كنت مؤخراً في حديث شيق مع دبلوماسي عربي مخضرم جمعتني فيه إحدى ليالي جدة الجميلة ونسائمها العليلة في هذا الوقت من السنة. وتطرقنا إلى مواضيع الساعة المختلفة وكانت أبرزها التحوّلات المثيرة للجدل في خطابات ومواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب. لفت نظري في تعليق الدبلوماسي المخضرم شرحه اللطيف عن النظام العالمي الذي ارتضته القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية وذلك بإقامة منظمات ومؤسسات تتم من خلالها إدارة شؤون العالم، مثل الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة الدولية ومؤسسات التصنيف الائتماني وغيرها. وكانت هذه الكيانات المستحدثة هي أشبه بـ«أزارير» التحكم في الاقتصاد وبالتالي سياسات العالم، وكانت للولايات المتحدة الأمريكية اليد العليا في «اللعب بهذه الأزارير». دول تفتقر، دول تزدهر، دول تعاقب، دول تكافأ، دول في حالة حصار، دول في حالة عمار. إنها «الزراير» وقوتها، ويا لها من قوة!
ولكن ما يقوم به دونالد ترمب اليوم هو اللعب في «الزراير» نفسها وتحطيم المنظومة بأكملها وتفتيت كافة النظم والقوانين التي قامت عليها تلك الكيانات.
أثار خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في منتدى «دافوس» الاقتصادي لعام 2026 جدلاً واسعاً، حيث اتّسم بنبرة هجومية وتصريحات اعتُبرت «خطيرة» لكونها تمس استقرار تحالفات دولية وسياسات بيئية واقتصادية عالمية.
ملف «غرينلاند» والسيادة الدنماركية
أعاد ترمب طرح فكرة ضم جزيرة غرينلاند إلى الولايات المتحدة، ولكن بنبرة أكثر حدة هذه المرة لأنه استخدم تهديد التلويح بالقوة، رغم قوله إنه «لن يستخدم القوة» حالياً، إلا أنه أضاف جملة أثارت قلق الأوروبيين: «إذا استخدمنا القوة فلن يوقفنا أحد، لكنني لا أريد فعل ذلك».
بالإضافة إلى اتهام الحلفاء التاريخيين بالجحود، فلقد وصف الدنمارك بـ«ناكرة للجميل»، مدعياً أن الولايات المتحدة أنقذتها في الحرب العالمية الثانية وكان يجب ألا تعيد لها غرينلاند حينها، واصفاً ذلك القرار بـ«الغباء التاريخي».
وجاء إصراره على إجراء المفاوضات الفورية مثيراً للجدل، فلقد دعا إلى مفاوضات عاجلة لضم الجزيرة لأسباب تتعلق بـ«الأمن القومي» وبناء منظومة دفاعية (القبة الذهبية).
بالإضافة إلى التهديد بتفكيك التحالفات (الناتو وأوروبا)، وجّه ترمب رسائل شديدة اللهجة لحلفائه التقليديين. وأيضاً أصر على رفع الإنفاق الدفاعي وطالب دول الناتو بزيادة إنفاقها العسكري إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي (بدلاً من 2%)، وهو ما يفوق قدرة معظم الميزانيات الأوروبية. وواصل انتقاده الحاد للهوية الأوروبية، وصرح بأن بعض المناطق في أوروبا «لم تعد قابلة للتعرف عليها» بسبب سياسات الهجرة، معتبراً أن القارة لا تسير في الاتجاه الصحيح.
وركّز على التبعية الاقتصادية للقارة العجوز وادعى أن الاقتصادات الأوروبية كانت لتتدمر لولا الحماية الأمريكية، مهدّداً بفرض رسوم جمركية على دول عارضت خططه.
«الهجوم الشامل» على السياسات البيئية
وصف ترمب التحوّل نحو الطاقة الخضراء بـ«أكبر عملية احتيال في التاريخ» (The Green Scam).
ولم تفته السخرية من طاقة الرياح، فهاجم توربينات الرياح في أوروبا ووصفها بأنها «خاسرة» وتدمر المناظر الطبيعية.
وأعلن بقوة عن العودة للوقود الأحفوري، فأعلن حالة «طوارئ طاقة» في أمريكا لفتح الباب على مصراعيه لاستخراج النفط والغاز («الذهب السائل»)، وهو ما ينسف جهود مكافحة التغير المناخي العالمية.
تكمن خطورة الخطاب في تحوله من «الدبلوماسية» إلى «لغة القوة» والابتزاز الاقتصادي، وضربه بعرض الحائط الاتفاقيات البيئية الدولية، مما يعزز حالة الاستقطاب العالمي. إنه اللعب في «الزراير»!