يبدو أن جدة لم تقنع بمعلم واحد من معالم التلوث البيئي الكبرى، وهو بحيرة المسك التي أعطتها شهرة عالمية، وساعدتها على تحقيق مركز متقدم بين المدن العالمية الأكثر تلوثا، لذا فإنها ستحصل على معلمين آخرين، وهما نهر المسك، وبحر المسك. هذا، على ما يبدو، هو ما بدأت أمانة جدة العمل على إنجازه في أقرب فرصة ممكنة، إذ إنها أوكلت إلى إحدى الشركات نقل ماء البحيرة من موقعها في الشمال الشرقي قرب عسفان إلى مجرى السيل الذي يخترق المدينة لمسافة طويلة نحو الجنوب الغربي متجها إلى البحر، بعد أن يمر بعدة أحياء سكنية ثم بالطرف الشرقي من جامعة الملك عبد العزيز وبعدها ينعطف بالقرب من الاستاد الرياضي محاذيا لحراج السيارات والمنطقة الصناعية قبل أن يصل إلى منطقة الخمرة ومنها إلى البحر. وهو بذلك سيشكل نهرا ممتدا من الماء الآسن الذي يمكن أن يطلق عليه بجدارة «نهر المسك». وعندما يصب هذا النهر في المنطقة الساحلية في الخمرة فإن تلك المنطقة لا شك سيتفاقم تلوثها عما هو عليه حاليا بحيث تستحق أيضا لقب «بحر المسك». جاء هذا الخبر المفاجئ عن تصريف ماء البحيرة بهذه الطريقة خلال إجازة عيد الفطر المبارك (عكاظ في 7 شوال 1429هـ) وكأن الأمانة كانت تعمل بسرعة على ترسية المشروع حتى يتمكن المقاول من البدء في العمل مع بداية أول أيام الدوام الرسمي. وبهذا سيصبح النهر أمرا واقعا ليس لأحد القدرة على تغييره.
لا شك أن للأمانة دوافعها ومبرراتها في هذا العمل الذي لم أجد حتى الآن من يستسيغه بين كل من تحدثت إليه من الأساتذة والمختصين في علم البيئة. وربما يكون أهم الدوافع ارتفاع مستوى الماء في البحيرة والخوف من تسربه إلى بعض الأحياء القريبة أو انهيار السد الترابي الذي يمنع البحيرة من الفيضان. ورغم أهمية هذا الدافع إلا أنه لا يبرر اختيار هذا الحل المستغرب بدلا من حلول أخرى أكثر وجاهة وفائدة وأقل خطرا. العجيب في الأمر أن الأمانة لا تنقصها الحلول البديلة مثل ما ورد في نفس الخبر، ولكن هذه الحلول تأتي في المراحل التالية بعد النهر. الحلان الآخران، الأكثر « حضارة»، يتمثل أحدهما في تعبئة المياه، بعد معالجتها، في صهاريج لاستعمالها في الزراعة والبناء. أما الآخر فيتمثل في استعمال المياه في زراعة ثمانية ملايين متر مربع من نبات الحلفة في مكان ما ربما بالقرب من موقع « الغابة الشرقية» التي يتطلع سكان جدة إلى إنشائها بفارغ الصبر. ولا أدري لماذا لا تكون الأولوية لهذين الحلين وما شابههما. وهناك حل ثالث سمعنا أن الأمانة كانت متجهة إليه سابقا وهو ضخ مياه البحيرة إلى موقع آخر أكثر أمانا وأبعد عن المدينة يمكن أن يطلق عليه «بحيرة المسك رقم (2)». كما أن الأمانة أخذت توجه سيارات الصرف لتفريغ حمولتها في محطة المعالجة في الخمرة لإيقاف ارتفاع مستوى الماء في بحيرة المسك. وأعرف أن هناك محطة معالجة قريبة من بحيرة المسك تتبع للقطاع الخاص وتعمل بأقل من نصف طاقتها بسبب تعقيدات إدارية تمنعها من الحصول على كميات إضافية من ماء الصرف ويمكن لمثل هذه المحطات أن تساعد في حل المشكلة. وفي اعتقادي أن هذه الحلول أفضل بكثير من إرسال الماء الملوث عبر المدينة وإلقائه في البحر. قد تقول الأمانة إنه ستتم معالجة الماء إلى الحد الكافي قبل إلقائه في البحر، ولو كان هذا الكلام صحيحا، وأن الماء سيكون نظيفا إلى الحد الذي لا يضر بالبيئة البحرية فإنه سيكون من الأنسب بكثير أن يتم استعماله في الزراعة، بل سيكون إلقاؤه في البحر هدر كبير لا ينبغي أن يسمح به في بلادنا التي تحتاج إلى كل قطرة ماء.
ليس دفاعا عن بحيرة المسك، ولكني أقول أنه، في غياب العدد اللازم من محطات معالجة الصرف وقنواته، فإن إنشاء هذه البحيرة كان إجراءً صائبا، وأنها خدمت مدينة جدة لعدة سنوات، وأن ضررها كان أهون من إلقاء ماء الصرف في البحر.
من الصعب إقناعي أن إلقاء مياه بحيرة المسك في البحر، حتى لو تمت معالجته جزئيا، هو أفضل الحلول التي يمكننا الوصول إليها، بل أعتقد أنه حلقة في سلسلة الاعتداءات البيئية الكارثية التي تقوم بها الأمانة على الساحل ولا أحد يعرف تماما ما هي الأخطار المصاحبة له. ومن الأصعب إقناعي أن الوديان العطشى المتاخمة لجدة لا يمكنها امتصاص ليس فقط ما يعادل بحيرة مسك واحده بل أضعاف ذلك.
أخيرا هناك سؤال ملح وهو: لماذا تقع بحيرة المسك تحت مسؤولية الأمانة؟ أليس من الأولى أن تتولى مسؤولية هذه البحيرة وزارة المياه لتقرر ما هي أنسب الطرق لمعالجتها، إضافة إلى وزارة الزراعة لتقوم باستغلال المياه المعالجة في الري الزراعي أو في زراعة الغابة الشرقية والمتنزهات و استيفاء حاجة الحدائق البلدية؟ أما دور الأمانة الذي يتمثل في إيصال ماء الصرف إلى قنوات تصريف مياه الأمطار التي تؤدي إلى البحر فيجب، مثل الكيّ، أن يكون آخر الدواء.
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 132 مسافة ثم الرسالة
لا شك أن للأمانة دوافعها ومبرراتها في هذا العمل الذي لم أجد حتى الآن من يستسيغه بين كل من تحدثت إليه من الأساتذة والمختصين في علم البيئة. وربما يكون أهم الدوافع ارتفاع مستوى الماء في البحيرة والخوف من تسربه إلى بعض الأحياء القريبة أو انهيار السد الترابي الذي يمنع البحيرة من الفيضان. ورغم أهمية هذا الدافع إلا أنه لا يبرر اختيار هذا الحل المستغرب بدلا من حلول أخرى أكثر وجاهة وفائدة وأقل خطرا. العجيب في الأمر أن الأمانة لا تنقصها الحلول البديلة مثل ما ورد في نفس الخبر، ولكن هذه الحلول تأتي في المراحل التالية بعد النهر. الحلان الآخران، الأكثر « حضارة»، يتمثل أحدهما في تعبئة المياه، بعد معالجتها، في صهاريج لاستعمالها في الزراعة والبناء. أما الآخر فيتمثل في استعمال المياه في زراعة ثمانية ملايين متر مربع من نبات الحلفة في مكان ما ربما بالقرب من موقع « الغابة الشرقية» التي يتطلع سكان جدة إلى إنشائها بفارغ الصبر. ولا أدري لماذا لا تكون الأولوية لهذين الحلين وما شابههما. وهناك حل ثالث سمعنا أن الأمانة كانت متجهة إليه سابقا وهو ضخ مياه البحيرة إلى موقع آخر أكثر أمانا وأبعد عن المدينة يمكن أن يطلق عليه «بحيرة المسك رقم (2)». كما أن الأمانة أخذت توجه سيارات الصرف لتفريغ حمولتها في محطة المعالجة في الخمرة لإيقاف ارتفاع مستوى الماء في بحيرة المسك. وأعرف أن هناك محطة معالجة قريبة من بحيرة المسك تتبع للقطاع الخاص وتعمل بأقل من نصف طاقتها بسبب تعقيدات إدارية تمنعها من الحصول على كميات إضافية من ماء الصرف ويمكن لمثل هذه المحطات أن تساعد في حل المشكلة. وفي اعتقادي أن هذه الحلول أفضل بكثير من إرسال الماء الملوث عبر المدينة وإلقائه في البحر. قد تقول الأمانة إنه ستتم معالجة الماء إلى الحد الكافي قبل إلقائه في البحر، ولو كان هذا الكلام صحيحا، وأن الماء سيكون نظيفا إلى الحد الذي لا يضر بالبيئة البحرية فإنه سيكون من الأنسب بكثير أن يتم استعماله في الزراعة، بل سيكون إلقاؤه في البحر هدر كبير لا ينبغي أن يسمح به في بلادنا التي تحتاج إلى كل قطرة ماء.
ليس دفاعا عن بحيرة المسك، ولكني أقول أنه، في غياب العدد اللازم من محطات معالجة الصرف وقنواته، فإن إنشاء هذه البحيرة كان إجراءً صائبا، وأنها خدمت مدينة جدة لعدة سنوات، وأن ضررها كان أهون من إلقاء ماء الصرف في البحر.
من الصعب إقناعي أن إلقاء مياه بحيرة المسك في البحر، حتى لو تمت معالجته جزئيا، هو أفضل الحلول التي يمكننا الوصول إليها، بل أعتقد أنه حلقة في سلسلة الاعتداءات البيئية الكارثية التي تقوم بها الأمانة على الساحل ولا أحد يعرف تماما ما هي الأخطار المصاحبة له. ومن الأصعب إقناعي أن الوديان العطشى المتاخمة لجدة لا يمكنها امتصاص ليس فقط ما يعادل بحيرة مسك واحده بل أضعاف ذلك.
أخيرا هناك سؤال ملح وهو: لماذا تقع بحيرة المسك تحت مسؤولية الأمانة؟ أليس من الأولى أن تتولى مسؤولية هذه البحيرة وزارة المياه لتقرر ما هي أنسب الطرق لمعالجتها، إضافة إلى وزارة الزراعة لتقوم باستغلال المياه المعالجة في الري الزراعي أو في زراعة الغابة الشرقية والمتنزهات و استيفاء حاجة الحدائق البلدية؟ أما دور الأمانة الذي يتمثل في إيصال ماء الصرف إلى قنوات تصريف مياه الأمطار التي تؤدي إلى البحر فيجب، مثل الكيّ، أن يكون آخر الدواء.
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 132 مسافة ثم الرسالة