قبل سنوات أثار مأذون شرعي قضية هامة بتبني ما أطلق عليه وقتها.. الزواج بالتقسيط، وبرر الفكرة بأن غلاء المهور التي تصل الى ما يزيد عن 70 ألف ريال باتت ترهق الشباب الذين لا تزيد رواتبهم عن 1500 ريال. بعد أربعة أعوام من تصورات المأذون وارتفاع التضخم في المملكة بنسبة تصل الى 12% فإن تكاليف الزواج باتت تصل الى ضعف الأرقام المحددة في عام 1425، وأصبحت أرقام 150 او 200 ألف ريال معدلا منطقيا لمثل هذا المشروع، الامر الذي يجعل الشباب في حل من الزواج، بمبررات ضيق الحال. ويهرب الكثير من الشباب الى خارج البلاد للزواج من أجنبيات بحجة غلاء المهور، الامر الذي يضع العديد من علامات الاستفهام حول المدى الحقيقي للمشكلة. وتكشف البيانات الاولية لبعض الاحصائيات شبه الرسمية ان ثلث نساء المملكة عوانس، عطفا على تعداد 1421 هـ الذي أشار إلى أن اجمالي عدد الاناث في المملكة يصل إلى 4.330.737 فيما عدد اللاتي لم يسبق لهن الزواج يصل الى نحو 1.513.127 فتاة.
تلك الحقيقة رغم انها تعد مشكلة حقيقية الا انها تتضخم اذا ما اخذ في الاعتبار ان تعداد 1425 هـ يشير الى ارتفاع اجمالى عدد الاناث الى 8,243,640 مما يعني ارتفاع عدد العوانس.
العوانس والمهور
وتبقى قضية العوانس مرتبطة بشكل جوهري بغلاء المهور.. تلك القضية الشائكة والتي طالما استفحلت في المجتمع، بالرغم من دعاوى الكثير من العقلاء من علماء وأصحاب فضيلة وخطباء وشيوخ قبائل ووجهاء لحث المجتمع على تخفيض المهور، وتوعية أولياء الأمور بتجنب المغالاة، وعدم عضل بناتهم. إذا كان عذر الهاربين الى الخارج للزواج الشرعي او بالمسيار وغيره من الانواع الاخرى.. يفتح الباب على مصراعيه أمام وضع الحلول لقضية غلاء المهور فإن الضرورة تقتضي خلال فترة الصيف التي عادة تشهد المزيد من الزواجات.. نبش القضية علنا نتوصل الى حل يجعل كثيراً من العوانس اليوم قبل الغد في قائمة اعراس الموسم الحالى.
زواج القدامى
لم يكن غلاء المهور اشكالية ولدتها ظروف اليوم فقط، كما لم تكن صعوبة الزواج من مخلفات العصر الحالي ، اذ انها قضية تعود الى عصر البداوة او ما يعرف بزواجات البعير والناقة - إن صح التعبير - حيث كان مهر العروس يقدر بعدد من رؤوس الاغنام او النياق.. ومع ان الاعراف آنذاك قضت بأن يكون التباهي بعدد رؤوس البهائم، الا انها نجحت في ابتكار عدة تسهيلات منها الشرهة التى كان يدعم بها آباء الفتيات خطاب بناتهم ، بالاضافة الى الزواج بالتقسيط من خلال السماح للشبان بالزواج بأي عدد من الرؤوس تتوفر لديه، على ان يسدد بقية المهر ( حين ميسرة )، الا أن هذه التسهيلات مرتبطة بأن تبقى الفتاة قيد ( الحبس المنزلي ) لدى اسرتها حتى يكمل العريس المهر وقد يمتد الامر الى عدة أعوام.
مهر الناقة والبعير
جابر علي القحطاني من سكان تهامة شهران عاش طفولته مع أقرانه في رعي المواشي إلى ان بلغ عمره عشر سنوات، رعى الإبل والغنم مثل اي شاب عاش في حياة البداوة، وعندما أصبح عمره( 18) عاما قرر والده تزويجه، فكان مهر زوجته وقتها ( ناقة وبعيرا ) .. ولانه لا يملك كل المهر اضطر بأن يقبل بفكرة الزواج بالتقسيط، فأبقى عروسه في بيت أهلها، وله كما يصف (شق) في بيت اهلها للمنام، ومع تأخر سداده المهر انجب الابناء فاقتسمهم بينه والزوجة، واصبح النصف يساعده، والنصف الاخر يقوم بمساعدة امه واهلها في كافة الامور.
يقول كانت الشروط في حياة البدو أن تبقى الزوجة في بيت والدها من اجل خدمته في رعي الغنم والابل وهذه عادة امتدت الى اليوم، وان اخذت شكلا اخر من خلال ما يعرف بالعضل، فالاب يفضل الا تتزوج ابنته حتى لا يحرم من دخلها خاصة اذا كانت معلمة او خلافه.
150 رأسا
أما عيسى علي الشهراني من أهالي تهامة شهران بوادي ( الجهيفة ) فخاض تجربته الثانية في الزواج بعقد قرانه وزفافه على كريمة إحدى الأسر، ووسط بساطة غير معهودة تم الزواج في قرية ( الجهيفة ) ، بعدما قدم العريس 150 رأسا من الماعز مهرا لعروسه.. وقال أعتبر المهر هدية من والد زوجتي ( عمه ) لانه استثناني كثيرا وخفض المهر بما أستطيع تقديمه.
الزواج بالتقسيط
محمد علي الشهراني من أهالي تهامة شهران يعتبر زواج قبيلته الاسهل والابسط لانه في الامكان جدا أن يتم الزواج بالتقسيط، فمن لديه الرغبة في الزواج يتقدم لأهل العروس مهما كانت إمكاناته المادية، وباستطاعته أن يدفع ما لديه وإتمام الزواج على أن يدفع الباقي بالتقسيط، ويمكن أيضا أن يدفع العريس المهر عينيا في شكل أغنام ، والهدف من ذلك تيسير الزواج وتشجيعا للشباب الراغب في إكمال نصف دينه .
الدخلة في بيت العروس
ويضيف عيسى صالح مشعوف الشهراني عن عادات الزواج في تهامة عسير وشهران وقحطان على سبيل المثال أن الزوج يمكن أن يتزوج ويدفع جزءا من المهر ويدخل بعروسه، ولكن تبقى العروس مقيمة في بيت أهلها، وتخصص العائلة لابنتهم غرفة لها مع زوجها طيلة فترة اقامتهما عندهم، وبعد تسديد كامل المهر يكون من حق زوجها أن يأخذها إلى قريته في بيت الزوجية الجديد، وربما يرزق الزوج بأكثر من (5) أبناء وزوجته لاتزال عند أهلها.
وقال جرت العادة بيننا على مساعدة الراغب في الزواج بشتى الطرق، والزواج بالتقسيط أحد الوسائل، ومن الوسائل الأخرى مبادرة الأهالي بمساعدة المتعثر في سداد دينه، ويتم ذلك بأن يتبرع كل من في القرية بما يتيسر له من الماعز حتى يتمكن الزوج من إتمام زواجه وأخذ زوجته إلى قريته،
ويضرب مثلا بأحد أبناء المنطقة رزق بـخمسة أطفال قبل أن تنضم زوجته إلى بيت أهله في القرية، وأشار إلى أن بعض الآباء ربما يتنازل عن بقية المهر إذا التمس في زوج ابنته الاستقامة.
عضل الفتيات
ويروي مسعود بن علي القحطاني من الربوعة على حدود المملكة مع اليمن قصة فتاة مرت بتجربة العضل من اجل رعي الغنم، ويقول كانت تبلغ من العمر (39 سنة) تعيش مثل اخواتها الثلاث عوانس منذ فترة طويلة، واكتشفنا ان والدهم الذي نحبه ونقدره ونمنحه الثقة الكبيرة رفض زواجهم إلا بشروط تعجيزية، لانه يطمع في قيامهن برعي الأغنام والإبل، لهذا رفض تزويجهن، ويريد بقاءهن في بيته حتي آخر يوم في حياته وبمواجهته لم ينكر، وقال إنه تعب عليهن وصرف الكثير من المال ولهذا يجب أن يكون حصاد خدمتهن له.. ولن يسمح لأحد دخول منزله لغرض إقناعه ومطالبته بتزويجهن .. إلا بشروطه المتمثلة في ( 500 ) ألف ريال وصالون آخر موديل.
نظرة القبيلة
ويشير العم فلاح محمد الشهراني عن المعاناة في الزواج في بلاد قحطان وشهران من دفع المهر التعجيزي من ( غنم وسيارات ومبالغ مالية ) تفوق قدرة الكثير من الشباب والفتيات، ويقول هناك من وصلت الى سن الأربعين ولم تعد تشعر بالرغبة في الزواج لأنها فقدت الأمل في أن يتقدم لخطبتها أحد وحتى إن تقدم أحد فإن ولي أمرها يصر على تزويجها بمن هو كفؤ لنسبه وقبيلته، ويرفض كالعادة تقبل فكرة زواجها من غير القبيلة، لأنه يخشي نظرة أفراد القبيلة له، على الرغم من علمه أن لا شاب في القبيلة يمكنه الزواج بشروطه.
عروس بالمزاد ..!!
ويكشف العم جبران مطمس بتهامة شهران ان غلاء المهور والمزايدة فجرت قصة مؤلمة حيث تقدم اربعيني لخطبة فتاة في الثامنة عشرة من عمرها عرفت بجمالها في المنطقة، فاشترط والدها مهراً وقدره ( 000، 80 ) ريال، فأعطاه العريس ما أراد فلما سمع ثري بحسنها ذهب يخطبها ويزيد في المهر حتى وصل( 000، 100 ) ريال، فعاد العريس الاول فزاد ( 000، 120 ) فزاد الثري الى ( 000، 150 ) فضلاً عن السيارة والمشتريات الاخرى من ذهب واشياء اخرى ففاز بها وهو في الخمسين من عمره.
تقاليد عمياء
الشاب عبدالله ال فائع يرى ان من أهم أسباب عزوفي وعزوف الكثير من شباب تهامة عن الزواج المتطلبات المادية في ( المهر ) والتزامات اجتماعية في ظل محدودية دخل الشباب في بداية عمله الوظيفي.
ويقول الشاب مفرح علي القحطاني انه على الجانب الآخر من الزواج هناك ارتفاع كبير في متطلبات الدخول في الزواج ( مائة وخمسون الف ريال وصالون اخر موديل ولأمها عشرين الف ريال وخالتها خمسة آلاف ريال) .
يبرر صالح محمد القحطاني عزوفه عن الزواج بسبب عادات القبيلة وتقاليدها، وتعجيز الشباب في طلبات لا طاقة لهم بها، وقال الحال تغير وينبغي أن يعيد المجتمع النظر، حيث إن البنات متكدسات في المنازل وينتظرن الزواج بفارغ الصبر.
وناشد أفراد المجتمع ان ييسروا أمور الزواج حتى تتحقق للجميع السعادة .. وان يبتعدوا عن التقاليد العمياء التي أكل الزمن وشرب عليها، ويكفي أن يكون الشاب ذا دين وخلق لأن هذا المسلك سيضمن بإذن الله الحرص على حفظ أعراض الناس والعيش بسلام.
احصائيات العوانس
وكشفت دراسة مَسْحيّة حديثة أن نسبة العنوسة في المجتمع وصلت إلى أكثر من مليون ونصف المليون عانس خلال الفترة الأخيرة.
وأشارت الدراسة إلى أن عدد الفتيات اللواتي لم يتزوجن، وبلغن سن الزواج يزيد عددهن (1.529.418) فتاة في مختلف المدن، وقد احتلت مدينة مكة المكرمة النسبة الكبرى بوجود (396248) فتاة، ثم منطقة الرياض بوجود(327427) فتاة، وفي المنطقة الشرقية (228093) فتاة، ثم المنطقة الشمالية ووصل عدد العوانس فيها إلى (159.392)، بينما وصل مجموع العوانس في المنطقة الجنوبية من السعودية إلى(311199) ألف عانس.
وأوضحت الدراسة أن عدد الفتيات المتزوجات في المملكة بلغ مليونين و(638) ألفاً و(574) امرأة، من مجموع عدد الإناث البالغ أربعة ملايين و(572) ألفاً و(231) أنثى.