حزن القلب ودمعت العين وتفطر الوجدان لفراقك يارمضان.. وما عسى من احبك وانتهى فيك عن كل منكر وسعى جهده لكل خير.. ماعساه فاعل بعدك.. نرى المساجد وقد ازدانت وامتلأت بالرجال والنساء وتلألأت اضواؤها عبر الليالي وصدحت اصوات الائمة في تلاوات وأدعية رقت لها القلوب واقشعرت لها الابدان وانسالت لها الدموع.. ومع مجيء العيد انطفأت الانوار وخفتت الاصوات وعاد كل شيء الى مجراه وكأن شيئا لم يكن.. هل تحقق بذلك معنى الصيام والقيام؟!
وهل اورث الناس التقوى؟ ام كانت ذكرى عابرة لا اثر لها في حياتهم؟ يقول سبحانه وتعالى في محكم التنزيل (ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولاتحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون* نحن اولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الاخرة ولكم فيها ما تشتهي انفسكم ولكم فيها ما تدعون*نزلا من غفور رحيم) (فصلت:30-32)
وفي آيات سورة الاحقاف (13-14) قال تعالى: (ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون* اولئك اصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون)
وعندما سأل احد الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يوصيه وصية لايسأل عنها أحداً غيره.. قال صلى الله عليه وسلم: «قل امنت بالله ثم استقم».
التحدي الذي يواجه مسلم اليوم ان يحافظ على مكاسبه في شهر رمضان المبارك لتستمر وتستقيم في بقية الاشهر والايام فليستقيم على ذلك بقية حياته وما اقصر الحياة!
وفوق هذا كله من تفجرت طاقاته الكامنة وعرف من نفسه القدرة على تحمل القيام والتهجد في الليالي العشر من رمضان يقف ساعات وساعات فينصت ويخشع ولايمل ولايتوانى فليسخر طاقاته لخدمة أمته ولينفض الكسل والخمول وليسارع في الخيرات وليسابق في الاعمال التي تنهض بالأمة من سُباتها وترتقي بها الى امجادها في كل مجال..
بهذا يتحقق معنى الصيام ويورث المسلم التقوى.. ويتخرج من مدرسة الصوم ومن ورشة العمل فيه اكثر تقوى واكثر استقامة وفاعلية في مجتمعه واكثر قابلية لأن ينفر في سبيل الله على كل الاصعدة عبادة وخلقا ومعاملة وسعيا الى ما يصلح دنياه وآخرته ومستجيبا لنداء الله للمؤمنين والمؤمنات "يا ايها الذين آمنوا ما لكم اذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم الى الارض ارضيتم بالحياة الدنيا من الاخرة فما متاع الحياة الدنيا في الاخرة الا قليل* الا تنفروا يعذبكم عذابا اليما ويستبدل قوما غيركم ولاتضروه شيئا والله على كل شيء قدير) (التوبة 38-39)
ومن علامات الاستقامة ومحبة شهر رمضان المبارك ان يحافظ المسلم.
ومن اعظم الدلالات على محبة الصيام والشوق اليه ان تبقى اثاره في الذاكرة طوال العام كما كان يفعل الصحابة عليهم رضوان الله الاكبر.. ستة أشهر يسألون الله قبول صيامهم وستة أشهر يدعون الله ان يبلغهم صيام وقيام شهر رمضان المقبل.. لعلنا نفعل ونقتدي ونهتدي بهديهم ونعيش رمضان القادم ونحن في احسن الاحوال وفي رضوان من الله اكبر.
وكل عام وانتم بخير.