هذا كلام لا (يودِّي) ولا (يجيب).. ولا يضر ولا ينفع.. تحمله الريح لجهات الدنيا الأربع.. يرتطم بآذان الحيطان ويرجع..! انه كلام في الريح.. فماذا تأخذ الريح من البلاط؟!
كان (رجب) مسترسلاً في حديث مفعم بحيوية (حيوانية).. طفحت بشائره وطغت على سرائره.. وبرقت عيناه.. وانتفخ صدغاه.. وانطلقت عبارات (بلا مونتاج) تكشف المستور!.
لكزه الاخ الاكبر منبهاً الى وجود الولد (الصغير):
- انتبه يا رجب.. «الحمام لا يلقط الحَب»!.
كان الصغير يتشاغل عن عمه وابيه بكتاب مدرسي، تتقافز حروفه امام عينيه دون ان تنتظم في جملة مفيدة!.
لقد (فكَّ) من زمن بعيد (شِفْرة) (الحمام) الذي يلقُط (الحَب).. ولولاها ما كان يمكن ان يكون حفياً بوشوشات السادة الكبار.. وها هو يكتشف من خلال (التشفير) ان وراء الاكمة ما وراءها.. وان هذا الذي وراءها لا يمكن ان يكون خيراً (ابداً)!.
كلهم مفضوحون السادة (الكبار).. كان عليهم ان يغيِّروا (التشفير).. فما عاد (الحمام) ينتظر من ينثر له (الحَب)..
انه يعانق الفضاء بعيداً عن (العُش).. متنقلاً من فنَنٍ الى فنن.. يرقب (السابحات) في الفلك.. يجيئه الخبر اليقين من ابن عمه (الهدهد)!.
انه يعرف (البير وغطاه)!.
ويسأل (الصغير): «لماذا يحاول ان يتذاكى (السادة الكبار)؟.
انهم يبدون (حينئذ) اصغر من سننا بكثير!.
التلفزيون (قدامنا)..
و(الانترنت) من ورائنا..
والعالم (اللي ما يشتري يتفرَّج)!.
مساكين السادة الكبار.. إنَّهم يعرُجون في حارة (العُرج).. ويبيعون (الموية) في حارة السقايين!.



الدكان
عزَّل (صايم عبدالدايم) دكَّانه اليوم على غير عادة.. فهو دائماً ينتظر سماع صوت آخر (زرفونة) وآخر (درفة) تُغلق، في آخر دكان في السوق.. ليتأكد من أن الزبائن قد ناموا عن بكرة أبيهم وأمهم.. وان أياً من أصحاب (الدكاكين) الاخرى -وخاصة (عبدالباري) و(صنع الله) لن يظفروا بزبون واحد يشتري (مكنسة خصف) أو حتى (فتيلة فانوس)!
ظل دكان (صايم عبدالدايم) مفتوحاً ولم يُقفل حتى في (الشديد القوي) وفي أزمات عدَّة وعلى رأسها (ابرزها) حادثة حريق السوق، حينما لم يفلح أهل الحارة في إخراجه من الدكان فهو يفضِّل الموت مرة واحدة -مع البضاعة- على أن يموت حسرة عليها.. وقد صمد وعاش ثلاثة أضعاف سن المعاش!
وحينما انتقلت زوجته الى رحمة الله بعد معاناة طويلة (معه) ومع المرض عهد الى أهلها بإجراء اللازم!.
لقد تأثر لفقدها.. ولم يقوَ على مواجهة ذلك الموقف العصيب.. وفضَّل ان يعتصم في (الدكان) لئلا يسقط مغشياً عليه.. ويلحق بالفقيدة الغالية التي دعا لها بظهر الغيب..
رحمها الله (منه).. وأسكنها فسيح جناته..
.......
ما فتئت الفقيدة طوال حياتها تذكر ذلك اليوم الذي أعلن فيه زوجها (صايم عبدالدايم) أن أباه قضى نحبه بلقمة غصَّ بها، بعد أن اكتشف أنها من حرِّ ماله.. وأوصى ولده -إن قُدِّر له الزواج- أن يدعو الناس الى زفافه في نهار رمضان ثم ينصرفون راشدين الى منازلهم قبل مدفع الافطار، تصحبهم السلامة، وتحفهم العناية!.
........
شب أولاد (صايم عبدالدايم) على هيئة من الرشاقة ليس لها نظير.. فلا شحم يقعدهم.. ولا لحم ينهضهم.. حتى لقوا وجه ربهم بين قانع ومُعْتر!.
آلت تركة الأولاد و(أمهم) لأبيهم.. الذي أدى رسالته على أكمل وجه واطمأن على (راحتهم) واحداً تلو الآخر.. وأمضى بعدهم زمناً طويلاً في الدكان، قبل ان يلحق بأسرته مشهوداً له بالصمود والتصدي!.
ويرى (المؤرخون) أن (صايم عبدالدايم) هو رائد فكرة (24) على (24) ساعة، التي تطبقها المراكز التجارية والصيدليات المناوبة و(الشرشورة)!.
وبما أن البقاء لله وحده، فقد رحل المرحوم.. ومات رجل (لا كالرجال).. ووري جثمانه في (الدكان) الذي كتب عليه بالفحم الحجري:
وما الناس الا (جائع) وابن (جائعٍ)
وذو نسبٍ في (الجائعين) عريق!.