.. في عام 1366هـ ونحن في طريقنا إلى المدينة المنورة استضافنا على الغداء في جدة الشيخ جميل قمصاني – رحمه الله -.. وبعد الغداء أخذنا مع جميع أفراد العائلة لمشاهدة البحر من ساحة (البنط).. وكان حينها لا يزال سور جدة قائماً.
وفي كتاب (جدة.. حكاية مدينة) يؤرخ سعادة السفير الأستاذ محمد يوسف محمد حسن طرابلسي لمدينة جدة وكيف هدم سورها عام 1367هـ، وقد جاء الكتاب في طبعته الثانية أكثر محتوى بما أضافه إليه الكثير مما تبدى للمؤلف من معلومات لم يتضمنها الكتاب في الطبعة الأولى.
وفي مدخل الكتاب يقول الأستاذ الطرابلسي: لقد كان عام 1367هـ نقطة تحول جذري في كيان مدينة «جدة».. فانطلقت المدينة من سوارها توسعاً ونهوضاً حتى غدت في طليعة مفاخر هذا الكيان الكبير.. فانجذبت إليها أعداد هائلة من القاطنين الجدد الذين عشقوها وانتسبوا إليها تقرباً واعتزازاً فسعدت باحتضانهم، وقد كان من بعض هؤلاء الذين تشرفت بهم جدة اصدارات من الكتب عن «ثغر جدة» الباسم استحق بعضها العرفان والثناء، في حين تكاد غالبية تلك الاصدارات – في رأيي الخاص – دون مقام جدة، فتلمس بها شيئاً من التقمص، بل ذهب البعض منها ليؤرخ عن شخصيات وأعيان جدة في مجرد سير ذاتية لبعض من وفدها حديثاً وحقق فيها شيئاً من النجاح في عالم المال والأعمال، وهذا في حد ذاته يحسب لهم ولا ينتقص من احترامهم والإعجاب بعصاميتهم. ثم يضيف: ومحور كتابي هذا – جدة المدينة والمجتمع – الذي عاش داخل سور المدينة القديمة ومن انحدر من تلك العوائل ممن كونوا نسيج المجتمع الجداوي.. والواقع أن الكثير مما أسرد قد اختفى عن حاضرنا، وبعضه شابه التغيير أو التعديل في الشكل أو المحتوى.. وهذا من سنن الحياة.. لكنه التراث.. يبقى مفخرة الأجيال المتعاقبة لأنه لا يمثل ارث الوجهاء والأعيان، بل ارث المجتمع بكامل أطيافه.. وخلاصة تاريخ عامر بالعلاقات الإنسانية وأواصر القربى والمصاهرة التي تربط كل عوائل جدة داخل السور، والعيش الكريم المشترك الذي أضفى على أهالي جدة صفات مشتركة عرفوا بها.. ولكل مجتمع ثقافته وقيمه وهذا ينعكس كسلوك ونظام حياة.
فالجداوي تتملكه بالكلمة الحلوة الطيبة فيجود بماله ونفسه.. هو في أعماقه شديد الاعتصام بدينه، كثير الاعتداد بنفسه، لكنه يأبى الضيم والخنوع ولا يرتضيه لغيره.
.. واعترافاً لكل من استوطن جدة بعد زوال سورها بدورهم المجيد في اثراء هذه المدينة والمساهمة الفاعلة في نهضتها، فلا غرو أن أبناء جدة هم خير من يختزن تاريخها وتراثها بين أضلعهم باعتبارهم عاشوا وركضوا في حاراتها وأزقتها، يوم كانت كل حارة تكمل جارتها، وكل عائلة فرعاً من الأسرة الواحدة».. والكتاب يؤرخ لأهالي جدة مثلما يؤرخ لحاراتها، فتحية للأستاذ محمد الطرابلسي وشكراً له على اهدائه الكريم.


فاكس: 6671094

aokhayat@yahoo.com


للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم
88548 تبدأ بالرمز 158 مسافة ثم الرسالة