بعد رحلة طويلة مع السفر والترحال، والبحث والدراسة والترجمة والتأليف، والمحاضرات والمناظرات المحتدمة، ومسيرة مرهقة، ترجّل الفارس، وأغمد سيفه ورمحه، ومات عبد الوهاب المسيري .. صاحب مشروع فكري كرس حياته من أجله، ووهب له نفسه وجهده لإنجازه على النحو الذي رأيناه (موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية)! مات ابن "دمنهور" (1938-2008م) أشهر مدينة تجارية وصناعية بالوجه البحري، المكتظة بالتجار والإقطاعيين، والمليئة بالثنائيات أو الأضداد، والتي أثّرت في رؤيته للأشياء، فجعلته قادراً على التحرك في عالم الحداثة، والنظر إليها بنظرة نقدية رافضة .. وقد كان "المسيري" ابن رجل رأسمالي بحت، بينما كانت والدته اشتراكية تؤمن بالمساواة والعدل المطْلَقيْن، فكانت لا تفرق بين أبنائها وبين الخدم إلا في أماكن النوم! وقد عمل "المسيري" لمدة 6 سنوات أستاذاً بجامعة الملك سعود بالرياض، يقول عن هذه الفترة: "في رأيي أن هذه السنوات الست التي قضيتها هناك كانت –بحق– أسعد سنوات حياتي على جميع المستويات، فقد طورت فيها نماذجي المعرفية والتحليلية، وحدث تفاعل فكري مع زملائي من السعوديين بشكل لم يحدث في حياتي من قبل، ولن يحدث فيما بعد، علاوة على أن جامعة الملك سعود احتضنتني تماماً حيث خصصوا لي قاعة بالبحث في المكتبة وغرفة خاصة بي، ووفروا لي كل المراجع التي أحتاجها، مما كان سبباً رئيسياً في خروج الموسوعة إلى النور .. ومن حسنات جامعة الملك سعود أنني حققت فيها حلمي كباحث ومفكر، أتيح له مناخ فكري وثقافي جاد دون التفكير في أية أعباء اقتصادية حيث توافرت كل الامكانات البحثية، بالإضافة إلى إقامتي في مدينة من أجمل مدن العالم ألا وهي "الرياض" بسحرها وجمال طبيعتها وهدوئها، كما أنها جمعتني بصداقات حميمة لا أنساها أبداً، أمثال الدكتور/ منصور الحازمي، ود. علي جاد، والدكتور سعيد الخطاب، وغيرهم من الزملاء الأجلاء".
وكان المسيري عازفاً عن تجمعات ومنتديات المثقفين، بل عزف عن حضور الندوات والمؤتمرات في السنوات الأخيرة- وفي ذلك يقول: "يبهرني نموذج "جمال حمدان" العبقري والذي تفوق كتاباته ما تنتجه جامعاتنا المصرية، وأنا شخصياً لولا زواجي لعشت عزلة الدكتور حمدان، فأنا لا أرى فائدة كبيرة على المستوى الثقافي والفكري من تجمعات المثقفين التي تتسم بالشللية وحب الذات والانشغال بتفاهات وتفاصيل لا تهمني ناهيك عن روح الحقد والكراهية والمعارك الشخصية التي تحكم هذه التجمعات، وأنا شخصياً أرى أن هدفي من ذلك أن ورائي مشروع فكري يحتاج إلى جهد متواصل ومكثف لذلك لا أجد وقتا لهذه التجمعات".
وبالرغم من كل المؤلفات التي تناولت الصراع العربي- الإسرائيلي، إلا أن مؤلفات الدكتور المسيري تظل الأبرز في هذا المجال، وعلى رأسها (موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية) والتي يقول عنها: "أثناء تأليفي لهذه الموسوعة، تلقيت عشرات التهديدات المباشرة والصريحة بالقتل من قبل منظمة "كاهانا" الصهيونية، وما زلت أحتفظ بأصول هذه الخطابات وكانت كلها تهديداً مباشراً بقتلي إذا واصلت الكتابة ضد الصهيونية وإنجاز الموسوعة، لكن هذه التهديدات لم تؤثر في شيء بالنسبة لعملي ومشروعي، وخرجت الموسوعة للنور بعد 25 عاماً من الجهد المتواصل وحققت أهدافها في فتح المزاعم الصهيونية والأكاذيب التي ترويها آلة الدعاية الصهيونية".
ومن المؤلفات الجادة للدكتور المسيري موسوعته الأخيرة "العلمانية الجزئية" و"العلمانية الشاملة" .
أما كتابه (رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمرة) فهو سيرة شبه ذاتية، تتضمن رحلته الفكرية بدءاً من ميلاده، وتتناول هذه السيرة أيضاً انفصاله التام عن أسرته في البحيرة، والحيرة العقلية التي وصلت به إلى الإيمان العميق المتحمس للماركسية في الستينات، ويتضمن هذا الكتاب أيضاً رحلته مع عالم الموسوعات الشاق.
ولعل عشق الدكتور المسيري للطفولة جعله يكتب للأطفال، فكتب مجموعة قصصية من 30 قصة، وله ديوان شعر للأطفال بعنوان "أغنيتي للأشياء الجميلة" حصل به على جائزة سوزان مبارك في أدب الطفل عام 1998م.
كما أن له مؤلفات أخرى في الحضارة الغربية والحضارة الأمريكية مثل: "الفردوس الأرضي"، "الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان"، "الحداثة وما بعد الحداثة"، "دراسات معرفية في الحداثة الغربية"، ودراسات لغوية وأدبية من أهمها: "اللغة والمجاز: بين التوحيد ووحدة الوجود"، كما صدر له ديوان شعر بعنوان "أغاني الخبرة والحيرة والبراءة: سيرة شعرية".