لأننا متوجهون إلى بلاد النجاشي.. «أصحمة» الملك الصالح الذي استضاف المهاجرين الأوائل ومات وهو على دين الإسلام «رحمه الله».. كان لابد لنا من المرور على قبره والسلام عليه والوقوف على قبر هذا الملك العظيم الذي وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بالصلاح.. وقبل أن نتوجه إلى قبر النجاشي نكمل سرد قصة المهاجرين الأوائل الذين أرسلهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى بلاد الحبشة وإلى ملكها النجاشي في الهجرتين الأولى والثانية.
بالتأكيد وكما قرأنا بأن قريشا لم تسكت وأرسلوا رسولين للنجاشي هما عبدالله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص وكانا من التجار الذين سبق لهم السفر إلى أكسوم وخبروا الأحباش، - وكما جاء في سيرة ابن هشام - وجمعوا له الهدايا ولبطارقته، واجتمع بهم فقالا له: أيها الملك انه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان وسفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت. فاستدعى النجاشي المسلمين وسألهم: ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحد من الملل؟
فانبرى له جعفر بن أبي طالب وأجابه : أيها الملك، كنا قوم جاهلية، ونعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا وبالصلاة والزكاة والصيام".
وعندما سألهم النجاشي عن علاقة دينهم بالنصرانية، قرأ جعفر سورة مريم، فبكى النجاشي وأساقفته معه وقال : إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، ونظر إلى رسولي قريش قائلا: انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكما ولا يُكادون".
تقول المصادر العربية أن هذا النجاشي كان اسمه (أصحمة) ومعناه باللغة العربية (عطية) وجاء اسمه في المعاجم الغربية ( ايللا صحم ella saham ) وجاء في تاريخ الطبري ( 1/1269 ) أن كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي والذي أرسله مع عمرو بن أمية الضمري في شان جعفر بن أبي طالب وأصحابه جاء فيه " بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة..."
الممالك الإسلامية
عموما بعد هذا التاريخ، لم تك الحبشة ضمن الممالك التي وجه لها المسلمون حملاتهم العسكرية إليها، فمن أهم الأسباب قرب عهد المسلمين بالعلاقات الطيبة التي كان للنجاشي فيها فضل مشكور، وهناك اثر ينصح بترك الأحباش وشأنهم" اتركوا الحبشة ما تركوكم".
ويعزى الفضل إلى انتشار الإسلام في الحبشة عبر تاريخ طويل إلى الهجرات المتتابعة للقبائل المسلمة من الجزيرة، وكان للتجار المسلمين أيضا أثرهم الكبير عبر تعاملهم وأخلاقياتهم الإسلامية في جذب الكثيرين نحو الإسلام، فضلا عن إقامة ممالك إسلامية على طول الساحل الغربي للبحر الأحمر، وهذه الممالك بلغت شأوا عظيما، بيد أنها اختلفت فيما بينها، وينقل لنا القلقشندي في كتابه (صبح الأعشى) عن بعض هذه الممالك من مثل مملكة أوفات ويقال لها أيضا جبره والنسبة إليها الجبرتي. وكذلك مملكة ذواروا وهدية وشرخا وبالي وداره، ويقول القلقشندي أن جميع ملوك هذه الممالك وان توارثوها لايستقل منهم بملك إلا من أقامه سلطان أمحرا، وهو نجاشي الحبشة النصراني.
في الطريق إلى النجاشي
في طريقي إلى قرية النجاشي لاحظت أن الأبنية من حجارة صلداء، واخبرني الحاج سلطان أن معظم بنايات إقليم (تجراي) هي من الحجارة وليست من الطوب، وفعلا على طول الطريق رأيت مجموعة من العمال صغار السن، يعملون على تقطيع الصخور، وكان من المواقف الطريفة أنني طلبت من سائق السيارة التوقف لأخذ صورة لهم، إذا بشاب بعدما انتهيت من تصويره يقول ألا تعطينا شيئا من الأجر، جراء تصويرك لنا فأسقط في يدي لأن البرذات الفئات الصغيرة انتهت مني ( الريال السعودي = 2.5 بير أثيوبي) فشيعتهم بابتسامة واعتذار لم يفهموه، وغادرتهم وأنا أحمر خجلا منهم.
وصلنا لمدينة صغيرة في الطريق إلى القرية اسمها (وقرو) وآثر الشيخ سلطان أن نشرب (ماكياتو) وهو عبارة عن شاي مخلوط بنوع من القهوة لا يصبر عليه كثير من الأحباش ، بسبب اعتيادهم عليه، كما نفعل نحن مع الشاي في الحجاز أو القهوة في منطقة نجد.
وطوال الطريق الذي ذكرني بطريق الهدا عبر خط متعرج صعودا، والخضرة الدائمة والممتدة على جانبي الطريق ، جثم عليّ التاريخ وأنا استرجع ما قرأته عن نفر الصحابة الذين جاءوا هذه الأرض هربا بدينهم، وأكبرت أولئك الأفذاذ الذين حافظوا على دينهم.
ووقتما وصلت إلى القرية التي فيها قبر النجاشي عليه السلام، رأيت أبنية غاية في القدم، وشعرت كأنني أعيش تلك الحقبة التاريخية القديمة. وترجلت من السيارة وإذا بي أمام مسجد حديث نوعا ما بناه أحد رجال الأعمال السعوديين الذين يستثمرون في تلك البلاد، وأتى إليّ بعض كبار السن ممن يعملون كحراس للمقبرة، وفتحوا لي بابها لزيارة هذا النجاشي العظيم.
بين يدي النجاشي أصحمة
على باب المقبرة وجدت علم دولة تركيا، وكأنها قامت ببناء المقبرة وتحسينها، وعندما دلفت إلى داخلها وجدت بضعة قبور بالفناء الخارجي في الهواء الطلق، أحدها كان مميزا، وقال لي حراس المقبرة بأنها لصحابي اسمه : (عدي بن عادل العدوي القرشي) كان مع أولئك المهاجرين الأوائل ومات هنا.
قمت بالسلام عليه، والدعاء له بما تعلمته بأصول المدرسة السلفية، وعندما ذهبنا للضريح الكبير وفتح لنا بابه الحراس، وجدت أمامي ثلاثة عشر قبرا، القبر الأول للملك النجاشي والبقية لمهاجرين من الصحابة توفوا هناك. وأخذتني رعشة اهتز لها جسمي من هيبة المكان، وانبعث التاريخ يملأ الأجواء أمامي ، وتوقف الزمن فعلا ، ولكأن شريطا سينمائيا يعرض مشاهد من مواقف الرجل وشهامته، ونصرته لصحابة رسول الله في تلك الفترة القاسية من تاريخ المسلمين، فلم أملك سوى ترديد دعاء انبعث من أعماق أعماقي أن جزاك الله خيرا على ما قدمت للإسلام أيها الملك الصالح. وذهبت في مناجاة حرى للرجل في إحدى اللحظات النوادر التي مرت عليّ في حياتي، فلا أجمل من حكايات التاريخ تراه أمامك يمرّ في لحظات تجل، تحلق فيها الروح إلى سماوات من الشفافية والعبرة والعظة واستحضار الماضي ليكون ماثلا أمام عينيك، وقد غبت عن الزمان والمكان محلقا في تلك العوالم التي تملأ روحك شخوص وأبطال من تتخيلهم. ودعنا النجاشي العظيم ، وعدت بنفسية ملأى بالإيمان والسكينة والراحة، ذلك أن زرت هذا الملك في أول زيارة لأرضه الخضراء.
بالتأكيد وكما قرأنا بأن قريشا لم تسكت وأرسلوا رسولين للنجاشي هما عبدالله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص وكانا من التجار الذين سبق لهم السفر إلى أكسوم وخبروا الأحباش، - وكما جاء في سيرة ابن هشام - وجمعوا له الهدايا ولبطارقته، واجتمع بهم فقالا له: أيها الملك انه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان وسفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت. فاستدعى النجاشي المسلمين وسألهم: ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحد من الملل؟
فانبرى له جعفر بن أبي طالب وأجابه : أيها الملك، كنا قوم جاهلية، ونعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا وبالصلاة والزكاة والصيام".
وعندما سألهم النجاشي عن علاقة دينهم بالنصرانية، قرأ جعفر سورة مريم، فبكى النجاشي وأساقفته معه وقال : إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، ونظر إلى رسولي قريش قائلا: انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكما ولا يُكادون".
تقول المصادر العربية أن هذا النجاشي كان اسمه (أصحمة) ومعناه باللغة العربية (عطية) وجاء اسمه في المعاجم الغربية ( ايللا صحم ella saham ) وجاء في تاريخ الطبري ( 1/1269 ) أن كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي والذي أرسله مع عمرو بن أمية الضمري في شان جعفر بن أبي طالب وأصحابه جاء فيه " بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة..."
الممالك الإسلامية
عموما بعد هذا التاريخ، لم تك الحبشة ضمن الممالك التي وجه لها المسلمون حملاتهم العسكرية إليها، فمن أهم الأسباب قرب عهد المسلمين بالعلاقات الطيبة التي كان للنجاشي فيها فضل مشكور، وهناك اثر ينصح بترك الأحباش وشأنهم" اتركوا الحبشة ما تركوكم".
ويعزى الفضل إلى انتشار الإسلام في الحبشة عبر تاريخ طويل إلى الهجرات المتتابعة للقبائل المسلمة من الجزيرة، وكان للتجار المسلمين أيضا أثرهم الكبير عبر تعاملهم وأخلاقياتهم الإسلامية في جذب الكثيرين نحو الإسلام، فضلا عن إقامة ممالك إسلامية على طول الساحل الغربي للبحر الأحمر، وهذه الممالك بلغت شأوا عظيما، بيد أنها اختلفت فيما بينها، وينقل لنا القلقشندي في كتابه (صبح الأعشى) عن بعض هذه الممالك من مثل مملكة أوفات ويقال لها أيضا جبره والنسبة إليها الجبرتي. وكذلك مملكة ذواروا وهدية وشرخا وبالي وداره، ويقول القلقشندي أن جميع ملوك هذه الممالك وان توارثوها لايستقل منهم بملك إلا من أقامه سلطان أمحرا، وهو نجاشي الحبشة النصراني.
في الطريق إلى النجاشي
في طريقي إلى قرية النجاشي لاحظت أن الأبنية من حجارة صلداء، واخبرني الحاج سلطان أن معظم بنايات إقليم (تجراي) هي من الحجارة وليست من الطوب، وفعلا على طول الطريق رأيت مجموعة من العمال صغار السن، يعملون على تقطيع الصخور، وكان من المواقف الطريفة أنني طلبت من سائق السيارة التوقف لأخذ صورة لهم، إذا بشاب بعدما انتهيت من تصويره يقول ألا تعطينا شيئا من الأجر، جراء تصويرك لنا فأسقط في يدي لأن البرذات الفئات الصغيرة انتهت مني ( الريال السعودي = 2.5 بير أثيوبي) فشيعتهم بابتسامة واعتذار لم يفهموه، وغادرتهم وأنا أحمر خجلا منهم.
وصلنا لمدينة صغيرة في الطريق إلى القرية اسمها (وقرو) وآثر الشيخ سلطان أن نشرب (ماكياتو) وهو عبارة عن شاي مخلوط بنوع من القهوة لا يصبر عليه كثير من الأحباش ، بسبب اعتيادهم عليه، كما نفعل نحن مع الشاي في الحجاز أو القهوة في منطقة نجد.
وطوال الطريق الذي ذكرني بطريق الهدا عبر خط متعرج صعودا، والخضرة الدائمة والممتدة على جانبي الطريق ، جثم عليّ التاريخ وأنا استرجع ما قرأته عن نفر الصحابة الذين جاءوا هذه الأرض هربا بدينهم، وأكبرت أولئك الأفذاذ الذين حافظوا على دينهم.
ووقتما وصلت إلى القرية التي فيها قبر النجاشي عليه السلام، رأيت أبنية غاية في القدم، وشعرت كأنني أعيش تلك الحقبة التاريخية القديمة. وترجلت من السيارة وإذا بي أمام مسجد حديث نوعا ما بناه أحد رجال الأعمال السعوديين الذين يستثمرون في تلك البلاد، وأتى إليّ بعض كبار السن ممن يعملون كحراس للمقبرة، وفتحوا لي بابها لزيارة هذا النجاشي العظيم.
بين يدي النجاشي أصحمة
على باب المقبرة وجدت علم دولة تركيا، وكأنها قامت ببناء المقبرة وتحسينها، وعندما دلفت إلى داخلها وجدت بضعة قبور بالفناء الخارجي في الهواء الطلق، أحدها كان مميزا، وقال لي حراس المقبرة بأنها لصحابي اسمه : (عدي بن عادل العدوي القرشي) كان مع أولئك المهاجرين الأوائل ومات هنا.
قمت بالسلام عليه، والدعاء له بما تعلمته بأصول المدرسة السلفية، وعندما ذهبنا للضريح الكبير وفتح لنا بابه الحراس، وجدت أمامي ثلاثة عشر قبرا، القبر الأول للملك النجاشي والبقية لمهاجرين من الصحابة توفوا هناك. وأخذتني رعشة اهتز لها جسمي من هيبة المكان، وانبعث التاريخ يملأ الأجواء أمامي ، وتوقف الزمن فعلا ، ولكأن شريطا سينمائيا يعرض مشاهد من مواقف الرجل وشهامته، ونصرته لصحابة رسول الله في تلك الفترة القاسية من تاريخ المسلمين، فلم أملك سوى ترديد دعاء انبعث من أعماق أعماقي أن جزاك الله خيرا على ما قدمت للإسلام أيها الملك الصالح. وذهبت في مناجاة حرى للرجل في إحدى اللحظات النوادر التي مرت عليّ في حياتي، فلا أجمل من حكايات التاريخ تراه أمامك يمرّ في لحظات تجل، تحلق فيها الروح إلى سماوات من الشفافية والعبرة والعظة واستحضار الماضي ليكون ماثلا أمام عينيك، وقد غبت عن الزمان والمكان محلقا في تلك العوالم التي تملأ روحك شخوص وأبطال من تتخيلهم. ودعنا النجاشي العظيم ، وعدت بنفسية ملأى بالإيمان والسكينة والراحة، ذلك أن زرت هذا الملك في أول زيارة لأرضه الخضراء.