في هذه الحلقة يواصل عبدالله خياط ذكرياته عن مواقف وانجازات الملك الشهيد فيصل بن عبدالعزيز - رحمه الله- ويروي جانباً من مواقفه اثناء زياراته الخارجية ومدى قربه من افراد الوفد المرافق ولدى انشغاله بقضايا الوطن وهو في خارجه كما يكون في داخله وكما يتحدث عن تواضعه وجديته في التعامل مع اعضاء الوفد المرافق له- رحمه الله- على متن الطائرة، كما يروي خياط جوانب من شخصية الملك فيصل التي تعكس اهتمامه بمتابعة سير شؤون العمل والقائمين عليه، واضاف خياط ان الملك الشهيد اولى أهمية ورعاية خاصة بنشر التعليم في ربوع المملكة كما انه اهتم كثيراً بتعليم المرأة.. وفيما يلي التفاصيل:
انتهت الزيارة التي غادر الملك بعدها المغرب بتاريخ 1386/5/27هـ إلى غينيا حيث أمضى 3 أيام ومنها بتاريخ 1386/5/30هـ إلى مالي وفيها قضى جلالته أياماً ثلاثة.. لقي في الأولى والثانية من الترحيب وكريم الاستقبال ما لم تشهده أفريقيا كلها في استقبال أي زعيم.
والحق أن زيارة الملك فيصل – رحمه الله – لافريقيا كانت في غاية الأهمية فأنا لا أزعم أنه أدخل الاسلام إليها ولكن المؤكد أنه أيقظ الروح الاسلامية في أهلها ، أو بتعبيرنا الشعبي أزال الغبار الذي ران على القلوب بفعل الاستعمار الذي رحل.
ومن أفريقيا توجه جلالة الملك فيصل إلى تونس التي استقبله فيها الحبيب بورقيبة والشعب التونسي بأكمله وكان ذلك بتاريخ 1386/6/3هـ فقضى بتونس يومين وفي اليوم الثالث وخلال اجتماع الملك فيصل بالحبيب بورقيبة اقترح المنجي سليم وزير خارجية تونس على السيد أحمد عبد الوهاب أن يعرض على جلالة الملك قضاء ليلة في "مانستير" مسقط رأس الرئيس بورقيبة للاحتفاء به هناك في مهرجان شعبي، فلما عرض السيد الفكرة على جلالة الملك فيصل لم يجب لا بلاء أو نعم.. فسأل السيد معالي الدكتور رشاد رأيه فقال: الصمت علامة الموافقة.
وبالفعل توجه الملك ومرافقوه والوفد الاعلامي بالتبع إلى "المانستير" حيث شهدت احتفالاً زاحمت فيه قصائد الشعر كلمات الترحيب ورقصات الخيول والألعاب والأهازيج الشعبية المتعددة التي أمتعت الجميع.
الرحلة الثانية: كانت إلى القاهرة ، فالمغرب لحضور مؤتمر القمة العربي الخامس في الرباط عام 1389هـ.
الفيصل في القاهرة
ففي الطريق إلى الرباط قام الملك فيصل بزيارة للقاهرة تلبية لدعوة من الرئيس جمال عبدالناصر حيث قضينا بمعية جلالته ثلاثة أيام بلياليها أقام فيها الرئيس عبد الناصر حفل عشاء بالليلة الأولى، ثم أقام الملك فيصل بالليلة الثانية حفل عشاء بقصر الطاهرة حيث مقر اقامة جلالته وخلال الحفلين تعرفت على الأساتذة خير الدين الزركلي، وضياء الدين رجب ، وحمزة شحاتة وأحمد ملائكة ومحمد سعيد باعشن على مائدة العشاء. وخلالها اتفقت مع الأستاذ ضياء الدين رجب أن يكتب لعكاظ كما وعدني الأستاذ حمزة شحاتة بأن يبعث لي بما يتيسر من شعره وقد حصل ذلك ولكن بمتابعة الشاعر الأستاذ محمد صالح باخطمة الذي كان يومها القنصل السعودي بالقاهرة.
في اليوم الثالث: التقى جلالة الملك فيصل رحمه الله بالطلبة الذين يدرسون بالقاهرة وقد حضر اللقاء كبار رجالات الجالية السعودية يتقدمهم الأستاذ حمزة شحاتة وقد تحدث الملك خلال اللقاء إلى أبنائه الطلبة بأن الوطن في انتظار عودتهم ليشاركوا بالاسهام في نهضته
وفي العصر شهد الملك فيصل مع الرئيس عبدالناصر افتتاح استاد القاهرة التي غادرها صباح اليوم التالي إلى المغرب لحضور مؤتمر القمة الذي عقد خلال شهر شوال عام 1389هـ وحضره جميع ملوك ورؤساء الدول العربية.
حوار الطائرة
وقبيل انتهاء المؤتمر التقى سفير المغرب بالوفد الاعلامي ودعاهم للبقاء اسبوعاً لزيارة مدن المغرب وعند استئذان الوفد من صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز سمح لهم بقبول الدعوة ، ولكني انسللت منها وعدت على الطائرة بمعية جلالة الملك والوفد الرسمي على أمل أن أحصل على حديث صحفي من الملك خلال رحلة العودة بالطائرة وكنت قد أعددت مجموعة من الأسئلة التي كانت تتعلق بالشأن العام للقضايا الداخلية.
وبعد مغادرة الطائرة المغرب في طريقها إلى المملكة بساعة عرضت على صاحب السمو الملكي الأمير سلطان الأسئلة وبعد أن قرأها تبسم ثم قال لي حفظه الله: شوف الأخ محمد النويصر.. فعدت إلى المقعد الذي خلف سمو الأمير سلطان حيث يجلس الشيخ النويصر وأخبرته بمشروعي فأخذ الأوراق ثم قال لي تعال. فذهبت وطرحت الأسئلة على جلالة الملك الذي شاهدت بيده ملفاً ضخماً.. فنظر إليَّ وقال: "ويش وراك المشوار طويل" !
وهنا سحبني الشيخ محمد النويصر.. وقال: قبل ما تنزل يمكن ترجع تاني.
ومضت الرحلة التي استغرقت ست ساعات كان خلالها الشاعر كنعان الخطيب ينشدنا حيناً شيئاً من الشعر، وحيناً يردد أغنية "أبو عبد الله" لوديع الصافي، وقبل الوصول بساعة عدت إلى الشيخ النويصر فقال هات الأسئلة.. وتعال لنا بعد غد في النيابة بالبغدادية.
وهنا وجدت الملك فيصل يلتفت نحونا فتقدمت نحوه – رحمه الله – وقلت: سأترك الأسئلة عند الشيخ محمد ورجائي أن أسمع من جلالتكم صحة ما يقال: أن هناك تشكيلا وزاريا جديدا؟.. فقال: "اسأل اللي قالوا؟".
وهنا أشار إليَّ الشيخ النويصر بالانسحاب وعدت إلى جدة التي كان مطارها قد ملأته جماهير المواطنين ووفود المناطق الذين جاؤوا لاستقبال جلالة الملك رحمه الله.
وإذا كانت هذه الرحلات هي التي اشتركت فيها مع الوفود الصحفية التي رافقت جلالة الملك فيصل رحمه الله.. فإن هناك مواقف كانت أولاها عندما ارتفقني الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار إلى النيابة العامة بجدة وهو يحمل قائمة أسماء الذين اختارهم لعضوية مؤسسة عكاظ لتقديمها لجلالة الملك فيصل بعد أن تأخر عدة شهور عن بقية الصحف.. فكان أن نظر الملك فيصل في الخطاب وقال: الأخ جميل في مكتبه – ويقصد أن وزير الاعلام جميل الحجيلان بمكتبه – وهو الذي يتلقى الطلب. وهنا قال الشيخ العطار: إن مؤسستنا يا جلالة الملك تضم هؤلاء الشباب - وأشار إليَّ – الذين لم تختر المؤسسات الأخرى أحداً منهم وربنا يجزيك بالخير عنهم.
ومن النيابة خرجنا لوزارة الاعلام ومقابلة الشيخ جميل الحجيلان.
* وفي رجب عام 1390هـ طلب معالي الأستاذ هشام ناظر من الصحفيين الحضور لمجلس الوزراء بمناسبة الجلسة التي سيترأسها الملك فيصل لاقرار خطة التنمية الأولى ومحاولة الحصول على تصريح من جلالته عنها.. فكان أن حضرت والأستاذ بدر كريم وبعدالجلسة توجهت لجلالته أسأله عن الخطة فقال: "أسأل الأخ هشام"؟
فكان أن توجهت لصاحب السمو الملكي ( خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز ) الذي أشار عليَّ بأن ألحقه إلى القصر مصطحباً الأخ بدر كريم ، لتلقي التصريح الذي نشرته عكاظ ونقلته عنها الاذاعة مساء اليوم التالي وخلاصته: أن هذه الخطة تمثل انجازاً هاماً لمستقبل الوطن وأهله. كما قدر لي أن أحضر في مستهل عام 1384هـ حفل افتتاح طريق الهدى الذي أقيم بمنطقة الهدى وشرفه جلالته وكان أن سألته رحمه الله بعد الحفل عن المشروع فقال: "أسأل الناس عنه.. وعسى الله يبارك في الأخ محمد" – يقصد معالي الأستاذ محمد عمر توفيق وزير المواصلات.
بمناسبة ذكر وزير المواصلات فقد حدث أن كنت في زيارة معالي الأستاذ حسين عرب بمكتبه بوزارة الحج والأوقاف بحثاً لديه عن خبر فوافاه البريد بخطاب وكان ذلك في تاريخ 13 رجب عام 1383هـ وفتح الخطاب الذي كان من جلالة الملك فيصل رئيس مجلس الوزراء متضمناً قبول استقالته تقديراً لظروفه الصحية.
وقد صدر في ذات اليوم تكليف لمعالي وزير المواصلات الشيخ محمد عمر توفيق بتولي وزارة الحج والأوقاف بالنيابة.. وبعد عامين من الجهد والمعاناة طلب الأستاذ محمد عمر من جلالة الملك فيصل اعفاءه من وزارة الحج والأوقاف بخطاب سلمه ليد الملك.. ومضى يوم وثان، وثالث دون أن يصدر أمر جلالته بشيء فظل يراجع الشيخ العباد والشيخ النويصر والشيخ عبد الله كامل ولكنهم جميعاً أخبروه بأنه لم يصلهم خطابه.
وفي المساء كنت عند معاليه بالرياض فقال: تعال نزور الشيخ حسن آل الشيخ الذي كان يومها يشغل منصب وزير الصحة مكلفاً إلى جانب وزارة المعارف.. وخلال الزيارة التي تمت في منزل الشيخ حسن قال له الأستاذ محمد عمر: لقد جئت إليك طالباً شفاعتك لدى الملك بأن يعفيني من وزارة الحج والأوقاف، وإن شاء أن يعفيني من وزارة المواصلات فإني لجلالته من الشاكرين فقد تعبت يا معالي الأخ.
وهنا تبسم الشيخ حسن وقال: طيب وأنا مين يشفع لي ليعفيني جلالته من وزارة الصحة؟
فقال الشيخ محمد عمر: على كل ربنا يوفقك وتخلصنا سوا.
في اليوم التالي وخلال استماع نشرة الأخبار في المغرب سمع الشيخ محمد عمر اعفاء الشيخ حسن آل الشيخ من وزارة الصحة وتعيين الشيخ جميل الحجيلان وزيراً لها دون أن يأتي ذكر الحج والأوقاف بشيء فركب سيارته وتوجه للديوان الملكي بالمعذر.
وحسب رواية معالي السيد أحمد عبد الوهاب رئيس المراسم الملكية: أن الشيخ محمد عمر سأله قائلاً: فينه فينه؟.. وكان جلالة الملك قد وصل قبله بقليل. فقال له: الآن دخل المكتب.
فدخل الأستاذ محمد عمر ووضع كلتا يديه على مقدمة مكتب جلالة الملك وقال: وبعدين .. يارعاك الله؟
فتبسم الملك.. ولكنه لم يتكلم فأشار الدكتور رشاد فرعون لمعالي الأستاذ محمد عمر بالجلوس … فجلس قليلاً ثم غادر وعندها – كما روى معالي السيد أحمد عبد الوهاب نقلاً عن معالي الدكتور رشاد فرعون – أن الملك فيصل رحمه الله قال:"يا ريت عندنا محمدعمر اثنين وأشار باصبعيه السبابة والوسطى".
إقالة الكهرباء
والحديث عن مواقف معلمي معالي الأستاذ محمد عمر توفيق يعيدني لذكرى اليوم الذي هطلت فيه الأمطار بغزارة على جدة مما أدى إلى انقطاع الكهرباء عن مطابع الأصفهاني التي تطبع بها عكاظ.. ولما انقضى الليل إلا أقله دون أن يعود التيــــار.. ودون أن نجد من المسؤولين عن الكهرباء من يرد علينا حدث أن اتصلت بصاحب السمو الملكي الأمير مشعل بن عبد العزيز الذي كان يومها أميراً لمنطقة مكة المكرمة وأخبرتـــه بمعاناتنا فكان أن كلف شرطة النجدة بقطع التيار عن منزل مدير شركة الكهرباء الشيخ حسين فتياني وعن منزل الشيخ الجفالي، ولعدم معرفة رجال النجدة بموقع منازل الفتياني والجفالي فقد "توهقت" وذهبت معهم حيث تم قطع التيار.
وعندما صدرت عكاظ في اليوم التالي كان الأستاذ علي العمير قد كتب صفحة روى فيها ما حدث وكيف تم قطع التيار الكهربائي عن منزل المسؤولين عن الكهرباء الذين أبرقوا لجلالة الملك بأن رئيس تحرير عكاظ قطع التيار عن منازلنا، فكان أن استدعاني معالي الشيخ جميل الحجيلان وزير الاعلام إلى الرياض وأبلغني بصدور الأمر باقالتي من رئاسة التحرير.
كان ذلك في شهر رجب، ومضى شهر شعبان وفي ليلة حلول شهر رمضان اتصل بي معالي الأستاذ محمد عمر توفيق هاتفياً يطلب حضوري للرياض التي توجهت إليها على الفور. وفي اليوم التالي ارتفقني لمقابلة جلالة الملك وبيدي خطاب اعتذار قلت فيه: إنه لولا الخطأ لما عرف الصواب وفي عطف جلالتكم ما يشفع لي بكريم عفوكم". وعندما شرفت بالسلام على جلالة الملك قال الأستاذ محمد عمر: لقد جاء ابنكم تائباً. فقال رحمه الله: "انت حكومة حتى تقطع التيار"؟ وهنا قال معالي الأستاذ: ملابسات يا طويل العمر".. ثم عدت وسلمت عليه مسترحماً عفوه وغادرت الرياض حيث صدر بعدها الأمر بعودتي للعمل. ومن ما مر بي وقد تعودت على التشرف بالسلام على جلالة الملك فيصل بمكتبه بالبغدادية والذي اسمه "النيابة" حتى بعد اعتلاء الفيصل سدة الحكم مما يدل على اعتزازه بتوليه نيابة الحكم عن المؤسس في الحجاز. في النيابة شهدت وسمعت في عامين متواليين خلال زياراتي الاسبوعية للتشرف بالسلام على جلالة الملك فيصل هذين الموقفين: الأول: عندما دخل على جلالته بصالون الاستقبال نفر من طلبة العلم الذين أحسن رحمه الله استقبالهم وأخذ ينصت لحديثهم وهم يتحدثون عن الاعلام وأهميته ، ثم التلفزيون وما يقدمه للمشاهد من تمثيليات لا تروق لهم، فما كان من الملك فيصل رحمه الله – وكأنني أسمعه الآن – وهو يقول لهم: "الأخ جميل لا يسمع الكلام ، ولذا فعندما أرى ما لا يعجبني أقفل التلفزيون".. ثم هب واقفاً متوجهاً لمكتبه.
والموقف الثاني: عندما طلب مني معالي الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله – سفير المملكة الأردنية وعميد السلك الدبلوماسي موعداً لزيارتي برئاسة تحرير عكاظ مساء ذلك اليوم برفقة السفير الهندي.
وبعد تبادل الحديث أخذ السفير الهندي يتحدث عن مقابلته لجلالة الملك فيصل ذلك الصباح وكيف كان الملك صاحب حنكة لا نظير لها. فسألت الشيخ الشنقيطي: ما هو الموضوع؟ فقال رحمه الله: سأختصر لك الموضوع يا حبيب ، وهو أن معالي السفير قابل الملك يشكو مما تنشرونه في عكاظ عن كشمير واستمرائكم ذلك فما كان من جلالة الملك فيصل إلا أن قال له:" إن الصحافة في بلادنا حرة تنشر ما يصل إليها من وكالة الأنباء ولا رقيب عليها وبإمكانك سؤالهم". ومعالي السفير يسأل: هل ستستمرون في ممارسة حريتكم.. وإلى متى؟
فقلت له: صدق جلالة الملك.. والشاهد على ذلك ما ننشره من انتقاد لأعمال المسؤولين في بلادنا.
تعليم المرأة
ولعل مما لا أنساه أنني كنت مسافراً بالخارج ويوم وصولي إلى جدة نشرت عكاظ خبراً بعنوان: "فاتن أمين شاكر تحضر مؤتمرا للحب".. ولم يكد يؤذن الظهر حتى أبلغني الأستاذ عزت مفتي مدير إدارة الاعلام بفرع وزارة الاعلام بجدة أن معالي وزير الاعلام يطلب حضوري للرياض هذا المساء.
وبالفعل توجهت عصراً واستقبلني الأخ فهد العيسى مدير مكتب عكاظ بالرياض وأخذني إلى مكتب وزير الاعلام الذي كان ساعتئذ يترأس اجتماع اللجنة العليا للاعلام بمكتبه بعد صلاة المغرب.. فأرسلت له بواسطة مدير مكتبه السيد ماجد الحسيني ورقة تبلغه بوصولي فوجهني بمراجعة معالي الشيخ محمد النويصر.. فذهبنا إلى مكتب الملك بالمعذر ولكنا لم نجد أحداً، فقيل لنا اذهبوا لقصر الملك.. وعندما ذهبنا إلى القصر كان الملك قد غادر المجلس.. فأعادونا للمكتب بالمعذر وجلست والأخ فهد بمكتب الشيخ محمد النويصر حتى وصول الملك رحمه الله ، وبعد حين أخذني الشيخ النويصر لمكتب قريب من مكتب الملك أعتقد أنه مكتب الشيخ صالح العباد رحمه الله.. وهنا جاءني معالي الدكتور رشاد فرعون الذي قال: ربنا أكرمك اليوم فقد جاء نفر من طلبة العلم وبيدهم عكاظ المنشور على صفحتها الأخيرة هالخبر – خبر فاتن شاكر – وهم يحتجون على تعليم البنات الذي وصل بنا لحضور مؤتمر للحب !!
فقلت لمعاليه: يشهد الله أني لم أسمح بنشر الخبر فقد جئت من لبنان البارحة.. وقد حققت فيه اليوم قبل حضوري فعلمت ان الخبر هو عن مؤتمر التعاطف ولكن المترجم استبدل الكلمة بالحب.
قال: كيف ما كان.. لقد أحرجتمونا وقد لا تعرفون أن جلالة الملك بذل الكثير من الجهد وقدم الشيء الكثير لتعليم الفتيات.. وكم عانى من أجل تعيين ممرضات في المستشفيات حتى أصبح ذلك شيئاً مألوفاً ، وإن تعليم البنات يحتاج لشيء من التعاون لكي ينتشر التعليم الذي ينهض بالمرأة.
قلت: هذا صحيح.
قال: طيب كيف ذلك وأنتم تنشرون مثل هذه الأخبار التي تعرقل مسيرة تعليم البنات.. خذوا بالكم من هذه المعوقات ولا تقدموا عليها.
أخذ الحديث أكثر من ثلثي الساعة، وقبل أن يتركني معالي الدكتور بالمكتب قال: انتظر.. وبعد قليل جاءني الشيخ محمد النويصر وأخذني لمكتب الملك الذي كان يطالع المعاملات.. وأمامه الشيخ صالح العباد يكتب توجيهات جلالته على المعاملات.
قلت: مساك الله بالخير ، وهنا أشار عليَّ الدكتور رشاد بالجلوس.
بعد حين رفع الملك رأسه وقال: "علمك الأخ رشاد".
قلت: نعم مولاي.
قال: "تعليم المرأة سيساعد على نهضة بلادكم فلا تعرقلوه بهذه الأخبار هداكم الله".
شكرت لجلالته وخرجت حامداً الله.. وهذه مناسبة تذكرني بوفد القصيم الذي جاء إلى الرياض لمقابلة الملك يطلب منع فتح مدارس البنات.
فقد كان الملك فيصل رحمه لله ، حريصاً على نشر التعليم بصورة عامة وتعليم الفتاة بصورة خاصة.. وعندما بدأت حركة فتح مدارس للبنات بجميع المدن جاء موكب من القصيم يطلب عدم فتح مدارس للبنات عندهم فرفض الملك فيصل مقابلة الركب، فاختاروا وفداً من بضعة أشخاص قال لهم الملك فيصل رحمه الله: "الدولة ستفتح المدارس ومن لا يريد تعليم ابنته فليقفل عليها الباب".
وفتحت المدارس فإذا بأهل القصيم بمرور الزمن يطالبون المزيد منها لاقبال بناتهم على التعليم الذي نبغ فيه البنات وتفوقن على الأولاد. وما حصل بالنسبة لمدارس البنات.. فقد تكرر الموقف بالنسبة لافتتاح محطة تلفزيون القصيم.. فقد جاء موكب من أهل القصيم يريدون الاعتراض على افتتاح محطة التلفزيون فرفض الملك اعتراضهم ، واختار صاحب السمو الملكي ( خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز – رحمه الله - ) وكان يومها وزيراً للداخلية للتوجه إلى القصيم وحضور حفل افتتاح المحطة التي توسعت لاحقاً وأصبحت من المحطات الرئيسية.
وأخيراً وليس آخراً فقد حدث أن زار الملك فيصل السودان وحضر احتفالات كثيرة وكبيرة.. وصادف أن جاء بعدها الرئيس السوداني اسماعيل الأزهري زائراً فأقيمت له الزينات وأقواس النصر في جدة ومكة المكرمة التي ذهب إليها معتمراً.. وما إن علم الملك فيصل بخبر اقامة الزينات في مكة المكرمة حتى قال لمعالي السيد أحمد عبد الوهاب رئيس التشريفات: "إن مكة المكرمة التي فيها بيت الله الحرام لا تتزين لأحد".
ويقول معالي السيد: إنه درس من ضمن ملايين الدروس التي تعلمتها من جلالة الملك فيصل رحمه الله.
وأختم بالذي كان يفخر به جلالة الملك فيصل رحمه لله، ولما كان العالم كله يقف احتراماً له من أجله ألا هو رعايته لشؤون الحرمين بوصفه نائباً للملك بالحجاز، واهتمامه بوحدة المسلمين الذين كان يلقى زعماءهم وممثليهم في الحفل السنوي الذي كان يقيمه مساء يوم السادس من شهر ذي الحجة ليستمع إليهم ويسمعهم ابراهيم الغزاوي قصيدة مناسبة ثم تلاه الشاعر عمر أبو ريشة في عامين بقصيدتين رائعتين.. ثم تحدث الفيصل رحمه الله بما يعالج قضايا الاسلام والمسلمين في كل عام بكلمة تجسد الاستراتيجية العملية لاستعادة المسلمين مكانتهم الساطعة.. وكان آخر خطاب له رحمه الله طلب فيه من الله الشهادة من أجل تحرير القدس وقد تحقق مأمله فمات شهيداً عليه رحمة الله.
انتهت الزيارة التي غادر الملك بعدها المغرب بتاريخ 1386/5/27هـ إلى غينيا حيث أمضى 3 أيام ومنها بتاريخ 1386/5/30هـ إلى مالي وفيها قضى جلالته أياماً ثلاثة.. لقي في الأولى والثانية من الترحيب وكريم الاستقبال ما لم تشهده أفريقيا كلها في استقبال أي زعيم.
والحق أن زيارة الملك فيصل – رحمه الله – لافريقيا كانت في غاية الأهمية فأنا لا أزعم أنه أدخل الاسلام إليها ولكن المؤكد أنه أيقظ الروح الاسلامية في أهلها ، أو بتعبيرنا الشعبي أزال الغبار الذي ران على القلوب بفعل الاستعمار الذي رحل.
ومن أفريقيا توجه جلالة الملك فيصل إلى تونس التي استقبله فيها الحبيب بورقيبة والشعب التونسي بأكمله وكان ذلك بتاريخ 1386/6/3هـ فقضى بتونس يومين وفي اليوم الثالث وخلال اجتماع الملك فيصل بالحبيب بورقيبة اقترح المنجي سليم وزير خارجية تونس على السيد أحمد عبد الوهاب أن يعرض على جلالة الملك قضاء ليلة في "مانستير" مسقط رأس الرئيس بورقيبة للاحتفاء به هناك في مهرجان شعبي، فلما عرض السيد الفكرة على جلالة الملك فيصل لم يجب لا بلاء أو نعم.. فسأل السيد معالي الدكتور رشاد رأيه فقال: الصمت علامة الموافقة.
وبالفعل توجه الملك ومرافقوه والوفد الاعلامي بالتبع إلى "المانستير" حيث شهدت احتفالاً زاحمت فيه قصائد الشعر كلمات الترحيب ورقصات الخيول والألعاب والأهازيج الشعبية المتعددة التي أمتعت الجميع.
الرحلة الثانية: كانت إلى القاهرة ، فالمغرب لحضور مؤتمر القمة العربي الخامس في الرباط عام 1389هـ.
الفيصل في القاهرة
ففي الطريق إلى الرباط قام الملك فيصل بزيارة للقاهرة تلبية لدعوة من الرئيس جمال عبدالناصر حيث قضينا بمعية جلالته ثلاثة أيام بلياليها أقام فيها الرئيس عبد الناصر حفل عشاء بالليلة الأولى، ثم أقام الملك فيصل بالليلة الثانية حفل عشاء بقصر الطاهرة حيث مقر اقامة جلالته وخلال الحفلين تعرفت على الأساتذة خير الدين الزركلي، وضياء الدين رجب ، وحمزة شحاتة وأحمد ملائكة ومحمد سعيد باعشن على مائدة العشاء. وخلالها اتفقت مع الأستاذ ضياء الدين رجب أن يكتب لعكاظ كما وعدني الأستاذ حمزة شحاتة بأن يبعث لي بما يتيسر من شعره وقد حصل ذلك ولكن بمتابعة الشاعر الأستاذ محمد صالح باخطمة الذي كان يومها القنصل السعودي بالقاهرة.
في اليوم الثالث: التقى جلالة الملك فيصل رحمه الله بالطلبة الذين يدرسون بالقاهرة وقد حضر اللقاء كبار رجالات الجالية السعودية يتقدمهم الأستاذ حمزة شحاتة وقد تحدث الملك خلال اللقاء إلى أبنائه الطلبة بأن الوطن في انتظار عودتهم ليشاركوا بالاسهام في نهضته
وفي العصر شهد الملك فيصل مع الرئيس عبدالناصر افتتاح استاد القاهرة التي غادرها صباح اليوم التالي إلى المغرب لحضور مؤتمر القمة الذي عقد خلال شهر شوال عام 1389هـ وحضره جميع ملوك ورؤساء الدول العربية.
حوار الطائرة
وقبيل انتهاء المؤتمر التقى سفير المغرب بالوفد الاعلامي ودعاهم للبقاء اسبوعاً لزيارة مدن المغرب وعند استئذان الوفد من صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز سمح لهم بقبول الدعوة ، ولكني انسللت منها وعدت على الطائرة بمعية جلالة الملك والوفد الرسمي على أمل أن أحصل على حديث صحفي من الملك خلال رحلة العودة بالطائرة وكنت قد أعددت مجموعة من الأسئلة التي كانت تتعلق بالشأن العام للقضايا الداخلية.
وبعد مغادرة الطائرة المغرب في طريقها إلى المملكة بساعة عرضت على صاحب السمو الملكي الأمير سلطان الأسئلة وبعد أن قرأها تبسم ثم قال لي حفظه الله: شوف الأخ محمد النويصر.. فعدت إلى المقعد الذي خلف سمو الأمير سلطان حيث يجلس الشيخ النويصر وأخبرته بمشروعي فأخذ الأوراق ثم قال لي تعال. فذهبت وطرحت الأسئلة على جلالة الملك الذي شاهدت بيده ملفاً ضخماً.. فنظر إليَّ وقال: "ويش وراك المشوار طويل" !
وهنا سحبني الشيخ محمد النويصر.. وقال: قبل ما تنزل يمكن ترجع تاني.
ومضت الرحلة التي استغرقت ست ساعات كان خلالها الشاعر كنعان الخطيب ينشدنا حيناً شيئاً من الشعر، وحيناً يردد أغنية "أبو عبد الله" لوديع الصافي، وقبل الوصول بساعة عدت إلى الشيخ النويصر فقال هات الأسئلة.. وتعال لنا بعد غد في النيابة بالبغدادية.
وهنا وجدت الملك فيصل يلتفت نحونا فتقدمت نحوه – رحمه الله – وقلت: سأترك الأسئلة عند الشيخ محمد ورجائي أن أسمع من جلالتكم صحة ما يقال: أن هناك تشكيلا وزاريا جديدا؟.. فقال: "اسأل اللي قالوا؟".
وهنا أشار إليَّ الشيخ النويصر بالانسحاب وعدت إلى جدة التي كان مطارها قد ملأته جماهير المواطنين ووفود المناطق الذين جاؤوا لاستقبال جلالة الملك رحمه الله.
وإذا كانت هذه الرحلات هي التي اشتركت فيها مع الوفود الصحفية التي رافقت جلالة الملك فيصل رحمه الله.. فإن هناك مواقف كانت أولاها عندما ارتفقني الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار إلى النيابة العامة بجدة وهو يحمل قائمة أسماء الذين اختارهم لعضوية مؤسسة عكاظ لتقديمها لجلالة الملك فيصل بعد أن تأخر عدة شهور عن بقية الصحف.. فكان أن نظر الملك فيصل في الخطاب وقال: الأخ جميل في مكتبه – ويقصد أن وزير الاعلام جميل الحجيلان بمكتبه – وهو الذي يتلقى الطلب. وهنا قال الشيخ العطار: إن مؤسستنا يا جلالة الملك تضم هؤلاء الشباب - وأشار إليَّ – الذين لم تختر المؤسسات الأخرى أحداً منهم وربنا يجزيك بالخير عنهم.
ومن النيابة خرجنا لوزارة الاعلام ومقابلة الشيخ جميل الحجيلان.
* وفي رجب عام 1390هـ طلب معالي الأستاذ هشام ناظر من الصحفيين الحضور لمجلس الوزراء بمناسبة الجلسة التي سيترأسها الملك فيصل لاقرار خطة التنمية الأولى ومحاولة الحصول على تصريح من جلالته عنها.. فكان أن حضرت والأستاذ بدر كريم وبعدالجلسة توجهت لجلالته أسأله عن الخطة فقال: "أسأل الأخ هشام"؟
فكان أن توجهت لصاحب السمو الملكي ( خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز ) الذي أشار عليَّ بأن ألحقه إلى القصر مصطحباً الأخ بدر كريم ، لتلقي التصريح الذي نشرته عكاظ ونقلته عنها الاذاعة مساء اليوم التالي وخلاصته: أن هذه الخطة تمثل انجازاً هاماً لمستقبل الوطن وأهله. كما قدر لي أن أحضر في مستهل عام 1384هـ حفل افتتاح طريق الهدى الذي أقيم بمنطقة الهدى وشرفه جلالته وكان أن سألته رحمه الله بعد الحفل عن المشروع فقال: "أسأل الناس عنه.. وعسى الله يبارك في الأخ محمد" – يقصد معالي الأستاذ محمد عمر توفيق وزير المواصلات.
بمناسبة ذكر وزير المواصلات فقد حدث أن كنت في زيارة معالي الأستاذ حسين عرب بمكتبه بوزارة الحج والأوقاف بحثاً لديه عن خبر فوافاه البريد بخطاب وكان ذلك في تاريخ 13 رجب عام 1383هـ وفتح الخطاب الذي كان من جلالة الملك فيصل رئيس مجلس الوزراء متضمناً قبول استقالته تقديراً لظروفه الصحية.
وقد صدر في ذات اليوم تكليف لمعالي وزير المواصلات الشيخ محمد عمر توفيق بتولي وزارة الحج والأوقاف بالنيابة.. وبعد عامين من الجهد والمعاناة طلب الأستاذ محمد عمر من جلالة الملك فيصل اعفاءه من وزارة الحج والأوقاف بخطاب سلمه ليد الملك.. ومضى يوم وثان، وثالث دون أن يصدر أمر جلالته بشيء فظل يراجع الشيخ العباد والشيخ النويصر والشيخ عبد الله كامل ولكنهم جميعاً أخبروه بأنه لم يصلهم خطابه.
وفي المساء كنت عند معاليه بالرياض فقال: تعال نزور الشيخ حسن آل الشيخ الذي كان يومها يشغل منصب وزير الصحة مكلفاً إلى جانب وزارة المعارف.. وخلال الزيارة التي تمت في منزل الشيخ حسن قال له الأستاذ محمد عمر: لقد جئت إليك طالباً شفاعتك لدى الملك بأن يعفيني من وزارة الحج والأوقاف، وإن شاء أن يعفيني من وزارة المواصلات فإني لجلالته من الشاكرين فقد تعبت يا معالي الأخ.
وهنا تبسم الشيخ حسن وقال: طيب وأنا مين يشفع لي ليعفيني جلالته من وزارة الصحة؟
فقال الشيخ محمد عمر: على كل ربنا يوفقك وتخلصنا سوا.
في اليوم التالي وخلال استماع نشرة الأخبار في المغرب سمع الشيخ محمد عمر اعفاء الشيخ حسن آل الشيخ من وزارة الصحة وتعيين الشيخ جميل الحجيلان وزيراً لها دون أن يأتي ذكر الحج والأوقاف بشيء فركب سيارته وتوجه للديوان الملكي بالمعذر.
وحسب رواية معالي السيد أحمد عبد الوهاب رئيس المراسم الملكية: أن الشيخ محمد عمر سأله قائلاً: فينه فينه؟.. وكان جلالة الملك قد وصل قبله بقليل. فقال له: الآن دخل المكتب.
فدخل الأستاذ محمد عمر ووضع كلتا يديه على مقدمة مكتب جلالة الملك وقال: وبعدين .. يارعاك الله؟
فتبسم الملك.. ولكنه لم يتكلم فأشار الدكتور رشاد فرعون لمعالي الأستاذ محمد عمر بالجلوس … فجلس قليلاً ثم غادر وعندها – كما روى معالي السيد أحمد عبد الوهاب نقلاً عن معالي الدكتور رشاد فرعون – أن الملك فيصل رحمه الله قال:"يا ريت عندنا محمدعمر اثنين وأشار باصبعيه السبابة والوسطى".
إقالة الكهرباء
والحديث عن مواقف معلمي معالي الأستاذ محمد عمر توفيق يعيدني لذكرى اليوم الذي هطلت فيه الأمطار بغزارة على جدة مما أدى إلى انقطاع الكهرباء عن مطابع الأصفهاني التي تطبع بها عكاظ.. ولما انقضى الليل إلا أقله دون أن يعود التيــــار.. ودون أن نجد من المسؤولين عن الكهرباء من يرد علينا حدث أن اتصلت بصاحب السمو الملكي الأمير مشعل بن عبد العزيز الذي كان يومها أميراً لمنطقة مكة المكرمة وأخبرتـــه بمعاناتنا فكان أن كلف شرطة النجدة بقطع التيار عن منزل مدير شركة الكهرباء الشيخ حسين فتياني وعن منزل الشيخ الجفالي، ولعدم معرفة رجال النجدة بموقع منازل الفتياني والجفالي فقد "توهقت" وذهبت معهم حيث تم قطع التيار.
وعندما صدرت عكاظ في اليوم التالي كان الأستاذ علي العمير قد كتب صفحة روى فيها ما حدث وكيف تم قطع التيار الكهربائي عن منزل المسؤولين عن الكهرباء الذين أبرقوا لجلالة الملك بأن رئيس تحرير عكاظ قطع التيار عن منازلنا، فكان أن استدعاني معالي الشيخ جميل الحجيلان وزير الاعلام إلى الرياض وأبلغني بصدور الأمر باقالتي من رئاسة التحرير.
كان ذلك في شهر رجب، ومضى شهر شعبان وفي ليلة حلول شهر رمضان اتصل بي معالي الأستاذ محمد عمر توفيق هاتفياً يطلب حضوري للرياض التي توجهت إليها على الفور. وفي اليوم التالي ارتفقني لمقابلة جلالة الملك وبيدي خطاب اعتذار قلت فيه: إنه لولا الخطأ لما عرف الصواب وفي عطف جلالتكم ما يشفع لي بكريم عفوكم". وعندما شرفت بالسلام على جلالة الملك قال الأستاذ محمد عمر: لقد جاء ابنكم تائباً. فقال رحمه الله: "انت حكومة حتى تقطع التيار"؟ وهنا قال معالي الأستاذ: ملابسات يا طويل العمر".. ثم عدت وسلمت عليه مسترحماً عفوه وغادرت الرياض حيث صدر بعدها الأمر بعودتي للعمل. ومن ما مر بي وقد تعودت على التشرف بالسلام على جلالة الملك فيصل بمكتبه بالبغدادية والذي اسمه "النيابة" حتى بعد اعتلاء الفيصل سدة الحكم مما يدل على اعتزازه بتوليه نيابة الحكم عن المؤسس في الحجاز. في النيابة شهدت وسمعت في عامين متواليين خلال زياراتي الاسبوعية للتشرف بالسلام على جلالة الملك فيصل هذين الموقفين: الأول: عندما دخل على جلالته بصالون الاستقبال نفر من طلبة العلم الذين أحسن رحمه الله استقبالهم وأخذ ينصت لحديثهم وهم يتحدثون عن الاعلام وأهميته ، ثم التلفزيون وما يقدمه للمشاهد من تمثيليات لا تروق لهم، فما كان من الملك فيصل رحمه الله – وكأنني أسمعه الآن – وهو يقول لهم: "الأخ جميل لا يسمع الكلام ، ولذا فعندما أرى ما لا يعجبني أقفل التلفزيون".. ثم هب واقفاً متوجهاً لمكتبه.
والموقف الثاني: عندما طلب مني معالي الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله – سفير المملكة الأردنية وعميد السلك الدبلوماسي موعداً لزيارتي برئاسة تحرير عكاظ مساء ذلك اليوم برفقة السفير الهندي.
وبعد تبادل الحديث أخذ السفير الهندي يتحدث عن مقابلته لجلالة الملك فيصل ذلك الصباح وكيف كان الملك صاحب حنكة لا نظير لها. فسألت الشيخ الشنقيطي: ما هو الموضوع؟ فقال رحمه الله: سأختصر لك الموضوع يا حبيب ، وهو أن معالي السفير قابل الملك يشكو مما تنشرونه في عكاظ عن كشمير واستمرائكم ذلك فما كان من جلالة الملك فيصل إلا أن قال له:" إن الصحافة في بلادنا حرة تنشر ما يصل إليها من وكالة الأنباء ولا رقيب عليها وبإمكانك سؤالهم". ومعالي السفير يسأل: هل ستستمرون في ممارسة حريتكم.. وإلى متى؟
فقلت له: صدق جلالة الملك.. والشاهد على ذلك ما ننشره من انتقاد لأعمال المسؤولين في بلادنا.
تعليم المرأة
ولعل مما لا أنساه أنني كنت مسافراً بالخارج ويوم وصولي إلى جدة نشرت عكاظ خبراً بعنوان: "فاتن أمين شاكر تحضر مؤتمرا للحب".. ولم يكد يؤذن الظهر حتى أبلغني الأستاذ عزت مفتي مدير إدارة الاعلام بفرع وزارة الاعلام بجدة أن معالي وزير الاعلام يطلب حضوري للرياض هذا المساء.
وبالفعل توجهت عصراً واستقبلني الأخ فهد العيسى مدير مكتب عكاظ بالرياض وأخذني إلى مكتب وزير الاعلام الذي كان ساعتئذ يترأس اجتماع اللجنة العليا للاعلام بمكتبه بعد صلاة المغرب.. فأرسلت له بواسطة مدير مكتبه السيد ماجد الحسيني ورقة تبلغه بوصولي فوجهني بمراجعة معالي الشيخ محمد النويصر.. فذهبنا إلى مكتب الملك بالمعذر ولكنا لم نجد أحداً، فقيل لنا اذهبوا لقصر الملك.. وعندما ذهبنا إلى القصر كان الملك قد غادر المجلس.. فأعادونا للمكتب بالمعذر وجلست والأخ فهد بمكتب الشيخ محمد النويصر حتى وصول الملك رحمه الله ، وبعد حين أخذني الشيخ النويصر لمكتب قريب من مكتب الملك أعتقد أنه مكتب الشيخ صالح العباد رحمه الله.. وهنا جاءني معالي الدكتور رشاد فرعون الذي قال: ربنا أكرمك اليوم فقد جاء نفر من طلبة العلم وبيدهم عكاظ المنشور على صفحتها الأخيرة هالخبر – خبر فاتن شاكر – وهم يحتجون على تعليم البنات الذي وصل بنا لحضور مؤتمر للحب !!
فقلت لمعاليه: يشهد الله أني لم أسمح بنشر الخبر فقد جئت من لبنان البارحة.. وقد حققت فيه اليوم قبل حضوري فعلمت ان الخبر هو عن مؤتمر التعاطف ولكن المترجم استبدل الكلمة بالحب.
قال: كيف ما كان.. لقد أحرجتمونا وقد لا تعرفون أن جلالة الملك بذل الكثير من الجهد وقدم الشيء الكثير لتعليم الفتيات.. وكم عانى من أجل تعيين ممرضات في المستشفيات حتى أصبح ذلك شيئاً مألوفاً ، وإن تعليم البنات يحتاج لشيء من التعاون لكي ينتشر التعليم الذي ينهض بالمرأة.
قلت: هذا صحيح.
قال: طيب كيف ذلك وأنتم تنشرون مثل هذه الأخبار التي تعرقل مسيرة تعليم البنات.. خذوا بالكم من هذه المعوقات ولا تقدموا عليها.
أخذ الحديث أكثر من ثلثي الساعة، وقبل أن يتركني معالي الدكتور بالمكتب قال: انتظر.. وبعد قليل جاءني الشيخ محمد النويصر وأخذني لمكتب الملك الذي كان يطالع المعاملات.. وأمامه الشيخ صالح العباد يكتب توجيهات جلالته على المعاملات.
قلت: مساك الله بالخير ، وهنا أشار عليَّ الدكتور رشاد بالجلوس.
بعد حين رفع الملك رأسه وقال: "علمك الأخ رشاد".
قلت: نعم مولاي.
قال: "تعليم المرأة سيساعد على نهضة بلادكم فلا تعرقلوه بهذه الأخبار هداكم الله".
شكرت لجلالته وخرجت حامداً الله.. وهذه مناسبة تذكرني بوفد القصيم الذي جاء إلى الرياض لمقابلة الملك يطلب منع فتح مدارس البنات.
فقد كان الملك فيصل رحمه لله ، حريصاً على نشر التعليم بصورة عامة وتعليم الفتاة بصورة خاصة.. وعندما بدأت حركة فتح مدارس للبنات بجميع المدن جاء موكب من القصيم يطلب عدم فتح مدارس للبنات عندهم فرفض الملك فيصل مقابلة الركب، فاختاروا وفداً من بضعة أشخاص قال لهم الملك فيصل رحمه الله: "الدولة ستفتح المدارس ومن لا يريد تعليم ابنته فليقفل عليها الباب".
وفتحت المدارس فإذا بأهل القصيم بمرور الزمن يطالبون المزيد منها لاقبال بناتهم على التعليم الذي نبغ فيه البنات وتفوقن على الأولاد. وما حصل بالنسبة لمدارس البنات.. فقد تكرر الموقف بالنسبة لافتتاح محطة تلفزيون القصيم.. فقد جاء موكب من أهل القصيم يريدون الاعتراض على افتتاح محطة التلفزيون فرفض الملك اعتراضهم ، واختار صاحب السمو الملكي ( خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز – رحمه الله - ) وكان يومها وزيراً للداخلية للتوجه إلى القصيم وحضور حفل افتتاح المحطة التي توسعت لاحقاً وأصبحت من المحطات الرئيسية.
وأخيراً وليس آخراً فقد حدث أن زار الملك فيصل السودان وحضر احتفالات كثيرة وكبيرة.. وصادف أن جاء بعدها الرئيس السوداني اسماعيل الأزهري زائراً فأقيمت له الزينات وأقواس النصر في جدة ومكة المكرمة التي ذهب إليها معتمراً.. وما إن علم الملك فيصل بخبر اقامة الزينات في مكة المكرمة حتى قال لمعالي السيد أحمد عبد الوهاب رئيس التشريفات: "إن مكة المكرمة التي فيها بيت الله الحرام لا تتزين لأحد".
ويقول معالي السيد: إنه درس من ضمن ملايين الدروس التي تعلمتها من جلالة الملك فيصل رحمه الله.
وأختم بالذي كان يفخر به جلالة الملك فيصل رحمه لله، ولما كان العالم كله يقف احتراماً له من أجله ألا هو رعايته لشؤون الحرمين بوصفه نائباً للملك بالحجاز، واهتمامه بوحدة المسلمين الذين كان يلقى زعماءهم وممثليهم في الحفل السنوي الذي كان يقيمه مساء يوم السادس من شهر ذي الحجة ليستمع إليهم ويسمعهم ابراهيم الغزاوي قصيدة مناسبة ثم تلاه الشاعر عمر أبو ريشة في عامين بقصيدتين رائعتين.. ثم تحدث الفيصل رحمه الله بما يعالج قضايا الاسلام والمسلمين في كل عام بكلمة تجسد الاستراتيجية العملية لاستعادة المسلمين مكانتهم الساطعة.. وكان آخر خطاب له رحمه الله طلب فيه من الله الشهادة من أجل تحرير القدس وقد تحقق مأمله فمات شهيداً عليه رحمة الله.