صحافة التابلويد تصنف بأنها الاكثر مقروئية في بريطانيا مقارنة بغيرها، وهذه المدرسة الصحافية متهمة بالاساءة للذوق العام وعدم الالتزام بمسؤولياتها، اضافة الى تأثيرها السلبي على المجتمع والمشهد الاعلامي المنضبط في المملكة المتحدة، وسمعة التابلويد كرسها الاعتماد على صيغ التسطيح والبساطة واللغة المحكية والاثارة، والمساحة الواسعة المتروكة فيها لاخبــــار المشاهير وما يحـدث في كواليــس الرياضة والتجارب الانسانية الصغيرة، أو بعبارة ثانية، قراء التابلويد يقبلون عليها لانهم يرغبون في معرفة تفاصيل الاحداث وملابساتها غير المفهومة أو الممنوعة، ولا يهمهم مثلاً اقالة شخصية عامة أو معروفة وانما الاسباب الصعبة وراء الاقالة.
الأساليب المذكورة كانت سبباً رئيسياً للتدهور الاخلاقي الذي تمر به هذه الصحافة، والمعنى ان اسلوبها الساخن والمحرك لكل ماهو حيواني في ذهن القارئ، إلى جانب نقــــــلها لتغطيات «الباباراتزي» و«اخبار دفتر الشيكات» واستثمارها في عـــواطف الناس ومعاناتهم لتحقيق مكــــــــاسب مادية، له نتائج كابوسية خصوصاً أن الجمهور الضخــــم لصحافة التابلويد، ينتمى في معظمه الى الطبقات البريطانية الفقيرة، وأصحاب المؤهلات التعليمية المتواضعة جداً، وهم يميلون الى القــوالب الجاهزة والنمطية عن الاشياء والاشخاص والافكار، ومسألة إقناعهم بأي كذبة أو فبركة لا تحتـاج الى جهد يذكر، وفي هـــذا تسطيح للقارئ وتكريس للتخلف، وقال جون لنغر، مفســراً الشعبيــــة الكاسحة لأخبار التابلويد، في كتابه: تلفــزيون التـــابلويد (1993) بأن الجمهور، إجمالاً، لايستسيغ الاخبار المتأنقة والباردة، ويفضل عليها ما يصلح كمادة لحوار حي وجذاب بين الناس، وأن الخطاب الثقافي للمجتمع يلعب دوراً محورياً في هذه القضية.
لا يعني ما سبق ان التثبت من الاخبار قبل نشرها ليس مهماً، ولا يلغي معها أهمية اشباع الجانب المعرفي والموضوعي في المادة الصحافية، ولكن الاعلام مطالب أيضاً بإدراج اهتمامات الناس وما يثير فضولهم في حساباته، وهو ما تقوم به صحافة التابلويد وإن تجاوزت، والأخبار أياً كان موقعها، لا بد وأن تدخل في عملية «سمكرة» وتغلف بـ«مكياج اجتماعي» يناسب أذواق الناس ويمارس سحره الخاص عليهم، ولا بأس من توظيف التراث «المروحن» أو «المشعرن» أو التاريخ «المجيد» للوصول إلى نتائج افضل.
من بين أسباب الإقبال، وربما من أبرزها كذلك، خاصية الإضحاك والتسلية الموجودة في تغطيـات وعناوين التابلويد، ولو أنها قد تأتي فاشية وثقيلة على موضوع المادة احياناً، ولا أنسى تلميحاتها الصعبة ولعبها المدروس بالكلمات، وبالذات في مواد الفضائح والاخبار الغريبة والشاذة، وللتذكير فالغموض في صياغة الخبر المثير يغري القارئ ويحرضه على وضع احتمالات شخصية قد تكون بعيــــدة ومحرجة، والهوية الغالبة على التابلويد «ذكورية» أو « رجالية» اي انها تعمل لمصلحة «القارئ الرجل» ، ومن الادلة تغطياتها المتشنجة والمحتقنة للشـؤون الرياضية، والثانية طبقا لما كتبته بليندا ويتون (2003) اختصاص ذكوري اصيل في المجتمعات الغربية، والمجال لا يتسع لتقديم امثلة اخرى مربكة للرقيب المحلي، والناس في بريطانيا يتابعونها مجاراة لأصحـابهم أو زملاء العمل والدراسة، وللحصول على موضوع مشتـرك يتكلمون عنه، والبريطانيات يرفضن ابواباً معينة فيها، وتحديداً تلك التي تقتحم عوالم المرأة السرية وتكشف عيوب القارئة أمام المرأة في المادة المنشورة، وكتب عالم الاجتماع الفرنسي ميشيل دو سيرتو (1984) بأن الشخص اذا شعر بالهزيمة امام نفسه، فانه يرفض ويقاوم بأسلوب رومانسي، ويبرر بـدون طلب تعاملــه الجاف مع كل ما يكشف ذاته المهزومة حتى يشعر بالانتصار الرمزي ويستعيد ثقة غابت أو فقدت.
ثم إن تعلق الجمهور البريطاني بالتابلويد، يدخل في دائرة البحث عن الاخبار السعيدة والمفرحة، والاحتمال وارد بأنه يمثل رغبــــــة في «تسجيل هروب» من المواد المأسوية والكابوسية المنتشرة في الصفحات الاولى للصحافة المرموقة، مثلمــــــا يسمونها، وأزمة الاقتصاد العالمي عقــــــدت الامور، وجعلت الهروب فرضاً على كل عاقل، والزيادة أن الغربيين يقاربون ويقارنون بين جوانب الاتفاق والاختلاف في حكاياتهم وحكايات وفضائح المشاهير ، كما ترويها صحــافة التابلويد، على سبيل المثال، الطلاق والزواج وهكذا، والقاعدة ان شعبية المشهور تجعله «قدوة» و«نموذجاً» وتصرفاته توصف بـ«عين العقل» ولا يعترض عليها الا جـــــاهل أو مأزوم، وفي بعض الاحيان تستغل التابلويد الحقد الجماهيري على المشهور لصالحها، لأن الجمهور الحاقد أو الحاسد يتابع ويهتم ولا يفوته شيء، والملاحظة الحساسة أن التابلويد منحازة دائماً مع أو ضد، ولا تقبل بانصاف الحلـــول ابداً، وقراء التابلويد في بريطانيا يعرفون مواقف كتابهـا وصحافييها، وقد تعجبهم وينشغلون بالدفاع عن رأي في عامــــود أو وجهة نظر في خبر دون ان يفهموا اسبابها أو «الماكينة الاعلامية» التي تساندها وتؤكد عليها... والسلام.
binsaudb@ yahoo.com
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 107 مسافة ثم الرسالة
الأساليب المذكورة كانت سبباً رئيسياً للتدهور الاخلاقي الذي تمر به هذه الصحافة، والمعنى ان اسلوبها الساخن والمحرك لكل ماهو حيواني في ذهن القارئ، إلى جانب نقــــــلها لتغطيات «الباباراتزي» و«اخبار دفتر الشيكات» واستثمارها في عـــواطف الناس ومعاناتهم لتحقيق مكــــــــاسب مادية، له نتائج كابوسية خصوصاً أن الجمهور الضخــــم لصحافة التابلويد، ينتمى في معظمه الى الطبقات البريطانية الفقيرة، وأصحاب المؤهلات التعليمية المتواضعة جداً، وهم يميلون الى القــوالب الجاهزة والنمطية عن الاشياء والاشخاص والافكار، ومسألة إقناعهم بأي كذبة أو فبركة لا تحتـاج الى جهد يذكر، وفي هـــذا تسطيح للقارئ وتكريس للتخلف، وقال جون لنغر، مفســراً الشعبيــــة الكاسحة لأخبار التابلويد، في كتابه: تلفــزيون التـــابلويد (1993) بأن الجمهور، إجمالاً، لايستسيغ الاخبار المتأنقة والباردة، ويفضل عليها ما يصلح كمادة لحوار حي وجذاب بين الناس، وأن الخطاب الثقافي للمجتمع يلعب دوراً محورياً في هذه القضية.
لا يعني ما سبق ان التثبت من الاخبار قبل نشرها ليس مهماً، ولا يلغي معها أهمية اشباع الجانب المعرفي والموضوعي في المادة الصحافية، ولكن الاعلام مطالب أيضاً بإدراج اهتمامات الناس وما يثير فضولهم في حساباته، وهو ما تقوم به صحافة التابلويد وإن تجاوزت، والأخبار أياً كان موقعها، لا بد وأن تدخل في عملية «سمكرة» وتغلف بـ«مكياج اجتماعي» يناسب أذواق الناس ويمارس سحره الخاص عليهم، ولا بأس من توظيف التراث «المروحن» أو «المشعرن» أو التاريخ «المجيد» للوصول إلى نتائج افضل.
من بين أسباب الإقبال، وربما من أبرزها كذلك، خاصية الإضحاك والتسلية الموجودة في تغطيـات وعناوين التابلويد، ولو أنها قد تأتي فاشية وثقيلة على موضوع المادة احياناً، ولا أنسى تلميحاتها الصعبة ولعبها المدروس بالكلمات، وبالذات في مواد الفضائح والاخبار الغريبة والشاذة، وللتذكير فالغموض في صياغة الخبر المثير يغري القارئ ويحرضه على وضع احتمالات شخصية قد تكون بعيــــدة ومحرجة، والهوية الغالبة على التابلويد «ذكورية» أو « رجالية» اي انها تعمل لمصلحة «القارئ الرجل» ، ومن الادلة تغطياتها المتشنجة والمحتقنة للشـؤون الرياضية، والثانية طبقا لما كتبته بليندا ويتون (2003) اختصاص ذكوري اصيل في المجتمعات الغربية، والمجال لا يتسع لتقديم امثلة اخرى مربكة للرقيب المحلي، والناس في بريطانيا يتابعونها مجاراة لأصحـابهم أو زملاء العمل والدراسة، وللحصول على موضوع مشتـرك يتكلمون عنه، والبريطانيات يرفضن ابواباً معينة فيها، وتحديداً تلك التي تقتحم عوالم المرأة السرية وتكشف عيوب القارئة أمام المرأة في المادة المنشورة، وكتب عالم الاجتماع الفرنسي ميشيل دو سيرتو (1984) بأن الشخص اذا شعر بالهزيمة امام نفسه، فانه يرفض ويقاوم بأسلوب رومانسي، ويبرر بـدون طلب تعاملــه الجاف مع كل ما يكشف ذاته المهزومة حتى يشعر بالانتصار الرمزي ويستعيد ثقة غابت أو فقدت.
ثم إن تعلق الجمهور البريطاني بالتابلويد، يدخل في دائرة البحث عن الاخبار السعيدة والمفرحة، والاحتمال وارد بأنه يمثل رغبــــــة في «تسجيل هروب» من المواد المأسوية والكابوسية المنتشرة في الصفحات الاولى للصحافة المرموقة، مثلمــــــا يسمونها، وأزمة الاقتصاد العالمي عقــــــدت الامور، وجعلت الهروب فرضاً على كل عاقل، والزيادة أن الغربيين يقاربون ويقارنون بين جوانب الاتفاق والاختلاف في حكاياتهم وحكايات وفضائح المشاهير ، كما ترويها صحــافة التابلويد، على سبيل المثال، الطلاق والزواج وهكذا، والقاعدة ان شعبية المشهور تجعله «قدوة» و«نموذجاً» وتصرفاته توصف بـ«عين العقل» ولا يعترض عليها الا جـــــاهل أو مأزوم، وفي بعض الاحيان تستغل التابلويد الحقد الجماهيري على المشهور لصالحها، لأن الجمهور الحاقد أو الحاسد يتابع ويهتم ولا يفوته شيء، والملاحظة الحساسة أن التابلويد منحازة دائماً مع أو ضد، ولا تقبل بانصاف الحلـــول ابداً، وقراء التابلويد في بريطانيا يعرفون مواقف كتابهـا وصحافييها، وقد تعجبهم وينشغلون بالدفاع عن رأي في عامــــود أو وجهة نظر في خبر دون ان يفهموا اسبابها أو «الماكينة الاعلامية» التي تساندها وتؤكد عليها... والسلام.
binsaudb@ yahoo.com
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 107 مسافة ثم الرسالة