ما العلاقة بين مسلسل (باب الحارة).. وبرنامج (شاعر المليون)؟! ربما يرى البعض أني أخلط بين ضدين في إناء واحد.. كمن يخلط الملح والسكر ويطلب أن تكون الطبخة رائعة المذاق!!
لا أخلط، وعلى حد علمي لم أخرّف بعد! وأرى أن بين الاثنين علاقة وثيقة ووطيدة جداً، فالرابط بينهما يمثل أهم المطلوب عند جميع المشتغلين بوسائل الإعلام!.. الإقبال الجماهيري!
والمفارقة أن الاثنين على اختلافهما لعبا على نفس الوتر ولامسا المناطق المعزولة عند إنسان الجزيرة والخليج!! المنطقة الشعبية.. والوتر الشعبي!! لذلك حقق الاثنان درجة عالية من الذيوع والانتشار نتيجة الإقبال الجماهيري الذي تحقق لهما بناء على تلبيتهما لما تطلبه الجماهير!! فلقد غادر الإنسان الخليجي منطقته الشعبية المستقرة داخل نفسه منذ أن دخل التطور قلب الجزيرة وسواحلها وجرف معه الحياة القديمة بكل تفاصيلها الصغيرة، كما جرف الإنسان نفسه وغيّر فيه! تغيّر حتى لسانه ومخارج ألفاظه ولغته اليومية، وعندما بدأت برامج العناية بالشعراء وليس الشعر، تجدد الحنين للألفاظ الشعبية بليغة التأثير والتعبير وظهر إنسان الخليج على أصله رغم أنه صار ناطقاً باللغة الأجنبية من فرط التطور حتى وهو يتكلم على الهاتف حديثا أخويا!!! أو همسا غراميا!!! ومن هنا كان لهذا البرنامج ذلك الإقبال على الماضي بألفاظه وبصورته الشعبية التي زالت بمرور السنين ولم يبق لها أثر غير الذاكرة. وكانت هذه البرامج في بدايتها عبارة عن برامج ترفيهية تُدر ربحاً مغرياً، خاصة في طريقة التصويت الجماعي المسماة (بكيج).. فلفرط الاستغراق الخليجي في اللفظ الأجنبي لم يجدوا لفظا معرّبا ويكون عربياً للتعبير عن طريقة التصويت فاكتفوا بالأجنبي! لذا الناس تدفقت تبحث عن ذاتها وعن ماضيها وأمجادها.. خاصة في الشعر الذي هو المغناطيس الجاذب لسكان الجزيرة والخليج تحديداً وللعرب جميعاً! فإنسان قلب الجزيرة قبل أن ينطق بأي شيء تعلمه في المدارس ينطق شعراً!! وفي شاعر المليون عودة إلى الجذور وفيه ظهرت النسخة الشعبية لإنسان الجزيرة والخليج، وهذه النسخة هي النسخة الأصلية لأن بعبارة صريحة أقول الإنسان الخليجي تجمعه الكلمة وتفرقه العصبية!! لذا أقبلت الناس بعد أن لامس شاعر المليون مناطقها المعزولة، فالتطور والحضارة لقلب الجزيرة فرضا نوعية حياة وممارسات أقصت بقوة التمدن تفاصيل قامت عليها الشخصية الخليجية، منها مثلاً العصبية القبلية، حب المظاهر، الافتخار بالذات والأصل والحسب والنسب، وهكذا حتى اللفظ الشعبي المستخدم وراء الكواليس! كل ذلك حدد درجة الإقبال الجماهيري فكانت نسبتها عالية جداً، ونفس المضمون بذات الإيحاء كان (باب الحارة) وجد الناس فيه الشخصيات الشعبية التي غابت عن واقع اليوم بفضائلها النادرة! لم تعد لدينا ـ اليوم ـ ممارسات تقتضي فروسيات أخلاقية على عكس الذين يفوزون بالنعيم في دنيا العرب هم في الغالب من شُطار الفرص، وتجار المواقف، وأصحاب الألسنة المراوغة والملونة! لذا وجد الناس في «باب الحارة» المفقود في عالمهم.. الشهامة والحمية والذود عن المحارم وليس الاعتداء على المحارم.. كما وجدوا الرجولة والأنوثة في قوالبها الفطرية دون رتوش! ذلك يعني أن العمل الناجح في وسيلة الإعلام هو الحقيقة الشعبية.. إنها مدخل النجاح.. ومدخل الخطر أيضاً.. انتبهوا.

للتواصل ارسل s m s الى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 152 ثم الرسالة