(القدم) قرية كبيرة من أمهات قرى الغوطة, تحتل المنزلة الخامسة والثلاثين فيها, كما ذكر محمد كرد علي في كتابه "غوطة دمشق", تقع قرب دمشق وعلى بعد (1.5) كيلو متر, يحدها شمالا كفر سوسة وجنوباً سبينة الصغرى, ونظرا لقربها من العاصمة فصلت عن ناحية داريا وضمت إلى دمشق بموجب المرسوم 1834م في 12 أغسطس 1948م وأصبحت بمقتضاه تتبع أمانة العاصمة كأي حي من أحياء دمشق. ومن المرجح وجود (القدم (قبل الإسلام في مكانها الحالي, وتوجد نصوص تثبت قدمها, فقد ذكر ابن كثير في بدايته أن أبا البركات بن المران جدد بناء مسجد (القدم) سنة (517) هجرية, أي منذ تسعمائة سنة تقريباً ويستحيل قيام مسجد إلا بوجود مصلين, بل وعدد كبير من المصلين, ولعلها كانت بضعة بيوت قبل الإسلام, فلما جاء الفتح الإسلامي نزلها مخاليف من اليمن وبنوا فيها هذا المسجد الذي أعيد بناؤه أكثر من مرة. ولعل اسم (القدم) لم يطلق عليها إلا في فترة متأخرة لأن الاعتقاد بتأثير قدم النبي عليه الصلاة والسلام في الصخر لم ينتشر إلا بعد زمن, حيث شاعت البدع والخرافات. فالثابت أن النبي لم يتعدَ بصرى الشام, وتأثير قدمه في الصخر لم يرد إلا في الأحاديث الضعيفة وأكثرها موضوع. ثم إنه لم يعرف له أثر قدم في مكة والمدينة حيث قضى عمره, والأثر الموجود في مسجد (القدم) وفي مسجد العسالي واضح التزوير فالأول صغير الحجم والثاني كبير, والأول ظاهر التبلور الصخري فيه, وقد يتشكل مثله في أي مكان من الأرض, والثاني واضح النحت, وصواب اسمها كما ادعوا (القدم الشريف), وفيه خطأ لغوي, لأن القدم مؤنثة, فيجب أن يقال: (القدم الشريفة).
حقيقة القدم
ويرجح أن اسم القدم هو (قدم) بالضم, وهو اسم بلدة باليمن, وعندما نزح أهلها مع الفتح الإسلامي واستوطنوا هذه البلدة القريبة من دمشق, سموها باسم بلدتهم اليمنية.
ويعتقد أن القدم كانت مركزاً لقرى صغيرة من حولها وقد اندثرت الآن جميعاً, وبقي منها آثار تشير الى وجودها, فقد ذكر ابن طولون "التل" وقال إنه بأرض القدم, وقد بقي كتلة ترابية إلى عهد قريب فأزاله أحد أبناء دمشق "بشير الشربجي", وله مزرعة واسعة إلى جواره. وقد أصبحت مكانه الآن أرض زراعية. كما ذكر "التل الأحمر" وسماه الكثيث الأحمر. وهناك "تل سوجق", ومنطقة "الشماسية", وكان الخليفة المأمون قد أقام بها مرصدا فلكيا, وذكر ياقوت الحموي في معجمه أن "الشماسية" محلة قرب دمشق وقد حفر أهل (القدم) في هذا المكان فعثروا على مقبرة وبعض أسس قديمة, وهناك قريتان صغيرتان اندثرتا اليوم نهائيا هما: (عالية وعويلية) كانتا شرق القدم قرب "كوم القطائع", وهناك أرض زراعية باسم الأولى "العالية" لا تزال إلى اليوم.
وذكر القريتين ابن عساكر في تاريخه وابن جبير في رحلته والبصري في فضائله, وكان فيهما مسجد. ومن القرى الدائرة أيضاً التي كانت ترتبط بالقدم: قرية (دف الحجر) وقرية (مأذنه) واسمها اليوم "المادنية", وإلى عهد قريب كانت القدم قرية صغيرة يعيش فيها أربعة آلاف وخمسمائة نسمة تقريباً, وفي الفترة الأخيرة خاصة بعد اللجوء والنزوح الذي أعقب الحروب مع إسرائيل, كانت موطناً لكثير من الوافدين والجنود, فارتفع عدد سكانها إلى ما يقارب خمسين ألفاً, فاتصلت بكفر سوسة ومخيم اليرموك المتصل بيلدا وببيلا وترامت حتى جاورت سبينة.
تآكل الغوطة
وبدأت هذه البيوت التي تقام تأكل أرض (القدم) التي باعها أصحابها, بل بدأت تأكل أرض الغوطة وتمتد لتسلب دمشق الفيحاء أعز ما تملك وهو غوطتها, التي تعد أجمل وأخصب بقعة في الأرض باعتراف جميع المؤرخين قديماً وحديثا,ً قال الخوارزمي: "إن جنان الأرض أربع: صغد سمرقند, ونهر الأبلة, وشعب بوان, وغوطة دمشق, واليوم مدينة (القدم) أصبح كاملة الصفات والأجزاء, وإن كانت تعتبر حياً من أحياء دمشق, أنارتها الكهرباء بضيائها وسقتها الفيجة بمائها, وانتشرت فيها معالم الحضارة الحديثة وحوت معظم وسائل الحضارة, وعلى طول الشارع العام الذي أصبحت الآن يشطر القدم إلى قسمين أقيم شريط من المعامل الصناعية الحديثة, فهناك معمل الزجاج والسجاد والقماش والبرادات والغسالات والصابون والكابلات والنايلون ومنشآت أخرى كثيرة.
ومن قبل الحرب العالمية الأولى, أنشئت - شرقي القدم - محطة القطار وسميت باسمها, ومقابل المسجد منطقة اتخذت منطلقاً لكافة السيارات المغادرة من دمشق إلى البلدان المجاورة, ونظمت القدم وفق أحدث الطرق الحديثة في بناء المدن, ففيها الشوارع العريضة المنسقة والمدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية والحدائق العامة والنوادي.
الخط الحديدي
"عكاظ" قامت بجولة وزيارة الى الخط الحديدي الحجازي وإلى محطة (القدم) وزارت مدير عام المؤسسة العامة للخط الحديدي الحجازي المهندس محمود سقباني الذي قال لـ"عكاظ": كان إنجاز الخط الحديدي الحجازي إنجازاً هاماً على صعيد وسائل المواصلات, في وقت كانت فيه هذه الوسائل جداً بدائية, وإن كان إنشاؤه من أجل خدمة الحكم العثماني الذي كان يبسط سطوته آنذاك على معظم الوطن العربي, فحين قرر السلطان عبدالحميد البدء في هذا المشروع, أعلن أن ذلك لنقل الحجاج المسلمين إلى مكة والمدينة المنورة, ولكن الهدف الأهم كان نقل جيوشه وعتاده العسكري عبر الصحراء بأسرع وأسلم طريقة للسيطرة على باقي البلاد العربية, خاصة نجد والحجاز, وهدف آخر هو تنشيط العمليات التجارية بين البلدان العربية. ويقول سقباني: وسارع السلطان عبدالحميد إلى جمع التبرعات من بلاد الشام لتغطية التكاليف وقد ورد في جريدة (المقتبس - العدد 32 الصادر بتاريخ 26 يناير سنة 1909م) إعلان يدعو لإخلاء الأراضي تمهيداً لبدء إنشاء المحطة.
أما الخط الذي كان قد بوشر به في أبريل عام 1900م بشكل نظري, فقد تمت حركة أول قطار عليه لمسافة 133 كيلومترا من محطة القدم إلى محطة درعا, وحتى عام 1908م لم يكن وصل إلى المدينة المنورة لأن إنجازه لم يكتمل حتى ذلك الحين. حيث كان أصل الخط في محطة (القدم) جنوب دمشق. وفي عام 1911م ورد إعلان آخر في نفس الجريدة كبلاغ عن توسيع الخط العامل من القدم إلى دمشق بطول 4.1 كيلومتر, أما مبنى محطة الحجاز فقد أنشئ سنة 1917م, وحتى هذا الحين لم يطرأ عليه أي تعديل سوى إزالة المظلة الواقعة في الجهة الجنوبية وإضافة بعض الخدمات الصحية الداخلية, وقد عرفت آنذاك باسم محطة القنوات نسبة إلى المنطقة التي بنيت فيها.
محطة القدم
ويتابع "سقباني" تبلغ مساحة العقار, الساحة مع المحطة, 19560 متراً مربعاً, وتوضع المبنى على مصطبة لغاية جمالية كلاسيكية ويشكل محطة كبيرة مع استراحة للركاب ورواق وقاعة مركزية كبيرة ومخزنين وغرف للإدارة حول القاعة في الطابق الأرضي, أما الطابق الأول فيتألف من درجين رئيسيين في الزاويتين الشمالية الشرقية والشمالية الغربية يؤديان إلى بهوين مركزيين ينفتحان على الشرق والغرب بشرفة كبيرة, ومن البهوين يتفرع ممران ينفتحان على ثلاث غرف وتضاف إليه باقي أجزاء الخدمات.
ويقول "سقباني" تأثر بناء محطة الحجاز بالعمارة المحلية, من خلال الإكساءات الداخلية للبهو المشغول بالخشب العجمي بأيد شامية خبيرة واستخدام زنبقة دمشق أي زنبقة نور الدين فوق النوافذ المستطيلة وكذلك من خلال المداميك البازلتية السوداء التي ترفع البناء عن الأرض. أما التشكيل والوظيفة والإنشاء فهي مستقاة من نماذج معمارية أوروبية حتى أن موقعها عيّن بطريقة أوروبية, إذ تقع المحطة في نهاية محور شارع سعدالله الجابري في الجهة الجنوبية من ساحة الحجاز, أي في قلب مدينة دمشق, ولم تلبث أن تطورت المنطقة, فتم شق طريقين الأول من أمام سوق الحميدية حتى ساحة الحجاز وسمي بشارع جمال باشا أو شارع النصر والثاني متعامد مع شارع النصر ويقع في الجهة الشرقية من المحطة وسمي بشارع خالد بن الوليد ومبنى محطة الحجاز هو أساس تشكيل ما عرف في ما بعد بساحة الحجاز. ويعتبر الخط الحديدي الحجازي من أقدم الخطوط العاملة في العالم ومن أجملها, فبالإضافة إلى أهمية الدينية كان يربط دمشق بعمان بالمدينة المنورة بالأرض المقدسة ويكتسب أهمية سياحية, حيث يعبر وادي بردى باتجاه لبنان وجديدة الوادي وعين الفيجة والبداني وسر غايا بطول 58 كم وعلى محور دمشق درعا 128 كيلومترا, يتفرع إلى قلعة ومسرح بصرى العريق 40 كيلومترا شرقا وعلى وادي اليرموك, حيث المناظر الخلابة لشلالات زيزون وتل شهاب وبحيرة ميريب 29 كيلومتراً غربا ويمكن ان تشاهد ذلك وعند ركوب واحدة من قاطراتنا البخارية القديمة البالغ عددها 29 قاطرة التي تمت إعادة تعمير بعضها بجهود عمال مؤسستنا في معمل القدم الذين يسهرون على صيانتها وتصنيع القطع التبديلية اللازمة لها محليا، ودون الاعتماد على الاستيراد أو الخبرات الأجنبية والقاطرات التي تم تعميرها حتى الآن.
الخطوط الفرعية
أما رئيس محطة القدم واصف أحمد, وهو من سكان حي القدم, رحب بنا وقال لـ "عكاظ", محطة القدم من المحطات القديمة جدا وتمتلك ما يقارب عشرين خطا منها فرعية لرأب الشاحنات ومنها للاستخدام ومنها قطارات للركاب والشحن أيضا، ولتطوير أكبر حدثت المحطات كلها، تحديثا كاملا وبشكل جيد جدا، خاصة الديكورات والتكييف وكافة مستلزمات البناء، ومشى أول قطار عام 1984م دشنه الرئيس الراحل حافظ الأسد وتمتلك محطة القدم خطوطا كثيرة وتم تحديثها منذ سنتين، كما أزيلت محطة أزرع وسيعاد بناؤها.
وعن وجود قدم نبينا صلى الله عليه وسلم يقول: أنا من سكان القدم ويطلق عليها (القدم الشريف) وأذكر عندما كنا صغارا، كنا نذهب لجامع القدم الكبير لنرى هذه الدعسة وبجانبها توتة كبيرة اذكرها تماما، ويأتي الزوار لرؤية القدم من أماكن كثيرة.
موطن الثوار
ويقول مختار حي القدم محمد سعيد القادري لـ "عكاظ", الذي يقطن القدم وولد فيها وتربى وعاش فيها أيضا: يتجاوز سكان (القدم) اليوم خمسين ألفا وكانوا في الخمسينات خمسة آلاف تقريبا، ولكن الإقامة في القدم طابت للجميع بسبب الهواء الطيب العليل ولوداعة أهله ونبلهم فهم لا يتعرضون لأحد ولا يؤذون جارا، وقد يذهب الجندي الساكن في القدم بمهمة تستغرق أياما وأسابيع ثم يعود ليجد أهله كما تركهم لم يعتد عليهم أحد ولم يمسهم إنسان، بل يعيشون فترة غيبته وكأنهم بين أهليهم وإخوانهم، وأجمل صفة في أهل القدم تحابيهم وأخوتهم وميلهم الرائع إلى السلام والوداعة والحب والأنس, وأهل القدم أبطال ورجال اذا وجدوا الخصم الحقيقي الذي يستحق القتل والقتال، وكانت لهم بطولات رائعة في حوادث الثورة السورية التي استعرت نيرانها عام 1925م ضد الفرنسيين المستعمرين، وثار من أبناء القدم الشيخ ديب الرفاعي المكنى (بأبي موسى) وكان بطلا بارزا وزعيما شهيرا في ثورة النضال ضد الغاصبين، شارك في أكثر المعارك المظفرة التي خاضها الثوار وكان مشهورا بثقابة الرأي ورجاحة العقل والاعداد والتخطيط للمعركة قبل خوضها, وما أزال أذكره بقامته المديدة وجسمه الضخم ولحيته البيضاء الوقور وملامح البطولة والرجولة البادية في سيمائه وحركاته, وقد شارك أهل القدم بهذه الثورة وغيرها وبدعم ومساعدة الثوار.
أهالي القدم
ومر بتاريخ (القدم) حوادث كثيرة مشرفة تنم عن أخلاق وشهامة وشرف وأهل القدم, من حيث العمل هم ثلاث فئات فهناك الفلاحون الذين ما زالوا يزرعون ويفلحون ويعيشون على ما تنتج الأرض من خضر وثمر، وهناك فئة العمال وهم معظم الشباب يعملون في المعامل التي أنشئت حديثا حول القدم, وهناك فئة ثالثة هم الموظفون وهم قلة ويشكلون الفئة المستنيرة في القدم. ويتابع المختار: اعتنقت (القدم) الإسلام أو أوجدها الاسلام لتسميها بـ(القدم الشريف) نسبة لقدم النبي الكريم عليه الصلاة والسلام ويثبت ذلك قدم مسجدها كما تبنت المذهب الشافعي ولم يعرف أبناؤها القدامى اعتناق دين غير الاسلام، أما اليوم فتضم أكثر أبناء الديانات والمذاهب عدا اليهودية.
حقيقة القدم
ويرجح أن اسم القدم هو (قدم) بالضم, وهو اسم بلدة باليمن, وعندما نزح أهلها مع الفتح الإسلامي واستوطنوا هذه البلدة القريبة من دمشق, سموها باسم بلدتهم اليمنية.
ويعتقد أن القدم كانت مركزاً لقرى صغيرة من حولها وقد اندثرت الآن جميعاً, وبقي منها آثار تشير الى وجودها, فقد ذكر ابن طولون "التل" وقال إنه بأرض القدم, وقد بقي كتلة ترابية إلى عهد قريب فأزاله أحد أبناء دمشق "بشير الشربجي", وله مزرعة واسعة إلى جواره. وقد أصبحت مكانه الآن أرض زراعية. كما ذكر "التل الأحمر" وسماه الكثيث الأحمر. وهناك "تل سوجق", ومنطقة "الشماسية", وكان الخليفة المأمون قد أقام بها مرصدا فلكيا, وذكر ياقوت الحموي في معجمه أن "الشماسية" محلة قرب دمشق وقد حفر أهل (القدم) في هذا المكان فعثروا على مقبرة وبعض أسس قديمة, وهناك قريتان صغيرتان اندثرتا اليوم نهائيا هما: (عالية وعويلية) كانتا شرق القدم قرب "كوم القطائع", وهناك أرض زراعية باسم الأولى "العالية" لا تزال إلى اليوم.
وذكر القريتين ابن عساكر في تاريخه وابن جبير في رحلته والبصري في فضائله, وكان فيهما مسجد. ومن القرى الدائرة أيضاً التي كانت ترتبط بالقدم: قرية (دف الحجر) وقرية (مأذنه) واسمها اليوم "المادنية", وإلى عهد قريب كانت القدم قرية صغيرة يعيش فيها أربعة آلاف وخمسمائة نسمة تقريباً, وفي الفترة الأخيرة خاصة بعد اللجوء والنزوح الذي أعقب الحروب مع إسرائيل, كانت موطناً لكثير من الوافدين والجنود, فارتفع عدد سكانها إلى ما يقارب خمسين ألفاً, فاتصلت بكفر سوسة ومخيم اليرموك المتصل بيلدا وببيلا وترامت حتى جاورت سبينة.
تآكل الغوطة
وبدأت هذه البيوت التي تقام تأكل أرض (القدم) التي باعها أصحابها, بل بدأت تأكل أرض الغوطة وتمتد لتسلب دمشق الفيحاء أعز ما تملك وهو غوطتها, التي تعد أجمل وأخصب بقعة في الأرض باعتراف جميع المؤرخين قديماً وحديثا,ً قال الخوارزمي: "إن جنان الأرض أربع: صغد سمرقند, ونهر الأبلة, وشعب بوان, وغوطة دمشق, واليوم مدينة (القدم) أصبح كاملة الصفات والأجزاء, وإن كانت تعتبر حياً من أحياء دمشق, أنارتها الكهرباء بضيائها وسقتها الفيجة بمائها, وانتشرت فيها معالم الحضارة الحديثة وحوت معظم وسائل الحضارة, وعلى طول الشارع العام الذي أصبحت الآن يشطر القدم إلى قسمين أقيم شريط من المعامل الصناعية الحديثة, فهناك معمل الزجاج والسجاد والقماش والبرادات والغسالات والصابون والكابلات والنايلون ومنشآت أخرى كثيرة.
ومن قبل الحرب العالمية الأولى, أنشئت - شرقي القدم - محطة القطار وسميت باسمها, ومقابل المسجد منطقة اتخذت منطلقاً لكافة السيارات المغادرة من دمشق إلى البلدان المجاورة, ونظمت القدم وفق أحدث الطرق الحديثة في بناء المدن, ففيها الشوارع العريضة المنسقة والمدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية والحدائق العامة والنوادي.
الخط الحديدي
"عكاظ" قامت بجولة وزيارة الى الخط الحديدي الحجازي وإلى محطة (القدم) وزارت مدير عام المؤسسة العامة للخط الحديدي الحجازي المهندس محمود سقباني الذي قال لـ"عكاظ": كان إنجاز الخط الحديدي الحجازي إنجازاً هاماً على صعيد وسائل المواصلات, في وقت كانت فيه هذه الوسائل جداً بدائية, وإن كان إنشاؤه من أجل خدمة الحكم العثماني الذي كان يبسط سطوته آنذاك على معظم الوطن العربي, فحين قرر السلطان عبدالحميد البدء في هذا المشروع, أعلن أن ذلك لنقل الحجاج المسلمين إلى مكة والمدينة المنورة, ولكن الهدف الأهم كان نقل جيوشه وعتاده العسكري عبر الصحراء بأسرع وأسلم طريقة للسيطرة على باقي البلاد العربية, خاصة نجد والحجاز, وهدف آخر هو تنشيط العمليات التجارية بين البلدان العربية. ويقول سقباني: وسارع السلطان عبدالحميد إلى جمع التبرعات من بلاد الشام لتغطية التكاليف وقد ورد في جريدة (المقتبس - العدد 32 الصادر بتاريخ 26 يناير سنة 1909م) إعلان يدعو لإخلاء الأراضي تمهيداً لبدء إنشاء المحطة.
أما الخط الذي كان قد بوشر به في أبريل عام 1900م بشكل نظري, فقد تمت حركة أول قطار عليه لمسافة 133 كيلومترا من محطة القدم إلى محطة درعا, وحتى عام 1908م لم يكن وصل إلى المدينة المنورة لأن إنجازه لم يكتمل حتى ذلك الحين. حيث كان أصل الخط في محطة (القدم) جنوب دمشق. وفي عام 1911م ورد إعلان آخر في نفس الجريدة كبلاغ عن توسيع الخط العامل من القدم إلى دمشق بطول 4.1 كيلومتر, أما مبنى محطة الحجاز فقد أنشئ سنة 1917م, وحتى هذا الحين لم يطرأ عليه أي تعديل سوى إزالة المظلة الواقعة في الجهة الجنوبية وإضافة بعض الخدمات الصحية الداخلية, وقد عرفت آنذاك باسم محطة القنوات نسبة إلى المنطقة التي بنيت فيها.
محطة القدم
ويتابع "سقباني" تبلغ مساحة العقار, الساحة مع المحطة, 19560 متراً مربعاً, وتوضع المبنى على مصطبة لغاية جمالية كلاسيكية ويشكل محطة كبيرة مع استراحة للركاب ورواق وقاعة مركزية كبيرة ومخزنين وغرف للإدارة حول القاعة في الطابق الأرضي, أما الطابق الأول فيتألف من درجين رئيسيين في الزاويتين الشمالية الشرقية والشمالية الغربية يؤديان إلى بهوين مركزيين ينفتحان على الشرق والغرب بشرفة كبيرة, ومن البهوين يتفرع ممران ينفتحان على ثلاث غرف وتضاف إليه باقي أجزاء الخدمات.
ويقول "سقباني" تأثر بناء محطة الحجاز بالعمارة المحلية, من خلال الإكساءات الداخلية للبهو المشغول بالخشب العجمي بأيد شامية خبيرة واستخدام زنبقة دمشق أي زنبقة نور الدين فوق النوافذ المستطيلة وكذلك من خلال المداميك البازلتية السوداء التي ترفع البناء عن الأرض. أما التشكيل والوظيفة والإنشاء فهي مستقاة من نماذج معمارية أوروبية حتى أن موقعها عيّن بطريقة أوروبية, إذ تقع المحطة في نهاية محور شارع سعدالله الجابري في الجهة الجنوبية من ساحة الحجاز, أي في قلب مدينة دمشق, ولم تلبث أن تطورت المنطقة, فتم شق طريقين الأول من أمام سوق الحميدية حتى ساحة الحجاز وسمي بشارع جمال باشا أو شارع النصر والثاني متعامد مع شارع النصر ويقع في الجهة الشرقية من المحطة وسمي بشارع خالد بن الوليد ومبنى محطة الحجاز هو أساس تشكيل ما عرف في ما بعد بساحة الحجاز. ويعتبر الخط الحديدي الحجازي من أقدم الخطوط العاملة في العالم ومن أجملها, فبالإضافة إلى أهمية الدينية كان يربط دمشق بعمان بالمدينة المنورة بالأرض المقدسة ويكتسب أهمية سياحية, حيث يعبر وادي بردى باتجاه لبنان وجديدة الوادي وعين الفيجة والبداني وسر غايا بطول 58 كم وعلى محور دمشق درعا 128 كيلومترا, يتفرع إلى قلعة ومسرح بصرى العريق 40 كيلومترا شرقا وعلى وادي اليرموك, حيث المناظر الخلابة لشلالات زيزون وتل شهاب وبحيرة ميريب 29 كيلومتراً غربا ويمكن ان تشاهد ذلك وعند ركوب واحدة من قاطراتنا البخارية القديمة البالغ عددها 29 قاطرة التي تمت إعادة تعمير بعضها بجهود عمال مؤسستنا في معمل القدم الذين يسهرون على صيانتها وتصنيع القطع التبديلية اللازمة لها محليا، ودون الاعتماد على الاستيراد أو الخبرات الأجنبية والقاطرات التي تم تعميرها حتى الآن.
الخطوط الفرعية
أما رئيس محطة القدم واصف أحمد, وهو من سكان حي القدم, رحب بنا وقال لـ "عكاظ", محطة القدم من المحطات القديمة جدا وتمتلك ما يقارب عشرين خطا منها فرعية لرأب الشاحنات ومنها للاستخدام ومنها قطارات للركاب والشحن أيضا، ولتطوير أكبر حدثت المحطات كلها، تحديثا كاملا وبشكل جيد جدا، خاصة الديكورات والتكييف وكافة مستلزمات البناء، ومشى أول قطار عام 1984م دشنه الرئيس الراحل حافظ الأسد وتمتلك محطة القدم خطوطا كثيرة وتم تحديثها منذ سنتين، كما أزيلت محطة أزرع وسيعاد بناؤها.
وعن وجود قدم نبينا صلى الله عليه وسلم يقول: أنا من سكان القدم ويطلق عليها (القدم الشريف) وأذكر عندما كنا صغارا، كنا نذهب لجامع القدم الكبير لنرى هذه الدعسة وبجانبها توتة كبيرة اذكرها تماما، ويأتي الزوار لرؤية القدم من أماكن كثيرة.
موطن الثوار
ويقول مختار حي القدم محمد سعيد القادري لـ "عكاظ", الذي يقطن القدم وولد فيها وتربى وعاش فيها أيضا: يتجاوز سكان (القدم) اليوم خمسين ألفا وكانوا في الخمسينات خمسة آلاف تقريبا، ولكن الإقامة في القدم طابت للجميع بسبب الهواء الطيب العليل ولوداعة أهله ونبلهم فهم لا يتعرضون لأحد ولا يؤذون جارا، وقد يذهب الجندي الساكن في القدم بمهمة تستغرق أياما وأسابيع ثم يعود ليجد أهله كما تركهم لم يعتد عليهم أحد ولم يمسهم إنسان، بل يعيشون فترة غيبته وكأنهم بين أهليهم وإخوانهم، وأجمل صفة في أهل القدم تحابيهم وأخوتهم وميلهم الرائع إلى السلام والوداعة والحب والأنس, وأهل القدم أبطال ورجال اذا وجدوا الخصم الحقيقي الذي يستحق القتل والقتال، وكانت لهم بطولات رائعة في حوادث الثورة السورية التي استعرت نيرانها عام 1925م ضد الفرنسيين المستعمرين، وثار من أبناء القدم الشيخ ديب الرفاعي المكنى (بأبي موسى) وكان بطلا بارزا وزعيما شهيرا في ثورة النضال ضد الغاصبين، شارك في أكثر المعارك المظفرة التي خاضها الثوار وكان مشهورا بثقابة الرأي ورجاحة العقل والاعداد والتخطيط للمعركة قبل خوضها, وما أزال أذكره بقامته المديدة وجسمه الضخم ولحيته البيضاء الوقور وملامح البطولة والرجولة البادية في سيمائه وحركاته, وقد شارك أهل القدم بهذه الثورة وغيرها وبدعم ومساعدة الثوار.
أهالي القدم
ومر بتاريخ (القدم) حوادث كثيرة مشرفة تنم عن أخلاق وشهامة وشرف وأهل القدم, من حيث العمل هم ثلاث فئات فهناك الفلاحون الذين ما زالوا يزرعون ويفلحون ويعيشون على ما تنتج الأرض من خضر وثمر، وهناك فئة العمال وهم معظم الشباب يعملون في المعامل التي أنشئت حديثا حول القدم, وهناك فئة ثالثة هم الموظفون وهم قلة ويشكلون الفئة المستنيرة في القدم. ويتابع المختار: اعتنقت (القدم) الإسلام أو أوجدها الاسلام لتسميها بـ(القدم الشريف) نسبة لقدم النبي الكريم عليه الصلاة والسلام ويثبت ذلك قدم مسجدها كما تبنت المذهب الشافعي ولم يعرف أبناؤها القدامى اعتناق دين غير الاسلام، أما اليوم فتضم أكثر أبناء الديانات والمذاهب عدا اليهودية.