نواصل في هذه الحلقة حديثنا مع مدير عام محمية البترا الاثرية سليمان الفرجات الذي اكد على ان داخل الموقع الأثري لم يكن في السابق مهيأ لاستعمال أعداد كبيرة من السياح، وقد أدى تزايد أعداد السياح إلى حدوث إرباك شديد. حيث أصبحت الزيارة للموقع تسبب معاناة للسياح وللجهات المسؤولة فالمرور من السيق على سبيل المثال كان صعبا بسبب مطاردة الخيول وكثرة الغبار ورائحة روث الحيوانات، وعدم وجود خطة شاملة لتنظيم عمليات دخول وخروج السياح، وعدم توفر البنية التحتية في الموقع الأثري كالدروب واللوحات الإرشادية ووسائل الاتصال والسلامة العامة كالدفاع المدني وسيارات الإسعاف وجهاز فعال للشرطة السياحية، وقلة توفر الخدمات اللازمة كالمرافق العامة مثل الحمامات وأماكن الراحة والمطاعم والمقاهي وعدم وجود شركة لنظافة المدينة الأثرية، ولهذا كانت المحمية التي عملت وفق خطة مدروسة على حل معظم تلك المشاكل، وقامت الحكومة الأردنية بتنفيذ حزمة من المشاريع الهامة في المدينة الأثرية ما جعلها جوهرة الأردن حقيقة، وطموحنا لا يقف عند حد، فنحن نريد من الزائر إلى مدينة البترا أن يسعد ويستمتع بالزيارة وأن تعلق في ذهنه مدى الحياة.
مشاريع هامة
وحول المشاريع التي تم إنجازها قال الفرجات: هناك مشاريع البنية التحتية التي من أهمها عمل شبكة للصرف الصحي وذلك لحماية المدينة الأثرية، وعمل شبكة لمياه الشرب، وإنشاء شبكة للطرق في جميع مناطق الإقليم، وكذلك مشاريع المحافظة على البيئة ومن أهمها: مشروع عطاء النظافة في كافة مناطق الإقليم، ومشروع التحريج وإعادة إحياء نظام الري النبطي، ومشروع تصريف مياه الأمطار والفيضانات، ومشاريع إعادة تأهيل وصيانة وترميم المواقع التراثية في القرى المجاورة، وإعادة استعمالها كمرافق وفنادق سياحية، ومشاريع تجميلية كدهان المنازل وتخضير وتزيين المنطقة والساحات والحدائق العامة.
والشروط الواردة بتقرير اللجنة الوزارية المشكلة لغايات تشكيل المحمية والتي من أهمها ما يلي: تعتبر جميع الأراضي الواقعة ضمن هذه المحمية أراض أثرية وتاريخية وذات طابع خاص ويمنع تفويض أو بيع أو إجارة أي جزء منها لأي جهة كانت سواء كانت حكومية أو أهلية، ولا يجوز المس بالظروف البيئية والمتوفرة منها وإعطاء الحق لدائرة الآثار العامة دون غيرها في الإشراف والمحافظة عليها وعلى ديمومتها بالطرق التي تراها مناسبة.
وتنظيم مشاريع الصرف الصحي في المناطق الشرقية للمحمية من أجل حماية البيئة في المحمية، والسماح لعشائر مدينة وادي موسى والعمارين بالاستمرار باستغلال الأراضي الزراعية الواقعة والموجودة ضمن أراضي المحمية والتي سبق لهم استغلالها منذ وقت طويل وزراعتها بالحبوب فقط.
خطط ودراسات
وقال الفرجات لـ "عكاظ" لقد أجريت عدة دراسات لمحمية آثار البترا، الأولى أجريت عام 1968م، حيث قامت الحكومة بدعوة فريق من إدارة المحميات الامريكية لعمل خطة استراتيجية شاملة لإدارة موقع البترا، وعالجت تلك الخطة العديد من المواضيع كالمحافظة على الموقع وتطويره سياحيا، أما الدراسة الثانية فأجريت عام 1994م من قبل منظمة اليونسكو وهي بعنوان "خطة إدارة محمية البترا الأثرية"، والثالثة أجريت عام 1996م من قبل فريق أمريكي بعنوان "دراسة تحليلية وإدارية والتوصيات لموقع البترا التراثي"، فيما أجريت الدراسة الرابعة والأخيرة عام 2000م من قبل إدارة المتنزهات الأمريكية وهي بعنوان "الخطة العملية لإدارة محمية البترا الأثرية" وتم مراجعة هذه الدراسة والموافقة عليها من قبل الحكومة للتنفيذ، وقد غطت هذه الدراسة كافة الجوانب الأساسية التي تتعلق بموقع البترا وحددت القيم الأساسية الهامة لموقع البترا وما يمثله من قيم ثقافية وعلمية وتاريخية وجمالية وفنية، بالإضافة إلى ما يمثله من ندرة عالمية، وقد شملت الدراسة العديد من الأهداف من أهمها:
صيانة وحماية الموقع الأثري، ومشاركة المجتمع المحلي في التخطيط والإدارة، وضمان التنسيق مع سلطة الإقليم والإدارات المحلية لما فيه مصلحة محمية آثار البترا، ودعم نشاطات البحث العلمي، وضمان توفير الخدمات والمستلزمات على مستوى عال لإدارة الموقع وقد تطرقت الدراسة إلى السياسات العامة في إدارة الموقع من خلال هيكل تنظيمي شامل للإدارة، واشتملت الدراسة على فصول تتعلق بالتشريعات والأنظمة والتعليمات التي يجب مراعاتها لإدارة هذه المحمية.
الديانة النبطية
ويحدثنا الخبير سليمان الفرجات عن الديانة النبطية بقوله: إن الأنباط قبل اعتناقهم المسيحية، في القرن الرابع الميلادي، كانت ديانتهم وثنية، ويظهر تنوع صلاتهم الحضارية في آلهتهم التي جمعت أصولاً مختلفة: عربية وأدومية وسورية ومصرية ويونانية – رومانية، وكان على رأس مجمع الآلهة إله مذكر هو "ذو الشرى"، وثالوث إلاهات مؤنثة هن "العزة واللات ومنات"، وهي أشهر إلاهات العرب الوثنيين قبل الإسلام، وقد ورد ذكرهن في القرآن الكريم، إضافة إلى عدد من الآلهة الأصغر مثل "الكتبى" إلهة الكتابة و "شيع القوم" إله القوافل، كما انتشرت في البترا عبادة "إيزيس" الآلهة المصرية، كما أنهم ألهوا بعض ملكوهم بعد موتهم وكان أولهم وأشهرهم "عبادة الأول" الذي مات متأثراً بجراحه بعد انتصاره على اليهود في النقب عام 85 ق.م.
زراعة الصحراء
ويتابع الفرجات حديثه: أبرز ما يمثل نبوغ الأنباط في التعامل مع البيئة "هندسة المياه" التي مكنتهم من إدارة القوافل وإنشاء المدن وزراعة الصحراء، حيث أتقنوا عمليات تخزين وتصريف المياه التي أخذوها عن الأدوميين وسكان بحر ايجة وطوروا عليه، وقد تميزت أنظمة الريّ النبطية بالتكامل فشملت القنوات والسدود والخزّانات لتلبية جميع الاحتياجات من ريّ المحاصيل وسقاية الحيوانات، إضافة إلى غايات الاستهلاك البشري، كما تميزت هذه الأنظمة بالشمولية وكانت مدروسة بعناية وأشرفت عليها سلطات أو هيئات رسمية.
استغل الأنباط كافة موارد المياه المتاحة باستثناء حفر الآبار الارتوازية، وبرعوا في حفر القنوات على الصخور لجمع كل قطرة ماء تسقط عليها وتخزينها داخل سد أو بئر حفرت في الصخر، إضافة لحصاد الأمطار، أنشأ الأنباط قنوات لتوجيه مياه الينابيع وتجميعها في خزّانات لإعادة توزيعها على القرى والمدن، وبشكل عام كانت مياه الينابيع المفضلة للشرب بينما استخدمت مياه تجميع الأمطار لسقاية الحيوانات وريّ المزروعات والحدائق والاستحمام.
وبفضل أنظمة الريّ المتطورة، تمكن الأنباط من تطوير الزراعة سواءً في المناطق الصحراوية القاحلة حالياً أو في المناطق المشهورة بإنتاجها الزراعي مثل سهول حوران ومرتفعات الشراه، وقاموا ببناء المصاطب الحجرية لاستغلال سفوح الجبال، واشتهرت منطقة بيضا الواقعة غربي البترا بإنتاج العنب، وهي لا تستغل حالياً سوى لزراعة بعض الشعير في السنوات الممطرة، كما أثبتت اكتشافات معاصر الزيتون النبطية خطأ مقولة سترابو التاريخية بأن الأنباط لم يعرفوا الزيتون واستخدموا السيرج عوضاً عنه، و"الحميمة" في صحراء حسمى جنوبي الأردن من أفضل الأمثلة على عبقرية هندسة المياه لدى الأنباط.
تقع الحميمة على بعد حوالي 45 كم جنوبي البترا و55 كم شمالي العقبة في المنطقة المعروفة بـ "قاع النقب"، وهي صحراء قاحلة لا توجد فيها مصادر مياه ولا يتعدى معدل الهطول المطري فيها 80 ملم سنوياً، وقد أطلق الأنباط اسم "حوراء" على الحميمة، وسماها الرومان "أوارا".
وأنشأ الأنباط نظاماً مائياً ضخماً في حوراء لخدمة القوافل والسكان المحليين، وبنوا أكثر من 50 خزاناً وعدة سدود لحفظ مياه الأمطار، إضافة إلى قناة ماء بشعبتين يبلغ طولها 27 كم حملت مياه ينابيع منطقة رأس النقب إلى المدينة حيث خضعت لنظام توزيع صارم.
وعدا عن حصاد وتخزين المياه، اهتم المهندسون الأنباط بحماية مدنهم ومنشآتهم من أخطار الفيضانات، فاهتموا بتخفيف حدة جريان المياه بإقامة المدرجات الحجرية والترابية وإنشاء السدود، وتحويل مجاريها بحفر القنوات والأنفاق.
وأدرك الأنباط خطر عوامل التعرية الناتجة عن تدفق المياه على الواجهات المنحوتة في صخور البترا الرملية، فقاموا بنحت قنوات فوقها لتجميع المياه قبل وصولها إلى الواجهات، ونحتوا الخزّانات للحفاظ على المياه المتجمعة والاستفادة منها، فمن خلال معرفتهم ببيئتهم وطريقة التعامل معها، حولوا الخطر الداهم إلى مصدر خير ومنفعة.