لم يفرِّق الفيصل "رحمه الله" يوما بين أبنائه وبناته من صلبه، وبين أبنائه وبناته من أفراد شعبه، وكان الملك العادل بين أفراد شعبه، هو نفسه الملك العادل بين زوجاته وأبنائه وبناته في بيته، قسّم قلبه بين الجميع بالتساوي.. أحبهم جميعا بذات القدر.. وقام بواجباته تجاه الجميع.. ضحى بوقته وجهده من أجل خدمة قضايا أمته العربية والاسلامية وخدمة شعبه. وأفراد أسرته كانوا يعون تماما حجم المسؤولية العظيمة الملقاة على عاتقه.. لم يكونوا يطالبونه بحقوقهم الأسرية عليه كوالد لهم.. لم يتذمروا ولم يعترضوا.. كانوا يعلمون تماما ان أولويات الملك تحتم عليهم التضامن والتكاتف لتوفير كل ما يمكنه من أداء مهامه الجسام. الجميع كان يعلم مدى حرص الملك فيصل "رحمه الله" على الوقت، خاصة الوقت المخصص لعمله.. وكيف أنه "رحمه الله" كان لا يقبل أن يتأخر عن مواعيد عمله لحظة واحدة، بل كان يسرع الى مكتبه الخاص لمزاولة مهامه ولخدمة مواطنيه.
يوم في حياته
كان النمط الذي يتبعه الملك فيصل "رحمه الله" يبدأ منذ صلاة الفجر، حيث يؤدي الصلاة ثم يجلس لقراءة القرآن الكريم بعد أداء الصلاة ويرتل الدعاء، ثم يعود الى البيت لينام ثم يصحو في تمام الساعة التاسعة صباحا، فيجلس في مقعده المخصص له لتناول طعام افطاره البسيط، ومن ثم يتوجه الى مكتبه في موعد لا يتأخر عنه أبدا، ويمكث هناك حتى صلاة الظهر، فيصليها جماعة وبعد ذلك يتناول غداءه البسيط ايضا، ثم يعود الى منزله ليرتاح.
وبعد صلاة العصر كان يعود الى مكتبه مرة اخرى ويستمر في العمل حتى صلاة المغرب فيؤديها في مكان معين على طريق الدرعية، هذا اذا ما كان موجودا في مدينة الرياض، وبعد الصلاة يرجع الى البيت ليتقبل السلام من أفراد عائلته.
في هذه الأثناء كان يجلس لينظر في شكوى النساء الشاكيات، وكان يقرأ شكاواهن بنفسه، ويستمع لهن شخصيا، ولم يكن يسمح لأي فرد من أفراد عائلته مهما كانت درجة قرابته أن يقدم له تلك الشكاوى، أو حتى يقرأها له.
وبعد ان يؤدي صلاة العشاء ويوتر، كان يرجع الى مكتبه مرة أخرى، وأقرب موعد لعودته الى البيت كان بين العاشرة والحادية عشرة مساءً.
زوجات الفيصل
وعن زوجات الملك فيصل "رحمه الله" يقول الأمير تركي الفيصل لـ"عكاظ": تزوج الملك فيصل "رحمه الله" عدة زوجات، ولكن الزوجات اللائي أنجبن له أكثر من أربع زوجات وليس كما يعتقد البعض، منهن والدة الأمير عبدالله الفيصل، ووالدة الأميرة العنود الفيصل، ووالدة الأميرة حصة الفيصل، ووالدة الأمير خالد الفيصل، ووالدة الأميرة مشاعل بنت فيصل، ووالدة الأمير محمد الفيصل ونحن أشقاؤه، وكان له "رحمه الله" زوجات أخريات ولكنهن لم ينجبن له أبناء.
ووالدة الأمير عبدالله هي الأميرة سلطانة السديري، ووالدة الأمير محمد هي الأميرة عفت الثنيان، ووالدة الأمير خالد الفيصل هي الأميرة هيا بنت تركي آل تركي، ووالدة الأميرة مشاعل هي الأميرة الجوهرة بنت سعود الكبير، ووالدة الأميرة حصة من آل عريعر، ووالدة الأميرة العنود بنت فيصل هي الأميرة حصة المهنا.
الأبناء والبنات
ويضيف الأمير تركي: أما أبناء الفيصل فالذكور وعددهم ثمانية وهم الأمراء عبدالله، محمد، خالد، سعود، عبدالرحمن، سعد، بندر، وتركي.
أما البنات فعددهن تسع، وهن الأميرات: العنود، وحصة، والجوهرة، ونورة، وسارة، ولطيفة، ومشاعل، ولولوه، وهيفاء.
وهناك الأميرة فلوه ولكنها لم تعش فقد توفيت وهي صغيرة، والأميرة منيرة توفيت منذ زمن وهي كبيرة.
وهناك آخرون ولدوا ميتين ولكن أبناء الفيصل الذين ولدوا وعاشوا سبعة عشر، ثمانية أبناء وتسع بنات.
علاقته بعائلته
مما لا شك فيه أن المهام الجسام التي كانت تشغل الملك فيصل "رحمه الله" كان لها تأثير على علاقته بأسرته وأولاده وبناته، وعن ذلك يقول الأمير تركي الفيصل:
الملك فيصل "رحمه الله" كان في تعامله معنا نحن الأبناء، بمثابة همزة الوصل فيما بيننا، فكانت الوالدة "رحمها الله" حريصة دائما على أن توفر ساعات كافية في البيت، ونحن أطفال "طبعا"، للقاء والتحدث والاجتماع والأخذ والعطاء مع الملك فيصل "رحمه الله".
كانت تحرص كثيرا، وكان هو بلا شك من هيأ لذلك، بأن تكون هناك فترات معينة من اليوم نجتمع فيها كعائلة للأخذ والعطاء مع بعضنا البعض بشكل يومي تقريبا، فقد كان انسانا مسؤولا ومشغولا، وفي بعض الأحيان كانت مسؤولياته ومشغولياته تفرض نفسها على هذا الجدول العائلي، ولكن فرصتين كانتا مهيأتين بناء على الوقت وبناء على المكان ايضا، وهما فرصة وجبة الغداء، وفرصة ما بعد صلاة العشاء، في المساء وبعد ان يعود من مكتبه بعد الساعة الحادية عشرة مساء الى ان يحين موعد نومه، وتكون هذه الفترة عادة تتراوح ما بين ساعة ونصف الى ساعتين التي كنا نجلس فيها معه.
وكما قلت لك في بعض الأحيان المكان يفرض نفسه على ذلك، مثلا في مكة أو في جدة كان وقت الغداء مرتبطا بغداء عام كان يعقده هو "رحمه الله" للمواطنين في مكان العمل، فلم يكن يتوفر لنا نحن كأبناء وبنات الفرصة أن نجتمع به في هذا الوقت، فكنا نعتمد على فترة المساء التي تتبع عودته من المكتب بعد الحادية عشرة مساءً.
كان ينتقل الى الطائف في فترة المصيف أغلب أيام الأسبوع، ما لم تكن لديه مواعيد اخرى، فكان "رحمه الله" يحرص على ان يتناول غداءه في البيت، فكنا نلتقي به في ذلك الوقت بالاضافة الى فترة المساء.
أما في الرياض، وبسبب مشاغله، حتى عندما كنا صغارا وننشأ، ما زال في الذاكرة في عهد الملك سعود "رحمه الله" وكان هو وليا للعهد، ثم بعد ان اصبح ملكا، كانت فترة المساء هي أغلب الأوقات التي نلتقي فيها كعائلة، ومن طبيعة الأحوال في مثل هذه اللقاءات كان هو يطرح مواضيع للبحث والنقاش، وهي مواضيع شتى في مختلف المجالات، في مجال الأدب، وفي مجال الاجتماعيات، وفي مجال الأسرة، والأحداث وغيرها من الأحاديث التي كان هو يطرقها، أو كنا نحن نطرقها في أمور تتعلق بأفكار، أو بطلبات خاصة لنا، كان "رحمه الله" يستمع الى تلك الطلبات مباشرة منا، وفي أغلب الأحيان كان هذا اللقاء يضم ايضا اصدقاء أو اخوة للملك فيصل من أعمامي، يحضرون في هذه اللقاءات من حين لآخر، والشخص الذي كان دائما موجودا في هذه اللقاءات هو سمو سيدي الأمير سلطان بن عبدالعزيز "حفظه الله".
ويضيف سموه: طيلة حياتي أتذكر دائما أن الأمير سلطان "وفقه الله ونصره" يحضر دائما هذه اللقاءات المسائية، إلا اذا كان مشغولا بعمل ما.
وكذلك أخي الأمير عبدالله الفيصل "رحمه الله" ايضا يحضر هذه الأمسيات بصفة مستمرة، وكان يحرص اثناء حضوره ان يفتح المواضيع التي ربما تخرج عن الهموم اليومية التي ربما هي تشغل الملك فيصل في عمله وفي حياته الرسمية وغيرها، بذكر طرفة معينة أو بيت شعر أو حادثة حصلت لهم في أيام سابقة، أو في أيام الملك عبدالعزيز، وبالطبع الملك عبدالعزيز "رحمه الله" له حيز كبير جدا من ذاكرة ووجدان الملك فيصل الى درجة الشغف، وليس فقط المحبة، لأن الملك فيصل "رحمه الله" كان دائما ما يذكر الملك عبدالعزيز "رحمه الله" ليس بذكر فضائله عليه هو كشخص، ولكن الملك فيصل كان ينظر الى الملك عبدالعزيز كرمز تعلم منه وعاصر حياته التأسيسية والتوحيدية لهذه البلاد، فكان حبه للملك عبدالعزيز وشغفه به يفوقان أي شيء آخر في حياته، وكان دائما ما يستأنس بذكر الملك عبدالعزيز "رحمه الله" أثناء حياته وبعد وفاته، وهذه من الأمور التي استفدنا منها نحن كأبناء وبنات في فترة نشأتنا، تعلمنا تاريخ الملك عبدالعزيز "رحمه الله" بل أذهب الى أبعد من ذلك، تعلمنا تاريخ المملكة من عهد الإمام محمد بن سعود الأول، في هذا المجلس من قصص وروايات وأشعار وغيرها التي كان يرويها الملك فيصل "رحمه الله" أو التي كان يرويها آخرون في هذا المجلس ممن كانوا يحضرون تلك الأمسيات، وكانت متعة في الحقيقة، وفي نفس الوقت مدرسة لنا كنشء، وكأبناء وكبنات ننهل من هذا المعين الذي كان يتمتع به الملك فيصل "رحمه الله".
ومن الأشياء الملاحظة دائما نبديها ولها أثر كبير علينا هي قوة ذاكرة الملك فيصل عندما كان يذكر بعض الأحداث، وبعض التواريخ، وبعض الأمور التي إما ان يكون ساهم بها، أو يكون قد سمع بها، بتفاصيل دقيقة جدا، مثل: مجلس فلان عندما كان يتكلم معه، أو ما حدث خلال ذلك الحديث، أو موقعة معينة في البادية، أو في الحاضرة، أو في بلدان أخرى، والأوصاف التي كان يصفها "رحمه الله" لأشخاص، أو لأماكن كانت دقيقة جدا، ولم أذكر في حياتي أنه قد طرأ على الملك فيصل أي تعبير، أو اصطلاح ممكن ان يفسر على أنه ربما يكون؟ لأحد أو رياء أو كذب في أي شيء، كان دائما يعبر عن خالص نفسه فيما يقوله.
ومن الأمور التي تعلمناها منه أيضا، الصدق في القول.
وكان "رحمه الله" لا يتردد أبدا إذا سئل عن شيء أو تطرق أي أحد لشيء يجهله، لا يتردد في أن يقول: "أنا والله ما أعرف"، وأيضا هذا كان درسا لنا في أنك اذا كنت لا تعرف شيئا فلا حرج في ان تقول إنك لا تعرف، فالجهل ببعض الأمور ليس وصمة أو عارا، وفيه شيء من التواضع ايضا.
وهذه من الصفات التي كان الملك فيصل يتمثلها في نفسه وفي تصرفاته.
ويضيف سموه: كان الملك فيصل "رحمه الله" قليلا ما يستخدم كلمة "أنا"، وعندما كان يروي رواية، كان يأتي اليها بأسلوب وبطريقة بحيث أنه لا يستشهد بنفسه في هذه الرواية، أو في هذا الحدث، وإنما يترك الحديث عنه لآخرين، وهذا ايضا شيء هام آخر تعلمناه من الملك فيصل "رحمه الله" وهو عدم التباهي، أو التفاخر، مع أنه كان معتزا بنفسه وبمكانته وبتراثه وبدينه، ولكنه لم يترك مجالا لهذا الاعتزاز أن يطغى على تواضعه، إن كان في الحديث أو في السلوك وهذه كلها أشياء كنا نتمتع بها كأسرة أو كعائلة.
معاملته لأبنائه
كان الملك فيصل "يرحمه الله" يحرص دائما على ألاّ يفرق بين ابنائه وبين بقية أبناء الشعب السعودي، ليس في خطابه وحسب، وليس في بعض المواقف الشخصية وحسب ولكن في واقع حياتهم العملية أيضا، وعن ذلك يحدثنا الأمير تركي الفيصل قائلا: الملك فيصل كان منطلقه في تعامله معنا نحن ابناءه، انه لم يكن يطلب منا القيام بأي شيء لم يكن هو يقوم به، فأصبح معيارا ونبراسا لنا، حتى لو نزعت فينا كأطفال أو في سن المراهقة طيش شباب أو غيره من الأمور التي تعتري البشر في هذه المراحل العمرية من نموهم ومن سنين حياتهم.
وجود الملك فيصل "يرحمه الله" أمامنا وفي حياتنا كان يحد من النزعات سواء كانت نزعات الطيش، أو نزعات التمرد، أو نزعات الاحساس بالغبن، أو بعدم المساواة مع الآخرين لأنه هو كان المثال. وبالنسبة لنا نحن الابناء هذا الأمر سهل علينا كثيرا في تعاملنا نحن مع أنفسنا.
ويستطرد الامير تركي قائلا: سأعطيك على سبيل المثال عندما كنت أدرس في أمريكا واخواني أيضا كان مرتب الطالب السعودي المبتعث الى امريكا 220 دولارا امريكيا في الشهر هذا غير تكلفة الجامعة والأمور الاخرى التي تتعلق بالبعثة ونفقات الدراسة، كان هذا المبلغ يصرف له للمعيشة، والمفروض به أن يوفر منه مأكله ومشربه وملبسه وكتبه وطلباته الأخرى.
ويضيف سموه: طبعا تكاليف الحياة الآن تختلف تماما عما كان وقتها قبل 40 سنة من الآن، وفي الوقت الذي كانت تصرف 220 دولارا كمرتب شهري لأي طالب سعودي يدرس هناك، كنا نحن كأبناء للملك فيصل كان يصرف لنا شهريا 120 دولارا أمريكيا فقط، وكان قد اتفق مع الدكتور جميل البارودي "يرحمه الله - لأني اعتقد انه أسلم"، وكان شخصا لبنانيا وصديقا للملك فيصل وكان قد كلفه برعاية شؤوننا أثناء تواجدنا في أمريكا للدراسة بحيث ان الدكتور جميل كان عندما يتسلم مرتبنا من الملحقية التعليمية، كان يقتطع منه "100" دولار, وكان يبعث لنا بـ"120" دولارا فقط. وهذه الـ"100" دولار التي كان الدكتور جميل يقتطعها من مرتباتنا, كان يضعها في حساب استثماري لكل واحد منّا, فتراكمت عبر السنين ووفرت مبلغا جيدا, وعندما انتهينا من الدراسة وعدنا الى المملكة اكتشفنا, او اكتشفت أنا على الأقل، ان لدي مبلغا من المال وفر لي من هذه الـ"100" دولار التي كان يقتطعها شهريا من مرتبي, ولكن اتذكر وقتها انني كنت أكيف حياتي على المعيشة بـ"120" دولارا شهريا, مقابل ما كان يستلمه نظرائي من الطلبة السعوديين الآخرين, سواء كانوا من العائلة المالكة أو من خارجها, الذين كانوا يستلمون"220" دولارا شهريا. مع ذلك كانت الوالدة "رحمها الله" وبدون معرفة الملك فيصل "يرحمه الله" كانت توصل الينا بعض "الدراهم اللي كانت تفك أزمة وقتها بين الحين والآخر".
ويضيف سموه: ولأنه هو -كما قلت- كشخص كان مثالا ونبراسا لنا, وكان شخصا لا يحب البهرجة, ولا يحب الصرف الزائد في حياته، لذلك لم يكن بمقدورنا نحن ان نطلب ما لا يمارسه هو نفسه سواء كان في مركبه وسيارته او في هدومه او في مسكنه او في اكله او كان في تعامله مع الاخرين. والتواضع الذي يتعامل به مع الآخرين كان دائما يعتبرنا ابناءه بالطبع لكنه لم يكن يسمح بتاتاً لمركزه ان يوفر لنا نحن ابناءه ما لا يقدر على توفيره للمواطن العادي والطالب العادي الذي كان في مثل سننا.
ويضيف الأمير تركي: كان "يرحمه الله" دقيقا جداً وحريصا على ان لا يكون في تعامله معنا أي تفضيل او تمييز في المعاملة بين ابناء وبنات الاسرة وبين بقية ابناء وبنات الشعب.
الأب العادل
كما كان الملك فيصل "يرحمه الله" عادلاً مع كافة فئات الشعب، كان عادلاً في معاملته لأولاده وبناته، يقول الامير تركي: الفيصل: " لا اتذكر في حياتي كلها ابداً ان الملك فيصل "يرحمه الله" وقف في صف احد منا ضد الآخر سواء مع ابناء ضد ابناء او ابناء ضد بنات او بنات ضد بنات.
كان دائما ما يتخذ موقف الوسط ولم نكن نحن بطبيعة الحال مهيئين او معرضين كأبناء لخلافات تستدعي الملك فيصل كأب ان يتخذ موقفا كوسيط او كمساعد او كمؤيد لطرف على آخر بحكم انتقالنا نحن الابناء الى مدرسة داخلية من صغرنا، وهي المدرسة النموذجية في الطائف، فكنا اغلب ايام السنة في هذه المدرسة بعيدين عن مجال الاختلاف او أي من التشابك -ان صح التعبير- فيما بين الاخوة والاخوات، وان حدث فلا اذكر ان الملك فيصل "يرحمه الله" اتخذ موقفا مع احد منا ضد الآخر ابداً.