في الحلقة السابقة اشرنا بدلائل ومصادر تاريخية أن قبر كليب على طريق اليمن حيث جاء في الديوان: "ومر بعد رجوعه ـ الزير سالم ـ من اليمن قريبا من قبر أخيه" ص (67) في العقد الفريد 72/6 73 ومعجم البكري 419/1 وأن ياقوت الحموي أشار إلى ما سماه سوق الذنائب قائلا: "وسوق الذنائب قرية دون زبيد من ارض اليمن وبه قبر كليب وأشرنا أيضا الى ان ثمة واديا في منطقة جازان على الحدود السعودية اليمنية يطلق عليه «وادي كليب» وهو لا يبعد عن زبيد اليمنية كثيرا فهل قبر كليب في هذا الوادي واذا كان غير ذلك فلماذا اطلق هذا الاسم على الوادي؟
في أقصى الجنوب الشرقي من منطقة جازان على حدود اليمن على بعد 100 كم تقريبا من مدينة جازان يقع وادي الدحن أو ما يطلق عليه «وادي كليب» في محافظة الحرث وهو واد يقع بين سلسلة من الجبال المتوسطة الارتفاع ويحيط به من الشمال بلدة الخشل الحدودية ،والزائر لهذا الوادي ما ان يدخل بين جنباته حتى يجد نفسه بين طبيعة بانورامية تسلب الألباب وبين عراقة الماضي ممثلة في آثاره التاريخية التي تحكي قصص الأولين, فهدير المياه وأصوات العصافير وروائح الأشجار الزكية.
والمناظر الخلابة إضافة إلى وجود كميات كبيرة من الأشجار العطرية الجميلة كالريحان والدوش والوزاب والسيمران والفاغي والزقيقا التي ينبعث منها روائح زكية تعطر الأجواء ، إضافة إلى وجود أشجار الأراك المشهورة التي تكثر فيه وغابة أشجار الحناء والدوم والنخيل التي تغطيها من كل جانب مكونة غابة جميلة من الأشجار وساعد على نمو واستمرارية هذه الطبيعة البانورامية جريان مياه الوادي باستمرار طوال العام دون توقف.
أما من الشرق فيحيط به جبل ملحمة ومن الجهة الشمالية جبل شدا مما جعل موقعها أكثر جمالا لوقوعه بين هذين الجبلين اللذين يضفيان عليهما روعة وجمالا، خاصة بعد صفاء الأجواء التي غالبا تكون بعد نزول المطر، وبهذا الوادي يوجد الكثير من الآثار المندثرة لحضارات سادت ثم بادت.
سبب التسمية
احمد علي شراحيلي احد أبناء وادي الدحن وعضو لجنة التنمية السياحية بمحافظة الحرث يقول: ان الآباء والأجداد يطلقون على وادي الدحن «وادي كليب» ويقولون ان سبب التسمية وجود قبر كليب في الوادي ويؤكدون أنهم استقوا هذه المعلومات من أجدادهم وما يزيد الاعتقاد بصحة ذلك ما ورد في المصادر التاريخية التي أوردت ان قبر كليب بالقرب من زبيد في اليمن وانه في مكان مرتفع عن الأرض وان المهلهل عاد من نجد إلى اليمن ليمكث بجوار قبر أخيه وفي الوادي يوجد احد القبور الذي يطابق وصفه لقبر كليب.
ويضيف شراحيلي ويؤكدون رواياتهم بوجود بعض القبور الأثرية الموجودة في الوادي التي لا يعرف تاريخها على الرغم ان بعضها ليس متجها إلى القبلة وهذا يؤكد أنها لأناس عاشوا قبل العصر الإسلامي. وجود هذه القبور والآثار تستحق بحق ان تشكل لها لجان من هيئة الآثار للوقوف عليها والبحث عن تاريخها وحفظها لكي لا تصل إليها يد العابثين .
قبور الـ3 أمتار
ما أن تتجول في الوادي حتى تصطدم بقبور أثرية كثيرة متناثرة يتجاوز أطوال بعضها الـ 3 أمتار تقريبا وبعضها موجود على سفوح الهضاب وليست متجهة إلى القبلة الأمر الذي يؤكد انها موجودة قبل العصور الإسلامية وبجوار احد الهضاب وقفنا على احد القبور أشار لنا بعض كبار السن ممن لقيناهم في الموقع ان القبر يعود «لكليب» وهو يشبه إلى حد كبير أوصاف قبر كليب التي ذكرتها المصادر التاريخية وهي ان قبر كليب مرتفع عن سطح الأرض بحوالى 7 أمتار وموجود في احدى الهضاب واكدوا لنا انهم تناقلوا هذه المعلومة من أجدادهم.
قبر أبو زيد الهلالي
وما ان واصلنا البحث في الوادي حتى أرشدنا بعض الأهالي هناك إلى قبر يقولون انه لـ"أبوزيد الهلالي" وهو قبر وضعت عليه صخرة طويلة حيث يقول احد كبار السن يدعى محمد مسعود ان هذا القبر الذي توجد عليه صخرة طويلة هو لـ"ابو زيد الهلالي" وهناك الكثير من القبور لبنى هلال في مواقع كثيرة من الوادي والمحافظة والمحافظات المجاورة وتتميز هذه القبور بطولها الذي يتجاوز الـ 3 أمتار.
لا توجد مصادر تاريخية تؤكد ان سبب تسمية الوادي بوادي كليب لأن قبره موجود فيه حيث يقول الدكتور الباحث احمد الزيلعي أستاذ التاريخ لا توجد مصادر تاريخية تشير أو تجزم إلى سبب تسمية وادي الدحن «بوادي كليب» وكذا لا توجد مصادر تاريخية تشير الى وجود قبر كليب في هذا الوادي وكل ما يوجد حكايات توارثتها الأجيال لكن تاريخيا لا يوجد ما يثبت ذلك. حتى على مستوى حرب البسوس فان المصادر التاريخية أغفلت بعض التفاصيل المهمة لهذه الحرب.
أما الدكتور الباحث علي الصميلي فيقول إذا كان قبر كليب ليس موجودا في وادي كليب الذي يطلق عليه وادي كليب فهل يمكن ان تكون التسمية لان كليب نزل أو مر به عندما قصد اليمن لقتل التبع اليمني!؟ واعتقد انه يجب على الجهات المسؤولة على دراسة وحفظ الاثار ان تقوم بعمليات مسح ميداني للموقع والقبور للتأكد وتدوين ذلك لان من حق الأجيال أن تعرف تاريخ اسلافها.
قصر الجليلة
الباحث فيصل طميحي مدير ادارة الآثار بمنطقة جازان يقول: تظل المصادر التاريخية قاصرة جدا وشحيحة في اعطاء صورة جلية ومعلومات شافية عن قصة الزير سالم والأماكن التي دارت حولها أحداث قصة الزير ولاشك ان ارتباط الكثير من المسميات الجغرافية في مناطق عدة من المملكة مع بعض المسميات الواردة في قصة الزير سالم وحرب البسوس جعلت الكثير من الباحثين من تلك المناطق يرجحون ان القصة واحداثها جرت في مناطقهم فهناك من يرى انها وقعت في القصيم والبعض يرى انها وقعت في تهامة الباحة وهناك من يرى انها وقعت في جازان وتهامة اليمن تحديدا في وادي الدحن وغيرهم يرى انها وقعت في غير ذلك ولعل من يرى انها وقعت في تهامة جازان هو الاقرب الى الرجحان ليس فقط لوجود اسماء جغرافية ارتبطت بقصة الزير كوادي كليب "وادي الدحن" وقصر الجليلة وكلا الاثنين في موقع الخشل جنوب منطقة جازان الموجود على الحدود السعودية اضافة الى وجود ذكر وادي السباع في قصة الزير وهو الوادي الذي كان يوجد به الكثير من الاسود وقد ارسل اليه الزير لتفترسه الاسود ومنطقة جازان كانت قديما مشهورة بكثرة الاسود وخاصة في منطقة عثر وكان يضرب بها المثل ونقول ان منطقة جازان هي المكان الراجح ليس بما سبق ذكره فقط بل ان هناك اشارات تاريخية ورد ذكرها في بعض المصادر التاريخية ترجح ان قبر كليب في تهامة وهذه الاشارات ورغم ما سبق ذكره ستبقى القصة مطروحة للأخذ والرد فيها وتحتاج من يبحث ويدقق ويراجع المصادر التاريخية لتوضيح الحقيقة.
ونستخلص من كل ما تقدم هو ان المصادر التاريخية والدلائل تشير ان القبيلتين كانتا تسكنان في ارض تهامية في احد الموقعين إما وادي الخيطان أو جهة اليمن إثناء انطلاق شرارة حرب البسوس ومن ثم انتقلت القبيلتان إلى نجد وهناك دارت بقية المعارك، وان الزير عاد من نجد إلى اليمن ليمكث بجوار قبر أخيه وان قبر كليب موجود جهة اليمن كما جاء في المصادر التاريخية، ويبقى ان تجتهد الجهات المختصة عن الآثار لتقوم بعمليات مسح ميداني وأبحاث لتجيب الأجيال المتلهفة لمعرفة تفاصيل احداث وقعت لاسلافها وان تجيب على تساؤلاتهم التالية لماذا سمي وادي الدحن بوادي كليب؟ وهل القبر الموجود فيه هو قبر كليب؟ وإذا لم يكن كذلك فأين يوجد قبر كليب؟