بعد أن أصدر الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة امرا بايقاف عرض مسلسل سعدون العواجي تعود قضية العصبية القبيلة التي تعالجها الدراما الرمضانية الى الواجهة مجددا وبقوة لا سيما انه ومع بداية الشهر الفضيل تم ايقاف مسلسل "فنجان الدم" لاسباب مشابهة، وهذا الأمر هو الذي أحاط أيضا بمسيرة مسلسل "راكان بن حثلين". وكان رئيس دولة الإمارات استجاب لمناشدة تقدمت بها العديد من القبائل العربية التي يحاكي المسلسل حقبة من تاريخها. بعد أن قاد مثقفون من قبيلتي عنزة وشمر تحالفاً لوقف المسلسل وضم عددا من الأسماء من بينها سطام الطوالة ونواف العواجي وعلي القعيط، ومحمد الرطيان ، وسليمان الفليح، وقد تضامن جميعهم من أجل وقف المسلسل الذي اعتبروه يسيء لتاريخ قبيلتي عنزة وشمر.
"سعدون العواجي" الذي تدور أحداثه حول قصة حقيقية جرت أحداثها في صحراء الجزيرة العربية بين عامي 1750 و1830 لم يستطع ان يخرج من عنق الزجاجة القبلية بسلام رغم إصرار القناة المنتجة على عرضه معاندة الطرف المعارض الذي اخذ يثير ارتباط هذا العمل بإثارة النعرات القبلية عبر مواقع الإنترنت.
ورغم كون الأعمال الفنية الدرامية التي أعدت لهذا الشهر الكريم مختلفة في مضمونها وأساليب طرحها إلا ان هناك أعمالا أخذت في طرح قضايا حول شخصيات كما هو حال "سعدون العواجي" و "أبو جعفر المنصور" وأخرى تطرقت إلى أحداث مثل "فنجان الدم" وأمام هذا التنوع الموضوعي مازال هناك سؤال حول هذه الأعمال فهل هي استلهام للتاريخ وتقديمه من جديد أم إحياء للعصبية القبلية واللعب على هذا الوتر الحساس؟.
رسالتان
المهتم بالشأن الثقافي والاجتماعي خلال الاستعداد لهذه الأعمال تابع رسالتين بعثهما الباحث والمتخصص في علم الأنساب زيد بن علي الفضيل إلى رئيس مجلس الشورى الشيخ صالح بن حميد والأخرى إلى أمين عام دارة الملك عبدالعزيز التاريخية د. فهد السماري، شدد فيهما على أهمية الانتباه إلى خطورة تفشي العصبية والنعرات القبلية على وحدة المجتمع، وإمكانية استغلاله من مؤسسات خارجية ذات أجنده مشبوهة، مطالبا بتفعيل جمعية الأنساب التي تحتضنها الدارة واللجنة الخاصة لضبط وتوثيق أنساب الأشراف بالمملكة، لتكون بمثابة المرجعية التاريخية والدرامية لمختلف الأعمال والمصنفات المتعلقة بالقبائل التي تعيش في المملكة .
إذا كانت هذه الدعوات التي وجهها الفضيل تعد إثباتا وتعبيرا عن المسؤولية الاجتماعية المناطة بالمثقف الذي تقوده رؤيته إلى أعماق المستقبل لاستشراف الإيجابيات والسلبيات وللقيام بدوره في الإصلاح، فإننا نذكر ان للمثقف والباحث السعودي موقفا مشابها أعلنه إبان حفلات مزايين الإبل وبرنامج شاعر المليون وغيرهما من الأعمال التي سادت الساحة مؤخرا اتضح فيها اللعب على وتر العصبية القبلية من جديد في عصر المدنية الحديثة وتطور تقنية الاتصالات.
الحكايات الحقيقية
لقد استغلت الأعمال الفنية التي تعد استمرارا لهذه البرامج شعبية الأعمال الموجهة للإرث البدوي فنجد العديد من الأعمال البدوية وحتى غير البدوية بدأت تدور أحداثها حول استحضار القصص والحكايات الحقيقية من تاريخ الجزيرة العربية وإعادتها في صورة تلفزيونية مرتبطة بالصورة الذهنية للمشاهد مثل مسلسل "فنجان الدم" و"راكان بن حثلين" ربما لتحقق نسبة عالية من المشاهدة وربما لامر ما خفي لكن وعلى الرغم من عدم معرفة كيفية المعالجة الفنية لهذين العملين بسبب إرجاء بثهما لاسباب غير معلنة إلا إننا نلمس ان ما حدث من إيقاف لعرض (سعدون العواجي) هو استجابة لمواقع الشبكة العنكبوتية التي أخذت في تهييج الشارع ضده وما ذلك إلا لان الإرهاصات السابقة كحفلات مزايين الإبل التي أفرد لها ناصر القصبي وعبدالله السدحان حلقة في عملهما الجديد (كلنا عيال قرية) إضافة إلى المسابقات الشعرية، ارتكزت على إعادة اشعال النار من تحت الرماد حتى أصبحت التكتلات والسماع بها حديث السمار وشغلهم الشاغل.
وقد أعد الباحث خالد بن عبدالرحمن الجريسي دراسة حول العصبية القبلية موضحا فيها ان عصبية اليوم هي امتداد لعصبية الأمس، وان العصبية القبلية الحاضرة ما هي إلا بقايا العصبية الجاهلية، وهذا ما أكده ايضا عضو هيئة كبار العلماء الشيخ عبدالله بن سليمان المنيع بوصفه العصبية القبلية "فيروس المجتمع البشري" في تقديمه لهذه الدراسة.
البعد البيئي
"سعدون العواجي" كما يقول الراصد لحركة الدراما علي بن حمود السبيعي انه افتقد للبعد البيئي الذي هو أحد محاور العمل الدرامي بحكم أن القائمين عليه من خارج الجزيرة العربية تماما فما بالك بمكان الحدث مما جعل ذلك يبدو واضحا دون مراعاة لأحاسيس الشارع والمشاهد بشكل عام.
وأضاف ان هذا الامر جعل من هذه الأعمال الفنية وسيلة من وسائل زعزعة المجتمعات وإثارة الفتن والبلبلة والعودة إلى مرحلة التناحر والغلو والطبقية التي كانت من أسباب الفرقة بين القبائل. وفتح السبيعي سؤالا بحجم الدهشة وعلامة التعجب "أما حان أن نكتب تاريخنا بأيدينا اذا كان لا بد من طرحه إبداعيا وهو أهون الشرين؟".
الامة والعصبيات
ويرى الأديب عبدالله بن محمد بن خميس في تقديمه للباحث الجريسي إنه لا بقاء للدين ولا بقاء للأمة الواحدة مع هذه العصبيات لذا ومع كون التعصب القبلي خصلة مستمرة في الأمة، لكن بقاءه لا يعني انه أصبح أمرا مقبولا أو واقعا محتوما.
وبعيدا عن القصة الدرامية لمسلسل (سعدون العواجي) أو غيره من الأعمال التي تسارعت قنوات التلفزة إلى شرائها قبل البدء في تصويرها فإن الرابح ماديا كما يقول المخرج مجدي القاضي هي شركات الإنتاج لان العقود التي تتم بين القنوات الفضائية وشركات الإنتاج لا تلزم الشركات بتحمل نفقات الحجب أو عدم العرض.