تحتفل أرامكو السعودية حالياً بمرور 75 عامًا على انطلاق صناعة النفط من خلال اقامة احتفالات في مقر إدارة الشركة بالظهران و67 موقعًا من مواقعها في الداخل والخارج.
«عكاظ» تواصل نشر سلسلة من الحلقات التي تحكي القصة الكاملة للذهب الاسود في المملكة.
عرضنا في الحلقة السابقة لقصة انطلاقة عملية تصدير الزيت السعودي مباشرة الى الاسواق العالمية وزيارة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن ال سعود -رحمه الله- الى الساحل الشرقي وفتحه صمام الانابيب التي من خلالها تدفق الزيت الى الناقلة "سكوفيلد” وفي هذه الحلقة نعرض قصة اطول مشروع هندسي في العالم الا وهو مشروع "خط التابلاين”.
يُعد تنفيذ مشروع خط التابلاين معجزة هندسية عملاقة، ليس بما يعنيه امتداده الهائل بين ساحل الخليج العربي وساحل البحر الأبيض المتوسط فحسب، وليس بسبب القيمة الاقتصادية التي أنجحت كثيرًا صناعة الزيت السعودي وسهَّلت أعمال شحنه ونقله إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية فقط.. بل لأن المشروع نفسه كان تحديًا غير مسبوق في تاريخ صناعة النفط، وحتى هذه اللحظة لم يُشابهه مشروع مماثل، خصوصا في الظروف المتشابكة التي حاصرته جغرافيًا وسياسيًا وأمنيًا في أربعينات القرن الماضي. ورغم كل الظروف غير المطمئنة نجح إنشاء المشروع الممتد 1664 كيلومترًا (1040 ميلًا) في أقل من سنوات ثلاث.
لم يكن إنشاء أكبر خط أنابيب للزيت في العالم عبر تضاريس صحراء الدهناء وصحراء النفود وصولًا إلى صيدا بلبنان أمرًا هينًا، ولا مجرد عمل صعب للغاية، بل كان أشبه بالمستحيل. وتطلب إنشاؤه نقل الأنابيب وتمديدها في مناطق لم تكن فيها طرق ولا مرافق تناسب أنواع العمل والهندسة المطلوبة، ومما عقَّد المصاعب المتراكمة وجود عجز كبير في إمدادات الحديد في وقت إجراء الدراسة، فقد كان الحديد يُستخدم في مجهود الحرب العالمية الثانية التي انتهت في منتصف الأربعينات.
حلول مبتكرة
وفرضت المشكلات الهندسية حلولًا مبتكرة جديدة وغير مألوفة، أنتجت بدورها أرقامًا قياسية جديدة. ومن ذلك كان حجم أعمال نقل الأنابيب والمواد والعمال، وطول الرحلات البحرية المطلوبة أكبر من أي مشروع منفرد يتم تنفيذه في زمن السلم في التاريخ. واحتاج المشروع إلى شاحنات ومقطورات عملاقة صُمِّمت وصنعت خصيصًا له، ويمكن لكل منها نقل ما يزن خمسين طنًا وسط الصحراء، أي ما يوازي وزن عربة قطار شحن.
ومن أبرز الابتكارات التي شهدها هذا المشروع ابتكار «الخطاف السماوي» الفريد الذي أقيم في رأس مشعاب، وهو شبكة كابلات علوية يبلغ طولها نحو ثلاثة أميال كانت تحمل مفصلات الأنابيب من السفن إلى اليابسة. إلا أن المشكلات الفنية لم تكن هي الأصعب في المشروع، وإنما كانت هناك المشكلات السياسية التي تلت الحرب العالمية الثانية وزادت من تعقيدات الموقف، ما استدعى تغيير الخطط أكثر من مرة. إذ كانت الخطة في الأصل تتضمَّن الشروع في إنشاء الخط من الطرفين والالتقاء في مكان ما في المنتصف، غير أن التوترات السياسية والحروب المباشرة أخرت الشروع في إنشاء الجزء القادم من ساحل البحر المتوسط كما كان مقررًا. وبالرغم من ذلك انطلقت أعمال الإنشاء في المملكة، وسط شكوك جدية حول هذا الاستخدام للأيدي العاملة والمواد، لأن الجميع -من مسؤولي التابلاين حتى عمال اللحام في الميدان- كانوا يتساءلون عما إذا كانت الأمور السياسية ستستقر بدرجة تسمح للمهندسين بإنجاز مهمتهم.
إلا أن المثابرة كانت لها اليد العليا في نهاية المطاف، ففي أوائل العام 1948م بدأت أعمال إنشاء خط أنابيب عائد لأرامكو من بقيق إلى تقاطع خطوط أنابيب القطيف، ومنها إلى القيصومة، التي كان مقررًا لها أن تكون نقطة بداية خط أنابيب التابلاين، على مسافة 315 ميلًا من الظهران.
نقطة التقاء
وفي الثاني من سبتمبر 1950م، تمت آخر عملية لحام لربط القطاعين الغربي والشرقي من الخط، ليكتمل بذلك أطول خط أنابيب يتم إنشاؤه في التاريخ. وقد بلغ من طول الخط أنه بعد إنجازه استغرق وقت تعبئته ما يقرب الشهرين. وفي نوفمبر 1950م تدفَّق الزيت، بعد طول انتظار، إلى الخزانات في ميناء صيدا اللبناني، تمهيدًا لتعبئة الناقلات التي أصبح بإمكانها نقل الزيت إلى أوروبا في غضون أيام، مختصرة تلك الرحلة البحرية البالغة 7200 ميل من رأس تنورة على الخليج العربي إلى البحر الأبيض المتوسط.
وكان المشروع مشتركًا بين الشركات المالكة لأرامكو حينذاك تحت اسم «شركة خط أنابيب الزيت الخام عبر البلاد العربية»، وأصبح معلمًا بارزًا في التجارة العالمية وصناعة البترول وهندسة خطوط الأنابيب، وكانت سعته الأصل 300 ألف برميل في اليوم، وتمت زيادتها بعد ذلك إلى 500 ألف برميل، وأشرفت شركة بكتل الأمريكية العملاقة على إنشائه بعد أن بينت دراسة هندسية أجريت في عام 1944م أن إنشاء هذا الخط، رغم صعوبته، يعتبر مجديًا وممكنًا.
ولاحقًا أصبح خط التابلاين ينقل ما يصل إلى 30% من إنتاج المملكة من الزيت الخام إلى الناقلات التي حمّلته، بدورها، إلى أسواق النفط في أوروبا والساحل الشرقي للولايات المتحدة.
لكن خط التابلاين خارج الخدمة اليوم، وحل محله خط أنابيب الزيت الخام شرق/غرب وغيره من خطوط الأنابيب، فيما تقوم الناقلات الضخمة المملوكة لشركة فيلا البحرية العالمية المحدودة التابعة لأرامكو السعودية بنقل الزيت السعودي إلى الأسواق العالمية.
ولم يكن المشروع نفطيًا خالصًا بالمعنى الدقيق، بل تأسست بفضله مدن، وعلى سبيل المثال فإن مدينة القيصومة التابعة اليوم لمحافظة حفر الباطن، هي أول مدينة تنشأ عن تجمع عمالي بمحاذاة الخط. ثم ما لبثت أن لحقت بها ثلاث بلدات أخرى هي رفحة وطريف وبدنة.
ولا شك ان من ابرز الامكنة التي كان لها الاثر الكبير في هذا الانجاز الضخم بلدة بدنة التي تحولت من صحراء قاحلة قبل المشروع الى مدينة تضج بالحياة. وتروي اللبنانية هالة حداد التي تعيش اليوم في الحي السكني في الظهران، المقر الرئيس لأرامكو السعودية، وتعمل سكرتيرة في قسم النشر والعلاقات الإعلامية في إدارة العلاقات العامة، انطباعاتها وشعورها عندما حطت طائرتها في بدنة منذ 28 عاما فتقول «لم يكن هناك مطار، وإنما هبطت الطائرة فوق رمال مخلوطة بالزيت في حر شهر سبتمبر القائظ. كنت أبكي لأنني تركت بلدي الجميل لبنان وأتيت إلى هذه الرمضاء في وسط الصحراء». كان ذلك أول انطباع خرجت به هالة حداد عن مدينة بدنة، الصغيرة الواقعة في أقصى شمال المملكة، التي تأسست أثناء تنفيذ خط التابلاين في طريقه إلى الساحل اللبناني. وتمّ إنشاء البلدة لوضع مضخات تابعة للخط.
وبدنة اليوم مجرد اسم على الخريطة، أما عندما هبطت طائرة هالة حداد فيها، منذ ثمانية وعشرين عامًا، فإنها كانت على درجة كبيرة من الأهمية على صغرها، بفضل وقوعها إلى جانب واحدة من أكبر المعجزات الهندسية في العالم، وهي خط أنابيب الزيت الخام عبر البلاد العربية او التابلاين كما كان اسمه الشائع.
وعندما وصلت هالة حداد إلى بدنة في عام 1980م، كانت المدينة عبارة عن حي سكني مستقر يتضمَّن الكثير من الأنشطة لكل من كانوا يعيشون فيه. وكانت الممرضات والسكرتيرات يعشن في مبنى يعرف باسم «بانك هاوس»، حيث كان لكل واحدة منهن غرفة نوم خاصة، فيما كانت كل أربع منهن يشتركن في مطبخ وغرفة معيشة وغرفة جلوس واحدة. وكان للحي السكني مكتبته الخاصة، ومحطة تلفزيون، ومدرسة ومتعهد تموين يعرف بـ«الكانتين». كانت بدنة تضم المرافق الطبية الوحيدة المتوافرة في المنطقة الشمالية، وتقدم الرعاية الطبية لجميع السعوديين من أهالي المنطقة إلى جانب موظفي أرامكو وأفراد أسرهم ومقاولي الشركة.
وتسترجع هالة ذكرياتها في البلدة قائلة: «كانت مكانًا حافلًا بالود، وكانت العلاقات بين الناس ممتازة. وحتى اليوم لا يزال أناس من بدنة يتصلون بي، فقد كنا مجتمعًا مترابطًا متآلفا».