الدكتور عبدالجليل السيف عضو مجلس الشورى وابن القطيف التي تغفو في أحضان الخليج وأحد القلائل الذين بدأوا رحلة الكفاح منذ الصغر ليحجز لنفسه مكاناً بين المتفوقين دراسياً وحياتياً. والرجل الذي ولد في جزيرة تاروت عام 1363هـ - 1942م لم يكن يتخيل أن هناك عالما آخر خارج «تاروت» ذهب الى القطيف للدراسة فاعترف بأنها ادخلته مرحلة جديدة في حياته. من أبرز ملامحها ابتعاثه للخارج عوضا عن عدم التحاقه بالكلية العسكرية وعودته حاصدا البكالوريوس في الادارة الامنية من جامعة ميتشجان عام 1969م ثم الماجستير في المرور .
ولم يكتف السيف وهو المولع بالمرور كما يقول عن نفسه بذلك بل واصل أبحاثه حتى حصل على الدكتوراه في سلامة المرور عام 1973م.
ولم يتردد في أن يكشف لنا عن معاناته في الغربة واضطراره الى تنظيف الحمامات والعمل في المطاعم من أجل اكمال دراسته في الخارج. ليعود الى بلاده ويضع أول مسودة لنظام المرور في المملكة، ويتقلد عددا من الوظائف في الإدارة العامة للدوريات والنجدة، ثم مديرا للتنظيم والبرامج بالأمن العام، فمستشاراً لسمو وزير الداخلية.


ولأن السيف صريح مع نفسه يعترف أيضا بأنه لم يحقق كل ماكان يتمناه من نجاح خلال توليه مهام إدارة الاستقدام بالرياض. لينتقل بعدها للعمل مديراً للخدمات الطبية بوزارة الداخلية.. متوجاً مشواره في خدمة الوطن عضواً بمجلس الشورى لدورتين متتاليتين ولا يزال يواصل ويخوض تجارب مفصلية في مشوار حياته.. يروى بعضها لعكاظ في حلقات لم تغفل سطورها انسانية رجل يصف رحلة حياته بأنها ( رد الدين للوطن المعطاء ).
بيت من طين
بالطفولة وذكريات النشأة والدراسة وعلاقته بالوالد والأسرة بدأ السيف حديثه ولم ينس فضل أخيه الأكبر «محمد» الذي دفعه الى التعليم، وقال: نشأت في أسرة كبيرة .. كان يحتوينا جميعا بيت طيني داخل الديرة، يتكون من ثلاثة طوابق من الطوب اللبن، وكان يعد بالنسبة لمنازل تاروت قصرا من القصور في حينه.. وبمعايير ذلك الوقت يعتبر من أكبر البيوتات. ويضيف السيف.. وكان الأبناء لايغادرون بيت الأب مهما كانت الظروف حتى لو تزوجوا، وكان عيبا كبيرا أن يغادر أحد الأبناء بيت الوالد للسكنى بعد الزواج، وكان البيت يضم ستة عائلات: إخواني محمد وحسن وحسين وعبدالله وأسرهم وميرزا وأنا. وعشنا جميعا حول بئر حفرة باليد.. نشرب ونغتسل منها.
ويعود السيف إلى أيام الطفولة متذكرا ومضاتها البرئية الجميلة فيقول: في المساء كأي طفل صغير في مثل هذا المجتمع البسيط؛ كنا نتطلع إلى الصباح لنستقبل الحياة ببراءة، فحياتنا كانت متواضعة، لم تتوفر فيها أية مقومات للحياة فلا كهرباء، ولامياه، ولا هاتف.. إلخ. فضلا عن أية وسيلة للترفيه سوى اللعب مع أقراني الأطفال؛ وكنا نخلد إلى النوم بعد صلاة العشاء ونستيقظ عند صلاة الفجر، الكل كان راضيا بهذه الحياة البسيطة. كنا في فترة الصبا نرفه عن أنفسنا بالذهاب إلى المزرعة، عادة يوم العطلة الأسبوعية (الجمعة) من تعليم (الكتاب)- كنا نجد فيها متعة كبيرة؛ حيث المزارع التي يتوافر بها إرتوازيات وكانت لحسن الحظ قريبة إلى سطح الأرض؛ فعندما كنا نحفر لعمق 50 مترا؛ يخرج الماء، فكنا نذهب إلى هذه المزارع لنساعد الوالد والأسرة في هذه الأعمال، وكنا نجد في هذه المزارع متعة لاتضاهيها متعة ذلك الحين، خاصة عندما نأخذ إجازات من الكتاب والمدارس.
ومن الذكريات الطريفة ويقول: كانت سعادتنا أكثر وأكثر آنذاك، حينما يعهد إلينا من كبار الأسرة برعاية (الحمير)، وأخذها من مزرعة الحليبي إلى الحمام، بغرض تنظيفها، والعناية بها.. كانت تلك الحمير، تمثل أهمية كبرى؛ لأنها الوسيلة الوحيدة للتنقلات ولنقل البضائع من المزارع وإليها عبر القطيف والأسواق. كما تستخدم لجميع الخدمات الزراعية الأخرى من رعي وحرث، وبقية أعمال الزراعة والفلاحة... إلخ؛
عين الضفادع
وبحنين بالغ يقول كانت سعادتنا أكبر؛ عندما ترتفع الثقة إلى الإذن لنا بالعناية بمركوبة (حمارة) الوالد، فنأخذها، ونمتطيها تمهيدا لتسبيحها في الحمام الممتد من عين العودة، وتغسيلها، وهي إحدى أقدم عيون واحة القطيف وكان من مزايا هذه الحمارة، أنها كانت تشعر بقدوم الوالد حينما يهم بامتطائها، فتقبل، وتقف عند صخرة مرتفعة، يقف الوالد، رحمه الله، عليها؛ ليكون على ارتفاع معين، ومن ثم يمتطيها! وكانت عين العودة سابقا خاصة بالنساء في الماضي حيث كن يغسلن ملابس بيوتهن وفيما بعد استخدمت من قبل الصبيان وكانت العين مليئة بالضفادع. والحوارسين (السمك الصغيرة). ونظرا لعدم صيانة البئر وافتقادها للاهتمام المطلوب تم دفنها.. وحاليا لا يوجد لها بقايا أو آثار!. ويواصل السيف كان امتطاء الحمير، والركض بها في هذا الزمن خاصة الصغيرة منها والفتية(الجحاش)، متعة لايضاهيها متعة سوى قيادة السيارات الرياضية للشباب في الوقت الحاضر!! وأود وأنا أعرج على هذه المسألة أن أطرح قضية مهمة من قضايا الشباب في هذا الخصوص فما أشبه الليلة بالبارحة! فكما كانت متعتنا بركوب الحمير في الأيام الخوالي أيام الصبا كذلك لابد من معالجة ركوب السيارات والتفحيط بها لدى الشباب والناشئة؛ ما يجعلنا نفكر جديا في استغلال طاقة هؤلاء الذين يجيدون فنها؛ ونضع بعين الاعتبار أسباب اللجوء إلى التفحيط؛ كما يجب أن نشعر أبناءنا باهتمامنا بهم وليس بانتقامنا منهم. فحينما نطرح مثل هذه القضية؛ فلابد من النظر من عدة جوانب: الجانب الشرعي والنفسي والاجتماعي والاقتصادي والجانب الأمني وبقية الجوانب المكملة. ولكل مجال متخصصون لا بد أن يعنون بإشباع هذا الموضوع بحثا، وللأسف تفاقم الأمر فلم نعد نفتقد أموالا ومجموعة من المركبات فحسب، بل أصبحنا نخسر معدلات هي إلى ارتفاع في الأرواح، منها ماهو مغرر به، ومنها ما يغوي الشباب ويجرهم إليه؛ ما يدعو إلى ضرورة تقنين القيادة للشباب بشكل أدق، من خلال إقامة ناد لهواة الدراجات النارية والسيارات؛ فتحقيق هذا المطلب حتما سيلبي رغبة أغلب الشباب، كما سيحقق فوائد جمة، منها التقليل من المضايقات التي يسببونها للأهالي، وتحقيق مكاسب رياضية على مستوى الوطن.
ولعل نظام المرور الجديد الذي وافق مجلس الوزراء على صدوره في جلسته المنعقدة يوم الاثنين 24 شوال 1428هـ تضمن مادة خاصة بتنظيم أندية للسيارات تمنح رخصا دولية تعزز هذه الجهود المبذولة لإعادة تقويم فئة المفحطين بمحاولة استيعاب هذا النشاط السلبي، وإدراجه ضمن نشاطات الرئاسة العامة لرعاية الشباب من خلال تنظيم سباقات السيارات، حتى لايكون العقاب فقط هو الوسيلة الرادعة، بل يقابله استيعاب كامل لهذه الطاقات المهدرة. وهذه المادة أعطت الإدارة العامة للمرور، المشاركة مع الرئاسة العامة لرعاية الشباب في إنشاء نواد للسيارات.
الكتاب.. طفولة التعليم
وعن الخطوات الأولى في رحلته مع العلم قال السيف: حرص والدي ـ رحمه الله ـ مبكرا على تعليمنا، وكان التعليم الأساس في هذه المرحلة هو تعليم قراءة القرآن وآدابه.. التعليم الديني إجمالا بالإضافة إلى قطوف من الأدب والشعر وكان العرف التقليدي للأسرة أن يجتاز ابنه هذه المرحلة من حياته، وكانت البداية يجب أن نتعلم، وكان السبيل الوحيد هو التعليم من خلال(المعلم) التقليدي، والذي كان يمثله في ذلك الحين بـ(كتاب الشيخ حسن الطويل).. وكان الأقدر على تعليم أبناء الجزيرة في ذلك الحين؛ فالتحقت به وتعلمت فيه العلوم الدينية وبخاصة القرآن الكريم بالدرجة الأولى. وكان التعليم في ذلك الوقت أمرا صعبا للغاية؛ فلم تكن هناك أية مدارس في جزيرة تاروت وكان أبناء الأسر المقتدرة يذهبون للبحرين للدراسة..؛ وقد التحقت بكتاب الحاج حسن الطويل ـ رحمه الله ـ أكبر معلم للكتاتيب في ذلك الوقت.. وهو قارئ وحافظ للقرآن الكريم.. علم أجيالا عدة، وتتلمذت على يديه. ويمضي قائلا:
كنا نذهب من السبت إلى الخميس من كل أسبوع، ويوم الأربعاء كان علينا أن ندفع لشيخنا حسن الطويل شيئا يسمى (المربعانية) وهو مبلغ زهيد لايتعدى (الآنة الهندية -خمسة قروش)؛ وكانت هذه المربعانية بمثابة مصدر الرزق الوحيد للشيخ حسن؛ ليعيش ويقتات، جلست فترة كبيرة؛ لأتعلم قراءة القرآن الكريم، وقد أنهيت جزءا كبيرا منه في تلك الفترة.
وكانت هناك كتاتيب أخرى بالإضافة إلى كتاب الشيخ حسن، منها: كتاب الشيخ علي عبدالجبار؛ ومحمد بن رويش؛ وصالح مهدي السني؛ عبدالكريم الطويل؛ عبدالحميد العلق؛ وحسن المغيزل؛ ومحمد صالح الصفار؛ وهو أحدث معلم كتاتيب إذ كان يجيد الحساب والكتابة ويعلمهما بطريقة عصرية.
المرحلة الابتدائية
ومن تعليم الكتاتيب انتقل السيف إلى التعليم النظامي، وعن هذه النقلة يقول: التحقت بعد ذلك بمدرسة القطيف الأميرية الابتدائية، وكانت نقلة نوعية بالنسبة لي.. حيث تخيلت في ذلك الحين أنه لايوجد عالم آخر غير تاروت يمكن العيش فيه! فكانت النقلة إلى القطيف بمثابة نقلة نوعية أدخلتني عالما آخر لم أكن مستعدا لاستيعابه في وقته حين ظننت في هذا العمر الصغير أنه لايوجد عالم آخر في هذا الوجود سوى تاروت! والتحقت بالصف الثالث الابتدائي مباشرة نظرا لإجادتي القراءة والكتابة وأنهيت هذه المرحلة عام 1374هـ (1954م).
كانت وسائل الوصول للقطيف إما عن طريق السفن الشراعية مرورا بطريق دارين أو بواسطة امتطاء الحمار وفقا لحركة المد والجزر بين الشاطئ والجزيرة التي كنا ننتظر بعض الأحيان حوالى الأربع ساعات لنعبر لمدة تتراوح بين الساعة أو الساعتين، وحتى نصل إلى المدرسة كنا نخرج من منازلنا - أحيانا- ليلا وعند الفجر كل يوم لانتظار ما تسمح به حركة المد والجزر!
وكانت رحلة يومية شاقة للغاية ولكنها لم تحبط عزيمتي وإصراري على مواصلة الدراسة ولحسن الحظ أن هذه الفترة لم تدم طويلا حيث انتقلت للسكن في القطيف مع أخي الأكبر الحاج محمد تقي ـ رحمه الله ـ الذي كان له الفضل بعد الله في دفع خطواتي الأولى نحو الدراسة لينتهي بذلك عنائي الشديد في الذهاب إلى المدرسة.. حيث قابلت في القطيف أصدقاء جددا ومعلمين من جنسيات مختلفة.