في حفيظة النفوس قديماً ودفتر العائلة حديثاً ومجمل قواعد البيانات للأحوال الشخصية المدنية يسجل أمام المهنة، إمَّا موظف حكومي أو عسكري، ومن يعمل خارج هذين القطاعين تدوَّن مهنته تحت مسمى «متسبِّب» وهذه الكلمة شاملة لمجمل الحِرَف والمِهَن وأعمال التجارة التي تحتاجها المدينة.
والناس تعارفوا على هذا التقسيم المهني، ولا يزال معمولاً به في مجتمعنا، حتى العاطل عن العمل حينما يسأل عن عمله يقول متسبب رفعاً للحرج.
وأول ظهور لكلمة متسبب كان في القرن السادس عشر الميلادي، فلدينا نص تاريخي نقرأ فيه: «في يوم الخميس الرابع من شهر ربيع الثاني عام 934هـ/1518م، عمل سماط لابن قاضي القضاة المالكي في الفازة التي بنيت أمام منزل الزوجة فيه المأمونية السكب والرز الحلو والمشورات وغير ذلك من الأطعمة المفتخرة وحَضَرَهُ القضاة والأعيان من الفقهاء والتجار والمتسببين..» (1) فهذا النص يصنف فئات الناس الى القضاة والفقهاء والتجار والمتسببين، والتصنيف الأخير ليس إلا تصنيفاً ناعماً لمجمل أصحاب المهن التي جاءت على ذكرها رسائل وكتب الفقهاء من مثل الجرسيفي وابن الأخوة وابن عبدون وابن المبرد، ولم يترك هؤلاء مهنة الا ذمُّوها وأن من يمارسها هم من أهل البلايا والعاهات والسوقة، ولا تقبل شهاداتهم، ففي كتاب الصناع نقرأ «.. هناك صنائع مبروكة وأخرى ليست كذلك، وأنحس الطوائف التراسون والكيالون، وبعدهم الجمالون والحمالون والصيارفة والبزادرة والحجامون والمقلشون والرملية، وكره أحمد رحمه الله بياعة الدقيقة..» (2).
وتذكر كتب هؤلاء مدرسي الصبيان، وقد نظر الى مهنتهم نظرة احتقار مع الاعتقاد بسخف عقولهم (3). وهناك أنواع أخرى من المهن المحتقرة يحددها ابن الأخوة المتوفى عام 1329م على الوجه التالي: «الصنائع الرذلة كالحجامة والحياكة والحراسة والقيام في الحمام والزبالين والقصابين والسماكين والمباشرين للنجاسات بأثوابهم». (4)
وقد نظر باحتقار شديد الى الحمائميين، وهم الذين يلعبون بالحمام، فبالنسبة للجرسيفي: «يمنع الحمائميين في الدور لاذا يتهم في التكشف على الناس ورمي الحجارة وافساد أولاد المسلمين». (5)
والموقف من أصحاب هذه المهن لخَّصه ابن الاخوة على الوجه التالي، يقول: إذا حسنت طريقتهم وأزالوا ما عليهم من النجاسات وأتوا بما يلزمهم من الطاعات ففيه ثلاثة أوجه: احدها لا يقبل لأن اختيارهم لهذه الصناعة، مع أن الناس يسترذلونها، دليل على سخف عقولهم، والثاني يقبل لأن الحاجة تدعو الى ذلك... (6)
من هنا نجد أن كلمة متسبب انسلت من رسائل الفقهاء، وعلى لسان أحدهم فوصف أهل المهن والحرف «بالمتسبِّبَة».
والفقيه قديماً حينما يحتقر أهل الطوائف وأرباب المهن والصناعة أو المتسبِّبة فإن مفهوم «الضعة» لديه ليس من خلال إشكالية الغنى والفقر، فأغلب الفقهاء هم من المعوزين، وانما من خلال ما يطال أهل الضعة من الذنوب والمعاصي من جراء ممارستهم لمهنهم، ولما يطال هذه المهن من غش وتدليس. والسبب في ذلك عدم التخصص والاحتراف وبالتالي سيادة النهب المهني والمالي.. كان هذا هو الادراك لمفهوم المهنة في المدينة الاسلامية، والذي يختلف عما هو عليه في المدن الحديثة التي نجد فيها «الخاصية الانقسامية والنفعية في العلاقات الشخصية المؤسس في تعددية المهام التخصصية التي نراها في أكثر صيغها تطوراً في المهن». (7)
وعلى هذا الأساس حينما دشنت كلمة متسبب في فضائنا اللغوي، فإنها دشَّنت مفاهيم الفقهاء حول المهن «الخسيس والنفيس»، ومفهوم المدينة اجمالاً آنذاك.
وفي هذا تكريس للمفهوم التفاضلي في المجتمع، هذا من جهة ومن جهة أخرى تدشين لفضاء مدني لا يخضع لأدوار انقسامية ونفعية في العلاقات الشخصية.
وليس للمهنة والتخصص والاحتراف والاستـحقاق الفـردي قيمة، وانما للعزوة والروابط التاريخية قيمة للتفاضل بين الأفراد. وللنهب المهني وقاموسه اللغوي الشيوع والانتشار، «رزق الهبل على المجانين» و«الرزق يحب الخفّية»... الخ.
وأصبح لكلمة «متسبِّب» ذريَّة من الكلمة، فصرنا نسمع «مطقّق» و«هامور» فبهما تشترى موضوعات الحياة اليومية.
الهوامش:-
* تسعى أمانة جدة الى أن تطبق تجربة انتخابات رئيس طائفة المهن الحرة، إلا أن هناك جدلاً حول هذه الانتخابات، ويتركز الجدل حول بقاء شيخ الطائفة كرمز لحقبة تاريخية مرت بها السعودية، بمعنى آخر عدم تطوير رؤساء الطوائف المهنية ليواكب مفهوم المهنة بالعصر الحديث، وإنما حصرهم في إطار الفلكلور.
* حصرت لجنة الانتخابات بأمانة جدة عدد المهن بـ«40» مهنة، في حين أن عدد المهن في مدينة نيويورك في بداية القرن العشرين بلغ «5000» مهنة.
1- المكي، جار الله بن العز، (1420) كتاب نيل المنى بذيل بلوغ القرى لتكملة اتحاف الورى، تحقيق محمد الهيلة، لا يوجد مكان الطبع، مؤسسة الفرقان للتراث الاسلامي، ج1 ص61.
2- زيادة، خالد، الخسيس والنفيس: الفئات في المدينة الاسلامية (1982) مجلة الفكر العربي، عدد 29، بيروت، معهد الانماء العربي ص154.
3- نفس المصدر ص156
4- نفس المصدر ص156
5- نفس المصدر ص157
6- نفس المصدر ص157
7- ورث، لويس، الحضرية كطريقة حياة (1409): المدينة، ترجمة أبو بكر باقادر وسيد عبدالمعطي، جدة، وكالة تبر للدعاية والنشر والاعلام، ص288.
والناس تعارفوا على هذا التقسيم المهني، ولا يزال معمولاً به في مجتمعنا، حتى العاطل عن العمل حينما يسأل عن عمله يقول متسبب رفعاً للحرج.
وأول ظهور لكلمة متسبب كان في القرن السادس عشر الميلادي، فلدينا نص تاريخي نقرأ فيه: «في يوم الخميس الرابع من شهر ربيع الثاني عام 934هـ/1518م، عمل سماط لابن قاضي القضاة المالكي في الفازة التي بنيت أمام منزل الزوجة فيه المأمونية السكب والرز الحلو والمشورات وغير ذلك من الأطعمة المفتخرة وحَضَرَهُ القضاة والأعيان من الفقهاء والتجار والمتسببين..» (1) فهذا النص يصنف فئات الناس الى القضاة والفقهاء والتجار والمتسببين، والتصنيف الأخير ليس إلا تصنيفاً ناعماً لمجمل أصحاب المهن التي جاءت على ذكرها رسائل وكتب الفقهاء من مثل الجرسيفي وابن الأخوة وابن عبدون وابن المبرد، ولم يترك هؤلاء مهنة الا ذمُّوها وأن من يمارسها هم من أهل البلايا والعاهات والسوقة، ولا تقبل شهاداتهم، ففي كتاب الصناع نقرأ «.. هناك صنائع مبروكة وأخرى ليست كذلك، وأنحس الطوائف التراسون والكيالون، وبعدهم الجمالون والحمالون والصيارفة والبزادرة والحجامون والمقلشون والرملية، وكره أحمد رحمه الله بياعة الدقيقة..» (2).
وتذكر كتب هؤلاء مدرسي الصبيان، وقد نظر الى مهنتهم نظرة احتقار مع الاعتقاد بسخف عقولهم (3). وهناك أنواع أخرى من المهن المحتقرة يحددها ابن الأخوة المتوفى عام 1329م على الوجه التالي: «الصنائع الرذلة كالحجامة والحياكة والحراسة والقيام في الحمام والزبالين والقصابين والسماكين والمباشرين للنجاسات بأثوابهم». (4)
وقد نظر باحتقار شديد الى الحمائميين، وهم الذين يلعبون بالحمام، فبالنسبة للجرسيفي: «يمنع الحمائميين في الدور لاذا يتهم في التكشف على الناس ورمي الحجارة وافساد أولاد المسلمين». (5)
والموقف من أصحاب هذه المهن لخَّصه ابن الاخوة على الوجه التالي، يقول: إذا حسنت طريقتهم وأزالوا ما عليهم من النجاسات وأتوا بما يلزمهم من الطاعات ففيه ثلاثة أوجه: احدها لا يقبل لأن اختيارهم لهذه الصناعة، مع أن الناس يسترذلونها، دليل على سخف عقولهم، والثاني يقبل لأن الحاجة تدعو الى ذلك... (6)
من هنا نجد أن كلمة متسبب انسلت من رسائل الفقهاء، وعلى لسان أحدهم فوصف أهل المهن والحرف «بالمتسبِّبَة».
والفقيه قديماً حينما يحتقر أهل الطوائف وأرباب المهن والصناعة أو المتسبِّبة فإن مفهوم «الضعة» لديه ليس من خلال إشكالية الغنى والفقر، فأغلب الفقهاء هم من المعوزين، وانما من خلال ما يطال أهل الضعة من الذنوب والمعاصي من جراء ممارستهم لمهنهم، ولما يطال هذه المهن من غش وتدليس. والسبب في ذلك عدم التخصص والاحتراف وبالتالي سيادة النهب المهني والمالي.. كان هذا هو الادراك لمفهوم المهنة في المدينة الاسلامية، والذي يختلف عما هو عليه في المدن الحديثة التي نجد فيها «الخاصية الانقسامية والنفعية في العلاقات الشخصية المؤسس في تعددية المهام التخصصية التي نراها في أكثر صيغها تطوراً في المهن». (7)
وعلى هذا الأساس حينما دشنت كلمة متسبب في فضائنا اللغوي، فإنها دشَّنت مفاهيم الفقهاء حول المهن «الخسيس والنفيس»، ومفهوم المدينة اجمالاً آنذاك.
وفي هذا تكريس للمفهوم التفاضلي في المجتمع، هذا من جهة ومن جهة أخرى تدشين لفضاء مدني لا يخضع لأدوار انقسامية ونفعية في العلاقات الشخصية.
وليس للمهنة والتخصص والاحتراف والاستـحقاق الفـردي قيمة، وانما للعزوة والروابط التاريخية قيمة للتفاضل بين الأفراد. وللنهب المهني وقاموسه اللغوي الشيوع والانتشار، «رزق الهبل على المجانين» و«الرزق يحب الخفّية»... الخ.
وأصبح لكلمة «متسبِّب» ذريَّة من الكلمة، فصرنا نسمع «مطقّق» و«هامور» فبهما تشترى موضوعات الحياة اليومية.
الهوامش:-
* تسعى أمانة جدة الى أن تطبق تجربة انتخابات رئيس طائفة المهن الحرة، إلا أن هناك جدلاً حول هذه الانتخابات، ويتركز الجدل حول بقاء شيخ الطائفة كرمز لحقبة تاريخية مرت بها السعودية، بمعنى آخر عدم تطوير رؤساء الطوائف المهنية ليواكب مفهوم المهنة بالعصر الحديث، وإنما حصرهم في إطار الفلكلور.
* حصرت لجنة الانتخابات بأمانة جدة عدد المهن بـ«40» مهنة، في حين أن عدد المهن في مدينة نيويورك في بداية القرن العشرين بلغ «5000» مهنة.
1- المكي، جار الله بن العز، (1420) كتاب نيل المنى بذيل بلوغ القرى لتكملة اتحاف الورى، تحقيق محمد الهيلة، لا يوجد مكان الطبع، مؤسسة الفرقان للتراث الاسلامي، ج1 ص61.
2- زيادة، خالد، الخسيس والنفيس: الفئات في المدينة الاسلامية (1982) مجلة الفكر العربي، عدد 29، بيروت، معهد الانماء العربي ص154.
3- نفس المصدر ص156
4- نفس المصدر ص156
5- نفس المصدر ص157
6- نفس المصدر ص157
7- ورث، لويس، الحضرية كطريقة حياة (1409): المدينة، ترجمة أبو بكر باقادر وسيد عبدالمعطي، جدة، وكالة تبر للدعاية والنشر والاعلام، ص288.