أعادتني اصابة احد الاصدقاء بالحمى المالطية في الأسبوع الماضي إلى فيض من الأبحاث والمقالات العلمية التي كُتبت عن هذا المرض منذ أكثر من خمس وعشرين سنة عندما كنا نشهد حالات كثيرة منه. وقد بينت تلك الأبحاث اصابة نسبة من الماشية المحلية والمستوردة في بلادنا ببكتيريا "البروسلا” المسببة لهذا المرض، وانتقاله منها إلى الناس بواسطة منتجات الألبان غير المعقمة. وتنتشر الحمى المالطية في مناطق كثيرة من العالم من أهمها الشرق الأوسط. وقد تكررت الاصابة بالحمى المالطية مع صديق آخر قبل فترة. هذان الصديقان ليسا من سكان البادية وليست لديهما أية علاقة بتربية الاغنام أو الماشية أو أية حيوانات أخرى بل هما من رجال الأعمال ويسكنان في أرقى أحياء جدة، وكل ما عملاه هو تناول الجبن البلدي الطازج الذي تحصلا عليه من مصدر ما من احدى المدن الزراعية القريبة. وكنت قد بدأت اعتقد ان هذا المرض اصبح نادر الوقوع في بلادنا بسبب انتشار مصانع الالبان الحديثة واتجاه الناس الى الاكتفاء بمنتجاتها من الحليب المعقم بالطرق السليمة. ولكن لا شك ان بعض المنتجات الشعبية التي ينتجها المزارعون ومربو الماشية، مثل الجبن البلدي وغيره، لا زالت تلاقي اقبالا كبيرا بسبب طعمها المتميز، وهي منتجات تستحق التشجيع لولا ما يحدث من اهمال من قبل بعض المنتجين في اتباع الارشادات الصحية اللازمة لضمان سلامتها من الامراض، وهذا هو السبب في استمرار حدوث عدد لا يستهان به من حالات الحمى المالطية حتى الآن. وعند مراجعة آخر الاحصائيات المتاحة من وزارة الصحة تبين انه تم رصد حوالى أربعة آلاف حالة في المملكة في عام 2006م ونفس ذلك العدد تقريبا في 2005 م وربما لم يتغير الوضع عن ذلك كثيرا حتى الوقت الحاضر. وهذا شيء مؤسف ان يحدث مثل هذا العدد من الحالات بين المواطنين، وما يصحب ذلك من معاناة بلا مبرر وجيه حيث انه يمكن تفادي اغلب هذه الحالات، إن لم يكن كلها، بواسطة اجراء بسيط يتمثل في بسترة الحليب أي تسخينه الى درجة 62.8 مئوية لمدة ثلاثين دقيقة أو إلى درجات أعلى من ذلك أو غلْيه، وقد اقترب كثير من الدول المتقدمة من القضاء على المرض أو تقليصه بنسبة كبيرة، وعلى سبيل المثال فإن عدد الحالات في الولايات المتحدة الأمريكية كلها منذ فترة لم يعد يتجاوز 100 حالة في العام وقس على ذلك في دول أخرى كثيرة. وبالاضافة إلى الجبن البلدي أو حليب الاغنام الطازج فإن امكانية انتقال الحمى المالطية محتملة من حليب الابل المصابة الذي يتم تناوله طازجا بدون بسترة أو غلي كما يفعل بعض المواطنين، أما تناول هذه المنتجات في الاكلات التي يتم طهيها جيدا، مثل الجبن البلدي في "الكنافة” أو غير ذلك فهو لا يشكل خطرا لأن حرارة الطهي تكفي لقتل البكتيريا المسببة للعدوى.
الإصابة بالحمى المالطية ليست أمرا بسيطا يمكن السكوت عنه، بل إنه من الامراض التي تستدعي التبليغ الى الجهات الصحية المختصة. وقد يكون تشخيص الحمى المالطية صعبا اذا لم يضعها الطبيب في الاعتبار، وقد يعاني المريض لعدة أسابيع من الحمى المتكررة والتعرق الليلي والصداع والقشعريرة والاعياء وفقدان الشهية ونقص الوزن وآلام العظام والعضلات والمفاصل، وقد يصيب المرض، لا قدر الله، أعضاء مختلفة من الجسم مثل الغدد اللمفية والكبد والطحال والامعاء والجهاز العصبي، أو يؤدي إن لم يتم الانتباه إليه وعلاجه في الوقت المناسب الى مضاعفات خطيرة مثل التهاب العظام والمفاصل أو التهاب السحايا أو، نادرا، التهاب صمامات القلب، وقد يصبح المرض مزمنا ويستمر لفترة طويلة. أما العلاج فيتطلب استعمال نوعين من المضادات الحيوية معا ويستغرق ستة أسابيع كاملة، وقد يتطلب القضاء على البكتيريا اعادة العلاج في بعض الحالات. ولا يوجد لقاح للاستعمال العام في الانسان.
لماذا يتهاون بعض المزارعين والقرويين المنتجين لمنتجات الألبان البلدية في اتباع الارشادات النظامية في تعقيم الحليب المستخدم في هذه المنتجات؟ هل يرجع ذلك الى غياب الوعي عند البائعين والمشترين أم إلى التهاون؟ وأين الرقابة الصحية على انتاج وبيع هذه المنتجات؟ الغريب في الحالتين اللتين ذكرتهما أعلاه أن بائع الجبن البلدي كان ينصح زبائنه، عند استفسارهم عن نظافة الجبن الذي يبيعه، بصب الماء الحار على هذا الجبن قبل تناوله، وهذا الاجراء غير كاف لقتل البكتيريا الكامنة داخل الجبن، وكان الأولى بالبائع تعقيم الحليب قبل استخدامه في صنع الجبن، ولا أدري ان كانت هناك خطوات أخرى ضرورية في صناعة الجبن البلدي، مثل اضافة الخمائر من منفحة الاغنام الصغيرة، تساهم في تلوث الحليب بعد تعقيمه، وفي هذا الحالة فإنه ينبغي ايجاد حلول بديلة لها من قبل المسؤولين في وزارة الزراعة، مثل توفير خمائر سليمة، اما الحل الامثل على المدى البعيد فهو التأكد من خلو الثروة الحيوانية في المملكة من الحمى المالطية وذلك بالكشف على جميع قطعان الماشية واعدام القطعان المصابة، مع تطعيم القطعان الخالية من المرض باللقاحات الحيوانية المتوفر لحمايتها من هذا المرض.
تكرار حدوث حالات الحمى المالطية يدل على غياب الرقابة الكافية في أجهزة البلديات المسؤولة عن صحة وسلامة الغذاء الذي يباع للمواطنين، واستمرار الاصابة في قطعان الماشية يدل على ضرورة تنشيط وتوسعة البرنامج الوطني لمكافحة الحمى المالطية الذي تنفذه وزارة الزراعة بالاشتراك مع وزارة الشؤون البلدية والقروية ومتابعة نتائجه بصورة أفضل.
إلى أن يتحقق ذلك لابد من نشر الوعي بين المواطنين بعدم تناول حليب الاغنام أو الابقار أو الابل إلا بعد تعقيمها بواسطة البسترة أو الغلي، وعدم تناول الجبن البلدي إلا بعد طهيه جيداً، وهي اجراءات بسيطة مقارنة بالمعاناة المترتبة على الاصابة بالمرض، لا قدر الله.


للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 133 مسافة ثم الرسالة