يحدثنا الدكتور عبد الجليل السيف في هذه الحلقة عن مرحلة ما بعد العودة من الخارج و لقائه مع صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية . و يتطرق الى زواجه وعلاقته بأبنائه الثلاثة معتبرا اسرته أعظم استثمار في حياته كاشفا عن فشله الذريع في العمل التجاري. وعن هذه المرحلة يقول:حينما عدت إلى أرض الوطن.. عام 1393هـ/1973م، وبعد انتهاء بعثتي التي استمرت عشر سنوات تشرفت بالسلام على سمو وزير الداخلية وشكرته على توجيهه بإدراج اسمي ضمن الطلاب المبتعثين للحصول على درجة الدكتوراه، ورأى ضرورة تطبيق مادرست بالمشاركة الحقيقية في تطوير العمل الميداني المروري ما يستوجب أن انتقل للكادر العسكري. واعتبرت هذه الثقة الغالية وسام شرف أعتز به وأفتخر . واستفدت كثيرًا من هذا اللقاء الأول الذي جمعني بسموه وأحاطني برعايته، ما انعكس إيجابًا في أدائي العملي لاحقا؛ حيث خرجت بتفكيري من مجرد الأداء التنفيذي لمرحلة التفكير الاستراتيجي والرؤية المستقبلية وسط فريق عمل متماسك، فمَنْ يُفترض فيه العمل الوظيفي وخصوصا الأمني منه؛ عليه إكساب غيره المهارات التي تعلمها ويصنع منه ماهرًا آخر؛ ليلتف حوله الجميع بروح الفريق الواحد الذين يشاركونه رؤيته برضاء واقتناع وإن كان لكل منهم شخصيته المستقلة. وكان هناك ما يشبه عدم توافق بين رغبتي في تنفيذ ما تعلمته وحصلته دراسيًا وعمليًا على الميدان وبين ما قيل لي من أن ثمة قيودا ما ومعوقات قد تعترض طريقي إلى الإبداع والابتكار الشخصي في المجال العسكري.. ولكني أثناء ممارسة العمل؛ وجدت خلاف ذلك تماما. وبالفعل صدر القرار الإداري من مدير الأمن العام المساعد، برقم (1569/ض) وتاريخ 14/11/1393هـ بتعييني نقيبًا مع أقدمية سنة اعتبارًا من27/6/1393هـ في إدارة المرور والنجدة تحت قيادة العقيد هاشم بن عبدالرحمن، مدير عام المرور والنجدة حينذاك.
ثم ما لبثت أن طلبت بعد ذلك إنشاء قسم متخصص يهتم بتطوير الجانب المروري وتم بالفعل ذلك؛ حيث أحدثت (الشعبة الفنية) وُعيِّنت مديرًا لها حيث تحولت هذه الشعبة بعد ذلك إلى إدارة فنية؛ يتوافر بها مهندسون وعدد من الموظفين في مجالات عدة... ما حفزني على التفكير الجاد في برامج متنوعة للمرور؛ وزاد من ذلك التشجيع تطلع قيادة الأمن العام ممثلة في مدير الأمن العام حينها الفريق أول محمد الطيب التونسي؛ وكذا رئيسي المباشر العقيد هاشم بن عبدالرحمن.
زواج وثلاثة أبناء
**قلت له هل كان الزواج محطة مهمة في مشوار حياتك عقب عودتك للمملكة ؟
نعم ففي عام 1394هـ؛ تزوجت في مدينة الرياض، وأقمنا حفلا في فندق (اليمامة) وسارت الحياة على خير وقد أنعم الله علينا بثلاثة ابناء وهم: فهد: خريج جامعة الملك فهد للبترول والمعادن تخصص إدارة أنظمة المعلومات ويعمل حاليًا مساعد رئيس تمويل القروض والخدمات الاستثمارية لدى HSBC السعودية المحدودة، وهو متزوج ولديه أحفادي، سيف وسارة.
نايف : وقد تخرَّج أيضا من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، تخصص إدارة مالية وهو حاليًا يعمل مديرًا لمجموعة الخزينة، لندن، في بنك سامبا بالرياض، وهو أيضًا على هدى أخيه فهد؛ ولديه سعود.
عامر: وهو مبتعث الآن للدراسات العليا في الماجستير والدكتوراه في العلوم الطبية، متخصصا في (طب التوازن) في واحدة من أعرق الجامعات بالولايات المتحدة.. جامعة لوما لاندا
** كيف هي علاقتك بأبنائك ؟
قمت بتربية أبنائي بتوفيق الله بأسلوب تربوي يجمع بين عطف الأبوة وحنان الأسرة وفي الوقت نفسه الحرص على أن نكون جزءًا أصيلا من هذا الكيان من ثقافتنا وعاداتنا..يضاف إلى ذلك أن التعامل بيننا يتم بمبدأ التشاور والشورى والديمقراطية.. دون إفراط ولا تفريط.. بمحاوراتهم حينا والنزول إلى مستواهم أحيانا؛ واتباع أسلوب التفاوض والإقناع، والمكافأة والمحبة والعطف واللعب معهم، وكذا بالمساواة بالحب والحاجات قدر المستطاع والتوسعة عليهم.. واستخدام الشدة والحزم بحدود نبرة الصوت أو النظرة في العين، فهي تكفي..! وأستطيع القول: إن أعظم استثمار قمت به في حياتي كان في أسرتي الصغيرة، حيث الأبناء الصالحون والفاعلون والمنتجون لهذا الوطن.. ولهذا دائما أقول: إن لدي ثروة والحمد لله كبيرة لاتنضب، زوجتي و أولادي وأحفادي.. البارون بوالديهم.. فهم جميعا يمثلون لي منبع الحنان الذي أستمد منه كل الأمل في غد أفضل.. وستبقى معزة أسرتي العزيزة في قلبي ماحييت؛ في بالي ذكرهم؛ ترتاح روحي لتصلهم؛ فهم مفتاح سعادتي؛ ومحل فرحتي.
تجربة مريرة
** حاولت ان تكون تاجرا وفشلت .. حدثنا عن هذه التجربة ؟
الفشل معلم كبير.. ولكن ليس عندنا وقت نتعلم من فشلنا؛ لأننا لسنا ذوي تجربة في الفشل وكل ما تعلمناه في هذا الإطار جاء من فشل تجارب الآخرين. ففي بداية التسعينات الميلادية، وبالتحديد عام 1992م, بدأت الحديث مع الأبناء حول إمكانية ممارسة نشاط تجاري يزيد الدخل, وكخيار تمهيدي للتقاعد المبكر؛ وتكون تجربة ثرية للأولاد للتدريب والاستفادة في الوقت نفسه من نشاط تجاري واقتصادي، خصوصا أن تخصصات معظمهم قريبة من هذا المجال. فاستقر الرأي على تأسيس وكالة للسفر والسياحة، وتبلورت الفكرة في تأسيس (وكالة دانة العالمية للسفر والسياحة). كان مقرها الرئيس الرياض وتبعها ثلاثة فروع: أحدها في الدمام؛ وحي الرائد بالرياض؛ وحي الربوة بالرياض.
وقد استمر عمل الوكالة نحو عشرة أعوام أظهرت عجزي وعدم قدرتي على إدارتها ماليًا وفنيًا؛ وكانت النتيجة, خسارة باهظة, فضلا عن إضاعة الكثير من الوقت والجهد والمال.. وكان عليَّ أن أتدخل بقرار حاسم وبات؛ لإنهاء أعمال هذه الوكالة؛ حتى لا تقضي على الأخضر واليابس..! هذه التجربة الأليمة، على الرغم من قسوتها إلا أنني استفدت منها استفادة كبرى، وخرجت منها بدروس مهمة، أبرزها أنني أيقنت تمام الإيقان من واقع التجربة والبرهان، عدم صلاحيتي للأعمال التجارية التي لها مقوّمات قد لاتتوافر لديَّ! وفي الوقت نفسه بدأت أقدر رجال الأعمال تقديرًا كبيرًا، فقد لمست بنفسي المعاناة الكبرى التي يعانونها جرّاء الأعمال القضائية؛ أو الإجرائية، مع الجهات الرسمية أو الأهلية.هذه التجربة, بخرَّت حلم الأبناء في أن يمارسوا أعمالا حرة بعد التخرُّج إلا أن هذه التجربة التجارية المؤلمة, أكسبتهم العلم والخبرة, وأوصلت لهم رسالة مهمة: هذا ليس المجال الذي تتمنون العمل فيه..! وعلى الرغم من كل هذا وذاك كان لابد علينا أن ندفع ثمن الاستفادة من هذه التجربة الخاسرة!.
الاغلاق والانسحاب
** لكن يبدو انك لم تستسلم من المحاولة الأولى فقد عرفت ان لك محاولة اخرى غير موفقة في العمل التجاري ؟
كان هناك مشروع إقامة مركز دولي للقوى العاملة بمشاركة بعض الزملاء؛ شجعني على ذلك قربهم لي وخبراتهم في المجال المالي والمصرفي، وكذا في مجال الدراسات والاستشارات، والعمل الخاص. ولعل ما شجعني على خوض هذه التجربة الجديدة، تجربتي الثرية أثناء عملي مديراً عاماً لمكتب الاستقدام بالإضافة إلى ثقتي الكبيرة في الزملاء المشاركين، حيث كانت الحاجة ماسة، ومازالت، إلى إيجاد مركز يقوم بالتنسيق بين إدارة الاستقدام والمؤسسات والشركات ومكاتب الاستقدام وكل ما يتعلق بشأن القوى العاملة واحتياجاتها، مع الأخذ في الاعتبار المتوافر منها محليًا.
وتأسس المركز عام 1410هـ وقمنا بتقديم طلب لوزارة العمل على أساس إصدار الترخيص بالعمل، إلا أننا اصطدمنا ببيروقراطية القوانين التي أجَّلت إصدار الترخيص، حيث كان عدم الوضوح والتسويف في إصداره سببًا في تكبدنا خسائر مادفعنا إلى إلغاء الفكرة وتوقيف النشاط لفترة، لعل وعسى يصدر الترخيص، إلا أن عدم تجاوب وزارة العمل لم يترك امامنا سوى خيار الإغلاق والانسحاب.
وبعد حوالى (15) عاما تقريبًا، اقتنعت وزارة العمل بما كنا نفكر فيه من خطط واستراتيجيات إلا أن هذا الاقتناع جاء متأخرًا جدًا حيث لو عادت عجلة الزمن إلى الوراء فلربما كنا أنجزنا الشيء الكثير بدلا من محاولة البدء من جديد..! فثقافة تقبُّل الفشل والإخفاق وخيبة الأمل، والإصرار على المضي قدما، من أهم الدروس التي يجب أن نخرج بها من الفشل والإخفاقات؛ حيث يتوجب علينا أن نحارب تحكم الفشل في حياتنا، وأن نكون نحن المتحكمون فيها. ومن أهم دروس الفشل هي ألا نطيل البكاء على اللبن المسكوب، لأنه يشغلنا عن التركيز على المهم من الأهداف، وبالتالي يؤخر نجاحنا.
مولع بالمرور
** لنعد إلى حقلك الذي تحب الحديث فيه وعنه وأقصد به المرور .. حدثنا عن بداية انخراطك بالعمل المروري في المملكة ؟
الحقيقة كنت مولعا بتخصصي المروري، وحينما بدأت العمل كنت متدفقا حماسة وأكثر إقبالا على العمل، لدرجة أنني كنت بقوة دفع التجربة الثرية التي عايشتها فترة ابتعاثي أحرص على الانتظام في العمل منذ الصباح الباكر حتى المساء لدرجة أن البعض مشكورًا لفت نظري لذلك! ولعل ما شجعني على بذل المزيد من الجهد؛ أن الشروحات على المكاتبات الرسمية التي كانت تصل الإدارة موجهة باسمي؛ ما يشير إلى اطلاع المسؤولين على جهودي في هذا الخصوص. إضافة إلى الرعاية الخاصة التي لمستها من الفريق أول مدير الأمن العام، أو العقيد، رئيسي المباشر؛ ما أغضب البعض من الزملاء، الذين رأوا في ذلك تخطيًا لمسؤولياتهم ولكني تحاشيت ذلك كله وتغلبت على تلك المواقف من خلال قيامي بنسبة مثل هذه المشروعات إلى رئيسي المباشر وكذا الإدارة كافة دون استئثار مني بها..
ومن أهم الأعمال التي تركت أثرًا كبيرًا في ذلك الحين وكان لي دور بارز في أخذ المبادرة لإنجازها، هي :ترسيخ مبدأ التوثيق والإحصاء؛ وتصميم دفتر حوادث السير؛ وبرامج تعليم قيادة السيارة في المملكة بالإضافة إلى أعمال أخرى كثيرة قد لا يتسع المجال لذكرها..
اعتقد ان من بين هذه الأعمال توحيد إشارات المرور ؟
نعم فقد كانت الإدارة العامة للمرور حتى عام 1394هـ، تطبِّق إشارات متباينة الأحجام والألوان والأشكال، وكانت لكل منطقة اختيار ما تشاء من الإشارات والعلامات: لونا وحجما وشكلا! فمثلا كانت منطقة جدة تستعمل اللون الأسود في لوحاتها الإعلانية. بينما كانت منطقة الرياض، تستعمل خليطا من الألوان والأحجام، كان منها هو بالشكل المعيَّن أو المثلث، وهكذا كان الحال في سائر المدن الأخرى، حيث لا توجد مواصفات فنية موّحدة للإشارات، يلتزم بها الجميع!
وإزاء هذا التباين الواضح في إشارات المرور المستخدمة في المدن وما تسببه من إرباك للسائقين ومستعملي الطرق؛ ولقناعة المسؤولين بإدارة المرور والنجدة (في حينه) بأن ذلك أدى إلى حدوث ارتباكات كبيرة في صفوف قائدي السيارات، وخاصة أثناء موسم الحج؛ ما نجم عن ذلك زيادة كبيرة في نسبة الحوادث وعدد الوفيات، وذلك نتيجة عدم معرفتهم بالمدلولات الجديدة لهذه الإشارات، بالإضافة إلى كونها مخالفة لاتفاقية الأمم المتحدة، وتحديدا اتفاقية جنيف عام 1949م؛ ومؤتمر فيينا عام 1968م.
ومن اجل معالجة هذا الوضع صدرت الأوامر إلى الشعبة الفنية بإدارة المرور والنجدة؛ لمعالجة هذا الوضع، وذلك بإصدار تعليمات، تفضي إلى توحيد أشكال وألوان الإشارات في جميع مدن المملكة في إطار التنظيم الوارد في الاتفاقيات الموقعة في هذا الخصوص؛ واتساقا مع التعليمات والتنظيمات المتفق عليها في المؤتمر العربي الأول للمرور المنعقد من قبل الأمانة العامة للجامعة العربية عام 1972م، من حيث الارتباطات والمدلولات. وبالفعل أصدر مدير الأمن العام (الفريق أول محمد الطيب التونسي في ذلك الوقت) قرارًا بتشكيل لجنة فنية من كل من:
العقيد/ هاشم عبدالرحمن، مدير إدارة المرور والنجدة..الرائد عبدالله الجامع، رئيس شعبة الأنظمة واللوائح و النقيب
د. عبدالجليل السيف، رئيس الشعبة الفنية و مندوب من وزارة المواصلات (النقل حاليًا)- أحد الخبراء المهنيين.وذلك لإعداد نظام موحد للإشارات المرورية في ضوء الاتفاقات الخاصة بذلك؛ ليصبح منفذا في جميع مدن المملكة. وقد قامت هذه اللجنة بإعداد التنظيم المطلوب، من خلال الشعبة الفنية التي كنت أشرف برئاستها.
ثم ما لبثت أن طلبت بعد ذلك إنشاء قسم متخصص يهتم بتطوير الجانب المروري وتم بالفعل ذلك؛ حيث أحدثت (الشعبة الفنية) وُعيِّنت مديرًا لها حيث تحولت هذه الشعبة بعد ذلك إلى إدارة فنية؛ يتوافر بها مهندسون وعدد من الموظفين في مجالات عدة... ما حفزني على التفكير الجاد في برامج متنوعة للمرور؛ وزاد من ذلك التشجيع تطلع قيادة الأمن العام ممثلة في مدير الأمن العام حينها الفريق أول محمد الطيب التونسي؛ وكذا رئيسي المباشر العقيد هاشم بن عبدالرحمن.
زواج وثلاثة أبناء
**قلت له هل كان الزواج محطة مهمة في مشوار حياتك عقب عودتك للمملكة ؟
نعم ففي عام 1394هـ؛ تزوجت في مدينة الرياض، وأقمنا حفلا في فندق (اليمامة) وسارت الحياة على خير وقد أنعم الله علينا بثلاثة ابناء وهم: فهد: خريج جامعة الملك فهد للبترول والمعادن تخصص إدارة أنظمة المعلومات ويعمل حاليًا مساعد رئيس تمويل القروض والخدمات الاستثمارية لدى HSBC السعودية المحدودة، وهو متزوج ولديه أحفادي، سيف وسارة.
نايف : وقد تخرَّج أيضا من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، تخصص إدارة مالية وهو حاليًا يعمل مديرًا لمجموعة الخزينة، لندن، في بنك سامبا بالرياض، وهو أيضًا على هدى أخيه فهد؛ ولديه سعود.
عامر: وهو مبتعث الآن للدراسات العليا في الماجستير والدكتوراه في العلوم الطبية، متخصصا في (طب التوازن) في واحدة من أعرق الجامعات بالولايات المتحدة.. جامعة لوما لاندا
** كيف هي علاقتك بأبنائك ؟
قمت بتربية أبنائي بتوفيق الله بأسلوب تربوي يجمع بين عطف الأبوة وحنان الأسرة وفي الوقت نفسه الحرص على أن نكون جزءًا أصيلا من هذا الكيان من ثقافتنا وعاداتنا..يضاف إلى ذلك أن التعامل بيننا يتم بمبدأ التشاور والشورى والديمقراطية.. دون إفراط ولا تفريط.. بمحاوراتهم حينا والنزول إلى مستواهم أحيانا؛ واتباع أسلوب التفاوض والإقناع، والمكافأة والمحبة والعطف واللعب معهم، وكذا بالمساواة بالحب والحاجات قدر المستطاع والتوسعة عليهم.. واستخدام الشدة والحزم بحدود نبرة الصوت أو النظرة في العين، فهي تكفي..! وأستطيع القول: إن أعظم استثمار قمت به في حياتي كان في أسرتي الصغيرة، حيث الأبناء الصالحون والفاعلون والمنتجون لهذا الوطن.. ولهذا دائما أقول: إن لدي ثروة والحمد لله كبيرة لاتنضب، زوجتي و أولادي وأحفادي.. البارون بوالديهم.. فهم جميعا يمثلون لي منبع الحنان الذي أستمد منه كل الأمل في غد أفضل.. وستبقى معزة أسرتي العزيزة في قلبي ماحييت؛ في بالي ذكرهم؛ ترتاح روحي لتصلهم؛ فهم مفتاح سعادتي؛ ومحل فرحتي.
تجربة مريرة
** حاولت ان تكون تاجرا وفشلت .. حدثنا عن هذه التجربة ؟
الفشل معلم كبير.. ولكن ليس عندنا وقت نتعلم من فشلنا؛ لأننا لسنا ذوي تجربة في الفشل وكل ما تعلمناه في هذا الإطار جاء من فشل تجارب الآخرين. ففي بداية التسعينات الميلادية، وبالتحديد عام 1992م, بدأت الحديث مع الأبناء حول إمكانية ممارسة نشاط تجاري يزيد الدخل, وكخيار تمهيدي للتقاعد المبكر؛ وتكون تجربة ثرية للأولاد للتدريب والاستفادة في الوقت نفسه من نشاط تجاري واقتصادي، خصوصا أن تخصصات معظمهم قريبة من هذا المجال. فاستقر الرأي على تأسيس وكالة للسفر والسياحة، وتبلورت الفكرة في تأسيس (وكالة دانة العالمية للسفر والسياحة). كان مقرها الرئيس الرياض وتبعها ثلاثة فروع: أحدها في الدمام؛ وحي الرائد بالرياض؛ وحي الربوة بالرياض.
وقد استمر عمل الوكالة نحو عشرة أعوام أظهرت عجزي وعدم قدرتي على إدارتها ماليًا وفنيًا؛ وكانت النتيجة, خسارة باهظة, فضلا عن إضاعة الكثير من الوقت والجهد والمال.. وكان عليَّ أن أتدخل بقرار حاسم وبات؛ لإنهاء أعمال هذه الوكالة؛ حتى لا تقضي على الأخضر واليابس..! هذه التجربة الأليمة، على الرغم من قسوتها إلا أنني استفدت منها استفادة كبرى، وخرجت منها بدروس مهمة، أبرزها أنني أيقنت تمام الإيقان من واقع التجربة والبرهان، عدم صلاحيتي للأعمال التجارية التي لها مقوّمات قد لاتتوافر لديَّ! وفي الوقت نفسه بدأت أقدر رجال الأعمال تقديرًا كبيرًا، فقد لمست بنفسي المعاناة الكبرى التي يعانونها جرّاء الأعمال القضائية؛ أو الإجرائية، مع الجهات الرسمية أو الأهلية.هذه التجربة, بخرَّت حلم الأبناء في أن يمارسوا أعمالا حرة بعد التخرُّج إلا أن هذه التجربة التجارية المؤلمة, أكسبتهم العلم والخبرة, وأوصلت لهم رسالة مهمة: هذا ليس المجال الذي تتمنون العمل فيه..! وعلى الرغم من كل هذا وذاك كان لابد علينا أن ندفع ثمن الاستفادة من هذه التجربة الخاسرة!.
الاغلاق والانسحاب
** لكن يبدو انك لم تستسلم من المحاولة الأولى فقد عرفت ان لك محاولة اخرى غير موفقة في العمل التجاري ؟
كان هناك مشروع إقامة مركز دولي للقوى العاملة بمشاركة بعض الزملاء؛ شجعني على ذلك قربهم لي وخبراتهم في المجال المالي والمصرفي، وكذا في مجال الدراسات والاستشارات، والعمل الخاص. ولعل ما شجعني على خوض هذه التجربة الجديدة، تجربتي الثرية أثناء عملي مديراً عاماً لمكتب الاستقدام بالإضافة إلى ثقتي الكبيرة في الزملاء المشاركين، حيث كانت الحاجة ماسة، ومازالت، إلى إيجاد مركز يقوم بالتنسيق بين إدارة الاستقدام والمؤسسات والشركات ومكاتب الاستقدام وكل ما يتعلق بشأن القوى العاملة واحتياجاتها، مع الأخذ في الاعتبار المتوافر منها محليًا.
وتأسس المركز عام 1410هـ وقمنا بتقديم طلب لوزارة العمل على أساس إصدار الترخيص بالعمل، إلا أننا اصطدمنا ببيروقراطية القوانين التي أجَّلت إصدار الترخيص، حيث كان عدم الوضوح والتسويف في إصداره سببًا في تكبدنا خسائر مادفعنا إلى إلغاء الفكرة وتوقيف النشاط لفترة، لعل وعسى يصدر الترخيص، إلا أن عدم تجاوب وزارة العمل لم يترك امامنا سوى خيار الإغلاق والانسحاب.
وبعد حوالى (15) عاما تقريبًا، اقتنعت وزارة العمل بما كنا نفكر فيه من خطط واستراتيجيات إلا أن هذا الاقتناع جاء متأخرًا جدًا حيث لو عادت عجلة الزمن إلى الوراء فلربما كنا أنجزنا الشيء الكثير بدلا من محاولة البدء من جديد..! فثقافة تقبُّل الفشل والإخفاق وخيبة الأمل، والإصرار على المضي قدما، من أهم الدروس التي يجب أن نخرج بها من الفشل والإخفاقات؛ حيث يتوجب علينا أن نحارب تحكم الفشل في حياتنا، وأن نكون نحن المتحكمون فيها. ومن أهم دروس الفشل هي ألا نطيل البكاء على اللبن المسكوب، لأنه يشغلنا عن التركيز على المهم من الأهداف، وبالتالي يؤخر نجاحنا.
مولع بالمرور
** لنعد إلى حقلك الذي تحب الحديث فيه وعنه وأقصد به المرور .. حدثنا عن بداية انخراطك بالعمل المروري في المملكة ؟
الحقيقة كنت مولعا بتخصصي المروري، وحينما بدأت العمل كنت متدفقا حماسة وأكثر إقبالا على العمل، لدرجة أنني كنت بقوة دفع التجربة الثرية التي عايشتها فترة ابتعاثي أحرص على الانتظام في العمل منذ الصباح الباكر حتى المساء لدرجة أن البعض مشكورًا لفت نظري لذلك! ولعل ما شجعني على بذل المزيد من الجهد؛ أن الشروحات على المكاتبات الرسمية التي كانت تصل الإدارة موجهة باسمي؛ ما يشير إلى اطلاع المسؤولين على جهودي في هذا الخصوص. إضافة إلى الرعاية الخاصة التي لمستها من الفريق أول مدير الأمن العام، أو العقيد، رئيسي المباشر؛ ما أغضب البعض من الزملاء، الذين رأوا في ذلك تخطيًا لمسؤولياتهم ولكني تحاشيت ذلك كله وتغلبت على تلك المواقف من خلال قيامي بنسبة مثل هذه المشروعات إلى رئيسي المباشر وكذا الإدارة كافة دون استئثار مني بها..
ومن أهم الأعمال التي تركت أثرًا كبيرًا في ذلك الحين وكان لي دور بارز في أخذ المبادرة لإنجازها، هي :ترسيخ مبدأ التوثيق والإحصاء؛ وتصميم دفتر حوادث السير؛ وبرامج تعليم قيادة السيارة في المملكة بالإضافة إلى أعمال أخرى كثيرة قد لا يتسع المجال لذكرها..
اعتقد ان من بين هذه الأعمال توحيد إشارات المرور ؟
نعم فقد كانت الإدارة العامة للمرور حتى عام 1394هـ، تطبِّق إشارات متباينة الأحجام والألوان والأشكال، وكانت لكل منطقة اختيار ما تشاء من الإشارات والعلامات: لونا وحجما وشكلا! فمثلا كانت منطقة جدة تستعمل اللون الأسود في لوحاتها الإعلانية. بينما كانت منطقة الرياض، تستعمل خليطا من الألوان والأحجام، كان منها هو بالشكل المعيَّن أو المثلث، وهكذا كان الحال في سائر المدن الأخرى، حيث لا توجد مواصفات فنية موّحدة للإشارات، يلتزم بها الجميع!
وإزاء هذا التباين الواضح في إشارات المرور المستخدمة في المدن وما تسببه من إرباك للسائقين ومستعملي الطرق؛ ولقناعة المسؤولين بإدارة المرور والنجدة (في حينه) بأن ذلك أدى إلى حدوث ارتباكات كبيرة في صفوف قائدي السيارات، وخاصة أثناء موسم الحج؛ ما نجم عن ذلك زيادة كبيرة في نسبة الحوادث وعدد الوفيات، وذلك نتيجة عدم معرفتهم بالمدلولات الجديدة لهذه الإشارات، بالإضافة إلى كونها مخالفة لاتفاقية الأمم المتحدة، وتحديدا اتفاقية جنيف عام 1949م؛ ومؤتمر فيينا عام 1968م.
ومن اجل معالجة هذا الوضع صدرت الأوامر إلى الشعبة الفنية بإدارة المرور والنجدة؛ لمعالجة هذا الوضع، وذلك بإصدار تعليمات، تفضي إلى توحيد أشكال وألوان الإشارات في جميع مدن المملكة في إطار التنظيم الوارد في الاتفاقيات الموقعة في هذا الخصوص؛ واتساقا مع التعليمات والتنظيمات المتفق عليها في المؤتمر العربي الأول للمرور المنعقد من قبل الأمانة العامة للجامعة العربية عام 1972م، من حيث الارتباطات والمدلولات. وبالفعل أصدر مدير الأمن العام (الفريق أول محمد الطيب التونسي في ذلك الوقت) قرارًا بتشكيل لجنة فنية من كل من:
العقيد/ هاشم عبدالرحمن، مدير إدارة المرور والنجدة..الرائد عبدالله الجامع، رئيس شعبة الأنظمة واللوائح و النقيب
د. عبدالجليل السيف، رئيس الشعبة الفنية و مندوب من وزارة المواصلات (النقل حاليًا)- أحد الخبراء المهنيين.وذلك لإعداد نظام موحد للإشارات المرورية في ضوء الاتفاقات الخاصة بذلك؛ ليصبح منفذا في جميع مدن المملكة. وقد قامت هذه اللجنة بإعداد التنظيم المطلوب، من خلال الشعبة الفنية التي كنت أشرف برئاستها.