أحمد، لكن عزاءنا أن الرجال لا تُقاس بطول أعمارها، وإنما بما يتركونه من أثرٍ في القلوب، وما يخلّفونه من أعمالٍ صالحة تبقى بعد رحيلهم. وقد تركت في قلوبنا أثراً لن تمحوه الأيام، وستبقى صورتك كما عرفناك دائماً؛ بشوش الوجه، طيب القلب، صادق الكلمة، محباً للخير، ساعياً إليه، لا تُرى إلا حيث يكون النفع، ولا يُرجى منك إلا الخير.

ومن أعظم نعم الله على عبده أن يرزقه القبول في الأرض، وأن يجعل ذكره بعد رحيله مقروناً بالدعاء والثناء الحسن. وأحسب – ولا أزكي على الله أحداً – أن أبا أحمد كان ممن نالوا نصيباً وافراً من هذا الفضل؛ فما عرفته إلا محبوباً بين زملائه، مقدراً عند طلابه، قريباً من الناس، بعيداً عن التكلف، خفيفاً على النفوس، ثقيلاً في ميزان المروءة والوفاء.

رحمك الله يا أبا أحمد.. فقد عشت حياةً طيبة، وتركت خلفك علماً ينتفع به، وأثراً صالحاً، وقلوباً تدعو لك، وأعمالاً نرجو أن تبقى جاريةً في ميزان حسناتك ما بقيت آثارها.

أسأل الله الكريم، رب العرش العظيم، أن يتغمدك بواسع رحمته، وأن يجعل قبرك روضةً من رياض الجنة، وأن يبدلك داراً خيراً من دارك، وأهلاً خيراً من أهلك، وأن يجزيك عن علمك، وتربيتك، وإحسانك، وخدمتك لدينك ووطنك خير الجزاء، وأن يرفع درجتك في عليين، ويجعل الفردوس الأعلى منزلك، وأن يجمعنا بك في مستقر رحمته، في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر.

(إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)