شرعت الجامعات والكليات أبوابها لاستقبال طلبات المتقدمين من الطلاب والطالبات للالتحاق بمختلف التخصصات والأقسام والكليات للعام المقبل، وبدأ الآلاف من خريجي المرحلة الثانوية للعام الماضي والأعوام السابقة رحلة البحث عن مقعد جامعي وبينما تتحقق أحلام الكثيرين يقف آخرون حائرين بسبب إغلاق القبول في تخصصات معينة عند نسب مرتفعة، وينضم عشرات الآلاف من خريجي وخريجات الثانوية ممن ترفض طلبات التحاقهم بالجامعات والكليات إلى طابور العاطلين عن العمل بعد ان تحولت الأزمة الى أزمة تخصصات وليست قبولاً فقط. وفي وقت توقع وزير التعليم العالي الدكتور خالد بن محمد العنقري استيعاب مانسبته (86%) من خريجي الثانوية العامة في الجامعات للعام المقبل، مؤكداً بأن هناك جهوداً مبذولة من الجامعات لاستيعاب اكبر عدد ممكن من خريجي الثانوية العامة سواء في كليات الجامعة او في كليات المجتمع او في البرامج الأخرى التي تنفذها الجامعات لأعداد الطلاب والطالبات وتهيئتهم لمواصلة تعليمهم، فإن القلق لازال يساور العديد من الخريجين والخريجات في إمكانية الحصول على فرصة إكمال مسيرتهم التعليمية في التخصصات التي يرغبونها، وأجمع العديد من الخريجين ممن حصلوا على نسب مرتفعة في التخصصات العلمية على أن المشكلة لاتكمن في الحصول على مقعد جامعي وحسب بل في الالتحاق بالتخصصات التي يرغبونها.
يقول محمد بطي خريج ثانوية "علمي" : الفرحة لم تكتمل بحصولي على نسبة 92% فأمامنا أزمة حقيقية تتمثل في البحث عن مقعد جامعي ضمن الفرص المتاحة للقبول في جامعاتنا والتي لن تستوعب الأعداد الهائلة من خريجي وخريجات الثانوية العامة وفق التخصصات المرغوبة مشيراً بأنه لن يجازف في الالتحاق بأي تخصص مالم يوافق طموحاته وأمنياته المستقبلية.
أما عبد الله علوي خريج المرحلة الثانوية للعام الماضي 1427/ 1428هـ فيقول: لا أستطيع تحمل بقائي دون وظيفة ولا يمكن لأحد أن يضمن مستقبله بدون وظيفة وأنا شاب في مقتبل العمر وأطمح إلى مستقبل يعينني على بناء باقي خطوات حياتي في المجتمع، وأضاف رغم أني حققت نسبة جيدة في الفصل الدراسي الأول بلغت (89%) فأنا أخشى أن لا أجد فرصة للقبول في الجامعة حيث من المؤكد أن النسبة الإجمالية ستنخفض إلى أقل من (85%)، إضافة إلى أن أسرتي لا تستطيع تحمل نفقة الدراسة في جامعة أهلية أو إكمال تعليمي خارج المملكة.
ويروي سلمان الرشيدي خريج الثانوية العامة القسم العلمي بنسبة (87%) مشكلته قائلا: لم تتح لي الفرصة للالتحاق بالجامعة أو أي وظيفة في القطاعات الحكومية أو الخاصة منذ تخرجي العام قبل الماضي فأنا لا زلت أتردد على ديوان الخدمة المدنية أترقب إعلانات الوظائف لبدء مشواري العملي في أي وظيفة متاحة بعد أن طويت مشواري التعليمي عند مستوى الثانوية العامة، وأصبح الحصول على فرصة للقبول في الجامعة أمراً مستبعداً.
كما أن التخصصات النظرية الأدبية لم تعد مشجعة للحصول على فرصة عمل بعد التخرج و قد أخرج في النهاية صفر اليدين من الوظائف لذا أفضل الدخول لميدان العمل مباشرة بدلاً من البحث عن مقعد جامعي قد لا يوفر لي وظيفة.وكشف عدد من الطلاب عن استيائهم من آلية القبول التي تتبعها بعض الجامعات حيث يؤكد أحد الخريجين أن حصول الطالب أو الطالبة على نسبة تجاوز التسعينات في المرحلة الثانوية لم يعد يكفل له الالتحاق بالتخصص الذي يريد وهذا بحد ذاته يزيد من مخاوف الطلاب ، فحينما يحقق الطلبة التفوق ولا توجد لهم مقاعد توافق ميولهم ورغباتهم بحجة الاكتفاء فأين يذهبون.. ومن المسؤول؟!
"عكاظ" طرقت أبواب المسؤولين عن القبول وكان السؤال الأهم الذي طرحناه، ما مصير خريجي الثانوية الذين لن يتم استيعابهم في مختلف التخصصات الجامعية بعد انتهاء "معمعة" القبول وما الحلول المقترحة لعلاج الأزمة أو على الأقل الحد من آثارها السلبية؟
فروع الجامعة
وكيل جامعة طيبة للشؤون التعليمية الدكتور أسامة إسماعيل عبدالعزيز نفى وجود "أزمة قبول" مبيناً أن نسبة القبول في الجامعات السعودية من خريجي وخريجات الثانوية العامة توازي نسب القبول في الجامعات العالمية !! مشيراً بأنه ليس من صالحنا كمجتمع قبول جميع خريجي وخريجات الثانوية العامة في الكليات الجامعية لدراسة التخصصات النظرية ولكن نحن لدينا نقص في طبقة الفنيين المهرة والمعنية بها المعاهد التقنية وكليات التقنية للبنات التي بدأت تخطو خطوات جادة كأحد الحلول لاستيعاب الآلاف من خريجات الثانوية العامة، ومصداقاً لحديثي بعدم وجود أزمة قبول في الجامعات السعودية أن نسبة القبول في كلية الطب بجامعة جازان خلال العام الماضي انخفضت إلى (85%) في حين أغلق باب القبول في كليات الطب في بعض الجامعات الأخرى في المدن الكبرى عند حاجز أكثر من (94%) وبالتالي فالمشكلة تتعلق في الإقبال على المدن الكبيرة، مؤكداً على أهمية إيجاد مشروع وطني يمهد لافتتاح "فرع جامعة" في كل محافظة للتوسع في القبول واستيعاب خريجي وخريجات الثانوية وليس شرطاً أن تتضمن الجامعة مجموعة كبيرة من الكليات والتخصصات الجامعية ولكن يمكن أن يتم البدء بكليتين في المحافظة بشكل مختصر تستوعب خريجي الثانوية وهذا ما بدأت به فعلياً جامعة طيبة هذا العام ما يساهم في تخفيف الأعباء التي تتحملها الجامعات في المدن إضافة إلى النواحي الاقتصادية على أسرة الطالب التي تتحمل عبء تأمين سيارة وسكن ومصروف يغطي فترة الدراسة التي قد تمتد لأكثر من أربع سنوات .
كما طالب بإيجاد الأعداد الكافية من أعضاء هيئة التدريس لإضافة أجواء تعليمية أفضل حيث إننا لن نحصل على الاعتراف العالمي بجامعاتنا مالم نكن مواكبين للنسب العالمية في هذا الشأن مبيناً أن نسبة أعضاء هيئة التدريس إلى أعداد الطلاب في الجامعات هي (31/1) عضو هيئة تدريس لكل واحد وثلاثين طالباً جامعياً.
المظاهر الاجتماعية
وأضاف : من بين المشكلات التي تواجهنا خلال فترة القبول كل عام تتعلق بالطالبات حيث إن شريحة كبيرة من خريجات الثانوية يقبلن الدراسة في كلية المجتمع ويرفضن الدراسة في كلية إعداد المعلمات أو كلية التربية وذلك بسبب "مظاهر اجتماعية" ورغبة العديد من الأسر في أن تكون ابنتهم "طالبة جامعية" وبالتالي يتم إغلاق القبول في الكليات الجامعية بالنسبة للطالبات بالذات عند نسب عالية على عكس الكليات التربوية بسبب هذه النظرة غير الواعية من الطالبة وأسرتها، وأشار وكيل جامعة طيبة بأننا مقبلون على طفرة تنموية خلال السنوات المقبلة ونتمنى أن نشاهد تغيراً في نمط التعليم في المملكة والتركيز على التخصصات التي تواكب سوق العمل حيث قامت جامعة طيبة خلال العام الماضي بإغلاق بعض التخصصات ضمن هذا التوجه.
كما يتطلب الأمر تضافر الجهود ودعم القبول في الجامعات الأهلية فقد قمنا بزيارة عدة جامعات في ماليزيا وكوريا الجنوبية والإمارات واجتمعنا بممثلين من وزارات التعليم العالي بها ووجدنا بأن الجامعات الأهلية لديهم تجد إقبالاً كبيرا ًمن الطلاب والطالبات خريجي الثانوية العامة، إضافة إلى أنهم يمنحون الطالب والطالبة خريج الثانوية قرضاً للدراسة في الجامعة الأهلية "محلياً" يتم سداده على فترة طويلة الأمد تمتد إلى (20) عشرين عاماً وهذه ضمن الحلول المطروحة لضمان حصول جميع الطلاب والطالبات على حقهم في مواصلة تعليمهم، وتجدر الإشارة بأن جامعة طيبة حددت عدد الذين سيتم قبولهم للعام الدراسي المقبل (13.500) طالب وطالبة في مختلف كلياتها ويشمل القبول في البرامج الموحدة للكليات الصحية والعلوم التطبيقية وكليات التربية للبنات وينبع والعلا وكلية المجتمع للبنات بالحناكية إضافة إلى كلية المعلمين في المدينة المنورة.
الاسراع بالتطوير
من جهته طالب البروفيسور عبد الرحيم محمد المغذوي استاذ الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة بتسريع خطوات تطوير التعليم العالي ضمن منظومة مشتركة يشارك فيها رجال الأعمال عن طريق شركات متخصصة في تقنيات التعليم وكذلك تلمس حاجات المجتمع بالتوسع في فروع الجامعات حيث ان بلادنا شاسعة ومترامية الأطراف ونحتاج للتوسع في قنوات التعليم الذي يشكل تحدياً رئيسياً بالنسبة لنا في المستقبل للحاق بركب الدول المتقدمة ونحن مؤهلون لذلك بشرط أن نكون جادين في خطواتنا وصادقين مع أنفسنا وأجيال المستقبل لنحقق أهدافنا بتعليم ذي مستوى عالمي بإذن الله، متسائلاً عن مصير عشرات الآلاف من الطلاب والطالبات الذين لم يتمكنوا من الحصول على مقعد ولا تستطيع أسرهم تحمل أعباء الدراسة في جامعة أهلية.
وأضاف المغذوي قائلاً "للأسف نحن لازلنا نعيش على خطط الثمانينات حين كنا ندرس في المرحلة الجامعية، فأزمة القبول في الجامعات أصبحت تزداد سنة بعد أخرى، حيث لم يتجاوز عدد المتقدمين الذين تم قبولهم خلال العام الماضي نصف خريجي وخريجات الثانوية العامة أما الباقون فمصيرهم مختلف فمنهم من وضع حداً لمسيرته التعليمية، ما ساهم في الحد من فرص القبول بشكل نسبي، وذلك يعني أن عشرات الآلاف من العقول والقدرات والطاقات سيتم هدرها وسوف تتجه مباشرة إلى طابور البطالة .
ويؤكد المغذوي أن واقع التعليم يعد ترجمة لواقع وأهداف المجتمع الحقيقية وهو هدف حقيقي لكل إنسان وصناعة في الوقت نفسه، ومن هذا المنطلق فالتعليم العالي يحتاج لجهود القطاعين الحكومي والخاص وكافة شرائح المجتمع بركب الحضارة العالمية .
وأضاف بأن تدفق الشباب من خريجي الثانوية العامة كل عام في ازدياد مضطرد ولا بد من إيجاد حلول لهذه الظاهرة حتى لا يتراكم الشباب ذكوراً وإناثاً بدون إتاحة فرص إكمال التعليم الجامعي أو التعليم الوسيط.
ويواصل المغذوي: التعليم العالي لدينا مع الأسف يعيش على خطط الثمانينات فبعض الكليات وقفت على تخصصاتها منذ عشرين عاماً دون تغيير، مؤكداً على ضرورة افتتاح فروع للجامعات في المحافظات والقرى لاستيعاب المزيد من الطلاب من الداخل لاسيما بالنسبة للجامعة الإسلامية التي مضى على إنشائها قرابة نصف قرن (50 سنة) ولازالت في نفس مقرها.
وأشار إلى ضرورة قيام الجامعات باستقطاب الطلاب والطالبات خلال المرحلة الثانوية وشرح آليات التعليم الجامعي في كافة المدارس الثانوية في المدن والمحافظات بحيث تتولى هذه المهمة هيئة أو مراكز جامعية مصغرة تعرف الطالب والطالبة بالتخصصات الجامعية وفرص العمل بها ومدى مواءمتها لسوق العمل حيث أن بعض أبنائنا وبناتنا من خريجي الثانوية لايعرفون أسماء الجامعات وبالتالي لابد من تعريفهم بهذه الناحية لاستيعاب وامتصاص الخريجين وتوزيعهم على التخصصات، أما أن يترك الطالب هائماً على وجهه يحمل ملفه ويطرق أبواب أربع أو خمس جهات من جامعات أو كليات عسكرية أو معاهد فهذا غير معقول لاسيما في المناطق ذات الكثافة السكانية، داعياً بأن تتضمن الجامعات قياسا على أزمة القبول فيها، نوعا من الثقافة التي تعطى للطلاب والطالبات والتي تتيح لهم تكوين فكرة واضحة حول الوظائف والمهن المطلوبة في البلاد، وتلك التي من المتوقع أن يحصلوا عليها بعد تخرجهم من الجامعة.
الجامعات الأهلية
كما أشار أن من بين الحلول زيادة عدد الجامعات الأهلية وفق شروط وزارة التعليم العالي لتفادي تدفق كم كبير من الطلاب والطالبات إلى الخارج سواءً دولاً عربية أو غربية لغرض إكمال تعليمهم الجامعي بحجة أنهم لم يجدوا فرصاً مناسبة للتعليم في جامعاتنا فهذا الأمر غير مقبول مقارنة بالإمكانات المادية والبشرية المتاحة لدينا، فذلك قد يؤثر بشكل أو بآخر على سلوكياتهم وهم في سن المرهقة أو أن يكونوا عرضة لجماعات منحرفة عقدياً قد تستغلهم لمصلحتهم، حيث من الضروري الاستفادة من التقنية الحديثة لتعويض هذا النقص ومن ذلك فتح آفاق جديدة للتعليم عن بعد عن طريق الإنترنت والأقراص المدمجة.
من جهته أكد عميد الخدمات التعليمية بجامعة طيبة وعضو هيئة التدريس بقسم اللغة الإنجليزية بالجامعة الدكتور هاشم حمزة نور أنه ليس من المفروض أن كل من يتخرج من الثانوية يلتحق بالجامعة، حيث إننا لا زلنا نغفل عن حاجتنا المتزايدة للوظائف المهنية غير النظرية وبالأخص التخصصات التقنية والحرفية.
وأضاف نور : للأسف أن ما يقارب 75% من المؤسسات التعليمية والدوائر الحكومية ترفض توظيف خريجي التخصصات التقنية من خريجي كلية التقنية وتقوم بالتعاقد مع شركات متخصصة وهذه الشركات تحضر وافدين للقيام بأعمال تنفيذ الشبكات في الجامعات ولا تتاح الفرصة لخريجي هذا التخصص من الشباب السعوديين ما أوجد نظرة سلبية تجاه هذه التخصصات وأنها حكراً على الأجانب ومجالات التوظيف فيها غير متاحة بشكل كبير.
كما طالب بإيجاد آلية تلزم الجامعات والكليات ومؤسسات التعلم العالي والجهات الحكومية بتوظيف السعوديين من خريجي التخصصات المهنية وتقنية الحاسب الآلي والشبكات بدلاً من التعاقد مع شركات بمبالغ باهظة، وأن يتم تدريب هؤلاء الخريجين على نفقة الجامعة للرقي بمستواهم إلى الأفضل وهذا الأمر يتيح فرص عمل إضافية للخريجين ويخفف العبء على الجامعات خلال عملية القبول عن طريق توجه الكثير من خريجي الثانوية إلى التخصصات التقنية في كليات التقنية في حال توفر فرص عمل بعد التخرج. وأضاف نور : ولو أدخلنا عشرات الآلاف من خريجي الثانوية في الجامعات والكليات لأصبح لدينا "بطالة ما بعد الجامعة" بدلاً من بطالة ما بعد الثانوية من خريجي التخصصات النظرية.
الوعي مطلوب
وأضاف نور: لابد من وجود وعي وتقبل في المجتمع للتخصصات المهنية الحرفية وعدم الاقتصار على التخصصات الجامعية، وقد بدأ هذا الوعي فعلياً بتقبل المجتمع بشكل عام لاختبار القدرات، كما أشار إلى ضرورة التفكير في المناهج الثانوية وإعادة النظر في تقسيم المرحلة الثانوية إلى قسمين علمي وشرعي.
معتبراً ذلك من الأخطاء الفادحة التي غفلنا عنها لسنوات طويلة، وأضاف بأن هناك العديد من التجارب في دول متقدمة يمكننا الاستفادة منها وتطبيقها.
وطالب نور بضرورة دعم الملتحقين بالتخصصات المهنية في الكلية التقنية والمعاهد المهنية والتخصصات المهنية في الجامعات والكليات، مشيراً إلى أن هؤلاء الطلاب الذين التحقوا بالتخصصات المهنية واجهوا ضغوطاً من المجتمع حيث الكثير من الوقائع تبين عدم تقبل المجتمع لخريج التخصصات المهنية وعدم توفير الوظيفة الملائمة له رغم الحاجة الملحة التي تتطلبها العديد من المجالات للوظائف المهنية بما فيها الوظائف الفندقية والوظائف المتعلقة بصيانة السيارات وأعمال الحدادة والنجارة والكهرباء وغيرها من التخصصات التي توفر للخريج فرصاً وظيفية ومردوداً مادياً يفوق ما تتيحه العديد من التخصصات النظرية في الجامعات.