اطلعت على أحد جداول أخي العزيز حمد القاضي حول اشتراطه للحصول على اعلام باسم أن يكون المجتمع المحلي والدولي باسمين. ولقد شدني هذا الطرح الذي خطه يراع الأديب المؤدب الخلوق المتفائل. فسألته هل: ترى ذلك ممكنا؟
فكان جوابه: لم لا؟. عندئذ تبادر الى ذهني فوراً المثل المصري: (عشم إبليس بالجنّة). فما كان منه الا أن ضحك وصفق بيديه: عنوان مناسب لتوضيح وجهة نظرك فلماذا لا تتناول هذا الموضوع بأحد مقالاتك "الجامدة”؟
أما المثل فانه يعني حسبما فهمته أن إبليس مصيره النار قطعاً ولن يجد سبيلا لغيرها حسبما نص على ذلك القرآن "اخرج منها فإنك رجيم وان عليك لعنتي إلى يوم الدين”. ومن ثم فإن بعض المواقف (لدى قائل المثل الأول) ان ما يتمناه المتحدث ضرب من المستحيل.
وأما العلاقة بين وجود اعلام باسم ومعنى المثل المذكور فإن ذلك يعود الى ان الإعلام -بصفة عامة- يميل الى الاثارة سواء كانت اثارة عاطفية أو نفسية أو غير ذلك. بمعنى ان المتلقي (في نظر الاعلاميين) لا يجذبه إلا ماخالف العرف, أو استفز العواطف, أو استثار الغرائز. ولذلك نسب الى أحد رواد الإعلام, الغربيين جملة شهيرة تقول: "اذا عض الكلب رجلاً فإن ذلك ليس الخبر وإنما الخبر أن يعض الرجل الكلب”.
وتفسير هذه المقولة: ان التصرف غير المألوف كأن يعض الرجل كلبا سيجعل المتلقي يتساءل: لماذا هذا التصرف؟ فالعض من صفات الكلاب وليس من صفات الآدميين ولذلك فإن الحدث سيثير انتباه المتلقي ويبدأ تناقل الخبر وتفسيراته.
ولو فرضنا أن الله يسر لهذا العالم أن يعيش حياة باسمة (وهذا مستحيل) فإن المتلقي لن يبحث عن الوسيلة الإعلامية لأنه سيجد فيها تهاني وتبريكاً واشادة بهذا أو تلك بما قدمه للآخرين أو دفعه عنهم.
ولقد علمنا أن إبليس (لعنه الله) قد تعهد بأن يضل الآدميين الا من عصمهم الله من شراك هذا العدو الذي قال: (فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) حيث قال الله عز وجل: (لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين).
ولهذا فإن الأخوة المصريين يرون ان تمنى المستحيل يعد ضربا من ضروب الخروج على حتمية المصير.
لذا فإنني أقول لأبي بدر إن أمنيتك بالحصول على عالم متفاهم متعاون لن يحدث لاختلاف الآراء والأهواء,وتباين القلوب, وتعدد الأطماع, مما تمليه الرغبات المعقول منها, وغير المعقول. ويكفي ان تنظر حولك لترى كيف يتقاتل الأخوة والعدو يتربص بهم الدوائر. اللهم الا اذا كانوا يريدون ان يوجدوا جواً مناسباً للتغطية الإعلامية المثيرة حتى وان كان ذلك على حساب أرواحهم وأموالهم وديارهم. وهكذا كان الحال على مر العصور.
هذه هي حال الدنيا يا أخي حمد. ولله في ذلك حكمة لا يعلمها إلا هو, بقي ان يسعى العقلاء المنصفون لأجل أن يحجموا تلك الخلافات على أمل ان يكون النزاع والتناحر في حدوده الدنيا ومع ذلك سيظل العالم مكتئباً مكفهر الوجوه الا ما ندر. وستكون النتيجة ان الأفعال الشاذة هي التي تهيمن على مساحات الإعلام المغطاة وسيكون الأكثر اثارة وشذوذاً هو الذي يحتل الصفحات الأولى رضينا أم أبينا. ويدخل في ذلك الاثارة العاطفية والجنسية واثارة النعرات.
وعندئذ يصدق على الإعلام ووسائله المثل المصري المذكور في مقدمة هذه الكلمة يا أبا بدر "عشم إبليس بالجنة”.
hamoud@albudr.com


للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 112 مسافة ثم الرسالة