كنت مرة أتحدث مع أصدقاء من أدباء البحرين.. وجاء ذكر الأستاذ محمد العلي فقلت (لو كان في مكان آخر لكان شيئاً آخر).. أتذكر ذلك والصديق هاشم الجحدلي يلح عليّ بكتابة شهادة عن (أبي عادل).. قلت له لن استطيع ان اعطي عمنا (الضخم) حقه – وتعبير (الضخم) لمحمد العلي عندما يتحدث عن المتنبي لا بأس . عام 1391هـ قدمت من الرياض بعد اكمال معهد المعلمين الثانوي، معينا معلماً في الدمام.. باشرت في مدرسة حسان بن ثابت الابتدائية، وكان مديرها الصديق المعلق الرياضي صديق جمال الليل، وكان مشرفاً على الملحق الرياضي بالجريدة.. وهكذاكنت اطلع على الاعداد الصادرة.. وبالتالي اعطيت الاستاذ صديق اول قصة كتبتها وانا في السنة الثانية المتوسطة عام 1386هـ ليسلمها للاستاذ محمد العلي المشرف على الملحق الأدبي. كنت اطمح برأي أو تعليق. نشرها العلي في الملحق.. وطلب مقابلتي.. كان مديراً للاختبارات في ادارة التعليم. ذهبت اليه برفقة صديق من قرية الملاحة اسمه عتيق المسجن.. لا أذكر ما دار من حديث، لكنني مازلت احتفظ بانطباعي الاول عن انه رجل فريد ومختلف.
انضممت في نفس العام (1391هـ) مصححاً لغوياً متعاوناً مع جريدة اليوم، كان رئيس تحريرها صديقنا الاستاذ خليل الفزيع. جريدة اليوم كانت تصدر بحجم صغير ثلاث مرات في الاسبوع، كان العمال يصفون المواد التحريرية بالرصاص على مكائن الانترتيب والليونيتب. العمل مرهق، وانتظار الصفحات يطول، والمكافأة الشهرية ثلاثمئة ريال. في الاجازات كنا نخرج صباحاً الى مطعم سكة الحديد لنفطر على (فول) بعد اخراج العدد.
ما كان مهماً هو جو ادارة التحرير المسائي، حيث يحضر محمد العلي وعبدالكريم السبعاوي (مدير المطابع – شاعر فلسطيني- المرحوم الشاعر الفلسطيني محمد القيسي- الشاعر علي الدميني- وكان طالباً في جامعة البترول- جار الله الحميد احياناً- اضافة للاستاذ خليل الفزيع، ومحمد الصويغ وشاكر الشيخ وآخرون). كانت النقاشات مستمرة.. وكنت اصغي وأتساءل عن اسماء الكتب والكتاب والمعاني واللغة الحديثة الغريبة التي لا استطيع مجاراتها. بدأت اكتب وانشر في الجريدة.. قصصاً.. مقالات.. زوايا.. وكانت علاقتي بالاستاذ محمد العلي تتنامى. كان قريباً وناصحاً لي ولكثير من الشباب آنذاك.
رحلة البصرة
عام 1393هـ -كما أظن- سافرت انا ومحمد العلي وعلي الدميني والشاعر الشعبي ابراهيم الغدير، الى البصرة حيث كان العلي مدعواً من اصدقائه لحضور حفل في جامعتها. كانت رحلة بالسيارة عن طريق الكويت استمرت ثلاثة ايام، وكانت هذه الرحلة حاسمة في التقريب بيننا نحن الاربعة.. واعتقد ان الصديق الدميني قد كتب بعدها قصيدته (السفر وثلاث ليال في ضيافة النهر) وكانت –الرحلة- بالنسبة له حاسمة ايضاً على اطار التفكير والقناعات.
في السنوات التالية توطدت علاقتي مع استاذنا الكبير محمد العلي من حيث القراءات والنقاش وتبادل الكتب.
في عام 1398هـ نقلت وظيفتي الى حائل لأكون مع والدي ولأتفرغ لآخر سنة دراسية في الجامعة.. ذات يوم عدت ضحى واذا بالصديق علي الدميني يجلس مع والدي في بيتنا في قريتي (قصر العشروات) بحائل، ويتحدثان بين فناجين القهوة والتمر. قال علي:
- محمد العلي تعين رئيساً لتحرير جريدة اليوم ونريدك ان تكون مديراً للتحرير.
- لكن يا علي عملي ودراستي وأهلي..؟
في النهاية ذهبنا من الغد الى مدير التعليم بالمنطقة وشرحنا له الوضع فرحب وقال انه يشجع الشباب ومع الصحافة والصحفيين وشرف له وللإدارة.
- والمطلوب سعادة المدير العام؟
- ابداً خطاب منك (مني) ونحن سنكمل اجراءات الاعارة.
ذهبت من حائل الى الدمام.. (بعد اربعة اشهر جاءني خطاب من ادارة تعليم حائل بطي قيدي لانقطاعي عن العمل مدة خمسة عشر يوماً متواصلة)!!.. في الدمام باشرت عملي كمدير متفرغ للتحرير برئاسة استاذنا الكبير محمد العلي.. كان العلي رائعاً في ادارته وتعامله مع الجميع حتى اننا كنا نتمنى لو طال وقت بقائنا في الجريدة.
أحرجته
كانت لدى التحرير احتياجات محددة، وقد عهد إلي الأستاذ رئيس التحرير تولي مخاطبة مدير الادارة (م.خ. لم يكن هذا مهتماً بأمورنا) أخذ الأستاذ محمد العلي اجازته، وعهد إلي برئاسة التحرير بالنيابة بعد موافقة وزارة الاعلام. جاء رمضان. وبدأت اجازة العيد، كان اغلب بل جميع المحررين –عدا واحدا متعاونين مع الجريدة. طالبوا ان تدفع لهم الجريدة مقابلاً لبقائهم ووافقت. رفض مدير الادارة، ولم يكن امامي غير ترك الخيار لهم. فاختاروا التمتع باجازاتهم. ووقعنا في اشكال: من اين نوفر مادة للتحرير تتوازى مع الاعلان (موسم اعلانات وتهاني العيد) قلصنا عدد الصفحات الى اثنتي عشرة صفحة، ثم الى ثماني صفحات، ثم الى اربع صفحات في اليوم الثالث. وجن جنون المدير العام ومدير الادارة وفوجئت بثلاثة يأتون الى شقتي –في رمضان- سلموني خطاب فصلي، وطلبوا مني تسليم رئاسة التحرير.. تم ذلك مساء حيث سلمت مكتب التحرير الى الاستاذ عمر الغامدي من وزارة الاعلام وغادرت مبنى الجريدة. آسفاً على انني ربما سببت احراجاً لاستاذي محمد العلي. كان هذا عام 1399هـ.
الشاعر والانسان محمد العلي، لا تمل جلسته، دائم الابتسامة، يجلجل بضحكة كبيرة عندما يسمع طرفة او كلاماً مختلفاً. وكثيراً ما كنا نجاور الشاطئ في جلسة سمر هادئة.. يلتفت الى البحر المدلهم ويرفع صوتاً حزيناً مغنياً قصائد طويلة.. كنا نهرع لإسكات اغاني فيروز لنسمع صدى حزنه وهو يبثه في الفضاء وكأنه يبحث عن (الذي لم يفق بعد في النخل).. نلتفت وسط الليل باحثين عن حلم قريب.. حتى يأذن الضوء بالمجيء.
محمد العلي شاعر وناقد ومفكر يمتلك رؤيا واضحة.. لكنه لم يعط جزءاً بسيطاً من حقه. فلو كان في مكان آخر، لكان شيئاً آخر.