رغم ما تربطني به من أواصر قربى وان كانت بعيدة نوعا ما، فقد عرفته متأخرا في اواخر الستينيات الميلادية من القرن الماضي وعقيب حرب 67م او ما سمي بالنكسة فيما بعد، عندما زارنا في مدينة بريدة قادما من الدمام التي امضى فيها سنين طفولته ودراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية. كان طيب القلب صافي السريرة وهي صفات لازمته حتى يومنا هذا، وكنا نحن انعكاسا لطبيعة منطقتنا الجافة اشقياء نتندر على غيرنا ممن يزورنا من الساحلين الشرقي والغربي حيث الطراوة والنقاء الطبيعي، ولكنه مع تكرار زياراته الينا وحبه الى الرحلات (الكشتات) التي كنا نقوم بها من آن لآخر، تعلم الكثير من ابناء القصيم وصار كثير التندر على غيره الى درجة انه بز البعض منا. كان ومازال حاد الذكاء بل خارقه لايفوته شيء الا سجلته ذاكرته الأخاذة.
في تلك الرحلات التي تجمعنا واصدقاء واحباب اخرين :عبدالله الرواف، ورجل الاعمال المعروف الان محمد الضحيان والرقيبة سليمان واحمد، كان تركي يهوى ويأنس في اشعال النار وكلما رأى هشيما اضرم فيه النيران (لا ادري هل انعكس ذلك على رغبته الجامحة في اضرام نار الجدل والنقاش حول قضايا مختلفة في وطنه الذي أحبه من شغاف قلبه).
ورغم ما عاناه من الوحدة في منزل والديه حيث انه وحيدهما، فقد تولدت لديه قوة وعزم فريدان في بلوغ الهدف الذي خطه لنفسه فبعد خروجه من السجن تدرج في كلية التجارة، جامعة الرياض (الملك سعود حاليا) حائزا على درجة الامتياز ومتقدما زملاءه في كل سنة، توجت سنته الرابعة بالامتياز مع درجة الشرف الاولى بالعلوم السياسية وتخرج في تلك الجامعة حائزا على المعيدية في الجامعة 1975هـ قبل ان يبتعث في السنة التالية الى امريكا لنيل الماجستير والدكتوراه. فمن كان وراء كل تلك الانجازات التي ما زالت تترى؟ وراء كل ذلك ام عظيمة -امد الله في عمرها واعطاها الصحة والعافية - فأقول الآن وراء كل ابن عظيم ام عظيمة. قالت لي ولتركي يوما: لقد ولد تركي وعاش وحيدا الى ان رزقه الله بأخ لم ألده انا وادعو الله ان يديم اخوتكما وصحبتكما فحافظا عليها. انها ام عظيمة رعته ودعت الله له في كل صلاة ان يحفظه من كل اذى ويكلأه برعايته. وكانت اول رحلة لي خارج الوطن مع تركي الى الجمهورية العربية المتحدة (جمهورية مصر العربية حاليا) أوائل السبعينيات الميلادية من القرن الماضي.. زرنا خلالها الاهرامات والمتحف المصري وغيرها، وركبنا مراكب النيل، وقضينا اياما ماتعة جدا، اقمنا نحن الاثنين في شقة في شارع عبدالخالق ثروت قرب حديقة الاورمان على ما أذكر، صاحبة الشقة بعد ان قبضت ايجارها سلفا وهو 20 جنيها في الشهر مع 5 جنيهات للخادمة في الشهر ابلغتنا ان تلفون الشقة لا يعمل الا بالفلوس (قرش ساغ للمكالمة). لم يكن لدينا ما يكفي من مال لكي نبذره على مكالمات تلفونية، فتفتق ذهني آنذاك ان نثقب قرش ساغ ونربطه في شريط خيط دقيق، ومن ثم ندليه داخل التلفون فينفتح الخط الى ان ننهي المكالمة ثم نرفع الخيط والقرش خارج علبة التلفون (دحنا اللي خرمنا التعريفة مش المصريين!!) واستمر الحال على هذا المنوال شهرا كاملا. كانت صاحبة الشقة تزورنا كل اسبوع لجمع غلّة التلفون، وكل مرة تصيبها الدهشة (الله!! فين الفلوس؟ انتم ما تتكلموش ولاّ أيه؟) يرد عليها تركي: «نحن لا نهدر اوقاتنا وفلوسنا في الكلام بالتلفون وبعدين ما عندناش ارقام ناس حتى نتصل فيهم، واحنا بتوع ثقافة ومكتبات ومتاحف، كلها 5 قروش للتاكسي والسلام عليكم!!» كنا ايامها نعطي الخادمة جنيها واحدا يوميا لشراء لوزام الاكل فترد علينا بقية الجنيه عندما تعود. تكررت زياراتنا لمصر بعد عودتنا من امريكا وكنا حتى الآن نذهب سويا لمعارض الكتب في القاهرة وبيروت والبحرين والدار البيضاء والكويت، وفي احدى زياراتنا لمعرض كتاب القاهرة تشرفت بمعرفة الاستاذ الكبير الاديب محمد سعيد طيب (ابو الشيماء) الذي يحرص كل سنة على استضافتنا مع اساتذة كبار في محل اقامته في القاهرة.
كثرت وتعددت اللقاءات وتنوعت في الولايات المتحدة الامريكية عندما حصلنا سويا على بعثات من الجامعة فذهب هو الى جامعة ولاية كلورادو في مدينة فورت كوليتز، وذهبت انا الى جامعة اوريغون في مدينة يوجين، كان طالبا ناشطا في منظمة الطلبة العرب في كلورادو، وكنتُ مسؤولاً عن اللجنة الثقافية في منظمة الطلبة العرب في يوجين (ولاية أرويغون)، وكنا نلتقي مرارا في مؤتمرات المنظمة السنوية رغم اختلاف توجهاتنا آنذاك، التقينا مرات كثيرة في كلورادو حيث اصدقاء اخرون الأخ يوسف والاستاذ محمد عبدالملك آل الشيخ والاستاذ يحيى القنيبط والاستاذ عبدالرحمن الكنهل وغيرهم، وفي كاليفورنيا حيث الصديق عبدالله الرواف ومن بقربه من اصدقاء كأحمد وفهد الربدي ومحمد الجربوع وسليمان الرواف، وفي يوتا حيث الصديق الكريم محمد الضحيان. وفي واشنطن دي سي حيث الصديق العزيز الدكتور ناصر البريك (سفيرنا حالياً في طهران) ود. فهد الدوسري، وفي يوجين -اوريغون حيث الاصدقاء الاخوان د. ماجد ود. مأمون المنيف والاخ العزيز حمد الماضي وابراهيم المنصور والاخوان الزميلان د. عبدالعزيز ود. احمد التويجري والاخ الصديق فهد الدغيثر وفهد السديري والاخوان محمد وعبدالله وابراهيم السرحان ود. محمد العبداللطيف ود. بكر حسن وزوجته العزيزة مها الشاهد ود. العيسوي ابو عماشة واصدقاء وزملاء وزميلات كالاخوات احلام القصيبي واخواتها والصويغ د.سهام وهدى والهام والقبلان بدرية ونوال واديبة العنقري د. هيفاء وهند، وآخرون لاتكفي هذه السطور لذكرهم او ذكرهن جميعاً فعذري وتحياتي لهم جميعاً فهناك من الذكريات الجميلة والاوقات الرائعة معهم ما لا طاقة لي بنسيانه.
من القفشات التي لا انساها انني اتصلت على تركي في كلورادو من مدينة يوجين في ربيع 1978 وفي الاول من شهر نيسان لابلغه عن نيتي بزيارته. أعطيته تفاصيل الرحلة على خطوط (اليونايتد) التي ستأخذني (افتراضاً) من يوجين الى بورتلاند ثم الى دنفر في كلورادو وصولاً مساء ذلك اليوم في الساعة 9 ليلاً. المسافة بين مقر اقامته ودنفر حوالى 50 ميلاً. ركب سيارته وجاء لاستقبال صاحبه واخيه وصديقه، ليفاجأ بأنها كانت كذبة ابريل. اعترفته يومها بثقل تلك المزحة لا سيما ان الطريق كانت جليدية يومها. لا زلت أتأسف عليها حتى الآن، ولكنه بسعة قلبه نسيها بعد ايام.
وإلى اخي تركي أقول له بشهادة هو في غنى عنها، وان جهدت في القول فشهادتي بك مليئة بالجراح فأنت ظاهرة اختلف عليها كثيرون واتفق عليها جمع غير قليل والمتفقون عليك في ازدياد. كنت تكتب لسنين مضت محذراً من مآس كارثية بسبب الغلو والتطرف والتشدد كنت تنشد مصلحةالوطن وترفعها فوق كل شيء.
جرأتك وشفافيتك ووضوحك في كل اطروحاتك.. لا تأخذك في سبيل مبادئك ومصلحة وطنك لومة لائم حتى لو سلطو فؤوسهم وسيوفهم فوق رأسك الشامخ والمرفوع الى الأبد.. وانت القائل لن اطأطأ هذا الرأس مادام يشم الهواء. وأذكر هنا بأن آخر دعوة اطلقتها في ذكر تأسيس المملكة وذلك في مقالك الاسبوعي في الشرق الاوسط في 21/9/2003م حيث دعوت بكل صدق وأمانة الى فتح كل الملفات التي علاها الغبار ومناقشة كل الازمات من اجل الحفاظ على ما ضحى به اجدادنا وذلك في سبيل تماسك الكيان ورد الاعتبار لإنسان هذا الكيان، انت مصلح ومفكر اجتماعي وامثالك في التاريخ لم يسلموا من الأذى والملاحقة.. وعزاؤنا ان في هذا الوطن ثلة خيّرة ممن همهم مصلحته حرصوا عليك وشدوا من أزرك. كسبت احترام الاخرين لانك احترمت الآخر بحضارته وثقافته وجنسه ودينه. انك من الرواد الاوائل الذين استشعروا مكامن الوجع الوطني.. تعالجها بمهارة الحرفي الملم بحرفته والسياسي المفكر الذي يشخص الاوجاع ويداويها. وانت من الرواد الذين كشفوا المستور من عيوبنا التاريخية سياسيا واجتماعيا، وانت برواياتك من اوائل من كتب تاريخنا الاجتماعي الذي اهمله التاريخ المكتوب والمزيف والمفروض علينا تلقينه وتعليمه لجيل اليوم.. هذا السلوك الجميل ايها العقل الكبير يعتبر سلوكا طبيعيا لو كنا في مجتمع طبيعي يحيا حياة طبيعي، ولكنه يعتبر سلوكا غير طبيعي في مجتمع ينعدم فيه الصدق مع النفس واحترام انسانية البشر، وتنفصم فيه شخصية الفرد الى شخوص متعددة في اليوم الواحد، اشد على يدك وادعو الله ان يحميك من كل مأزوم يريد بك سوءا.

أخوك
أحمد بن عبدالله العجاجي