اعتقدت بأن جولة الكرنتينا هي نهاية الخطر لكشف خبايا الأحياء العشوائية، وان ما بقي درجة تلي خطوتي الأولى لكني اكتشفت عكس ذلك تماما فالجريمة في غليل اكثر خطورة وتنظيما، وعدوانية القائمين عليها فوق الوصف، عيون تحدقت نحو الغريب، وصفارات المراقبين تعلو عند مرور رجال مكافحة المخدرات، حالة من التأهب دائمة ومستمرة ما دام الترويج على اشده الازقة الضيقة في غليل تزيد من صعوبة الأمر وتساعد على تفاقم المشاكل ، فبعد جولتنا بت أجزم ان عشوائية غليل لا مثيل لها في جدة، منازل شيدت بعضها فوق بعض وشوارع ضيقة إلى حد ان منها لا يسمح بمرور اكثر من رجلين فقط، مما يزيد من خطورة رصد الحركة هناك والسير كما يحلو لي، خاصة ان من السكان من نصحني بعدم السير بمفردي في أزقة محددة فقد أتعرض للهجوم من قبل المروجين وسرقة ما لدي، وقد يصل الأمر لسرقة سيارتي، رافقني احد السكان الذي أبدى لي انزعاجه الشديد مما يجري في أروقة الحي ولم يكتف بذلك بل راح يحدثني عن كثير من الجرائم التي وقعت أمام مرأى الجميع، وأعداد المروجين التي باتت تتزايد يوما بعد يوم.

الأولى في قائمة الجريمة
لذلك كان لغليل ما تريد فالدراسة الاكاديمية التي اجرتها الدكتورة عبلة جميل حسنين رئيسة القسم النسائي بإدارة مكافحة المخدرات بجدة منحت غليل الصدارة في نسبة الجرائم في الاحياء العشوائية الأخرى حيث بلغت عدد الجرائم 31.8% من اجمالي جرائم المناطق العشوائية واعطتها الدراسة 24.3% من اجمالي الجرائم في جدة ككل، كما استطاعت الدراسة ان تزيح الستار عن تاريخ حي غليل الذي يعود إلى عام 1374هـ والذي يزداد فيه اعداد المتخلفين بشكل يفوق الاحياء العشوائية الأخرى والمحت الدراسة إلى نقطة هامة وهي ارتفاع نسبة الأمية حيث بلغ عدد الأميين في الحي 30% من السكان أي الثلث فيما 54% من عينة البحث يحملون الشهادة الابتدائية مما يعني ان 84% من العينة دون مستوى التعليم المتوسط. أما عن السكان فقد ذكرت دراسة أخرى ان 80% منهم من الوافدين يقتسمها اليمنيون والافارقة بالمناصفة، معظمهم غير نظاميين ويحتل بيع المخدرات المركز الأول في قائمة الجريمة هناك، ثم السرقة والمضاربات والقتل.

جامايكا
لقاؤنا كان عند سوق غليل الشعبي فلا اشكال من الوقوف هناك حيث اكتظاظ المكان بالمارة والمتسوقين، وفي الرابعة عصرا وجدت مرافقي صعد بجواري وطلب مني المسير إلى ناحية كبري الميناء وقبل ان نصل إليه بأمتار أشار إلي ان اتجه يساراً طالبا مني الولوج من "زقاق" ضيق.. وأجاب قبل ان اسأله.. هذه هي بداية "جامايكا1" وهناك في نهاية الشارع يتفرع شارع آخر يطلقون عليه "جامايكا2" كلها في الأمر سواء حبوب وحشيش وخمر، بدأنا في الدخول فكانت الصورة عبارة عن مجموعة من الشباب غالبيتهم من الوافدين المتخلفين يقفون على جانبي الطريق نظراتهم وزعوها بيني وبين مرافقي، احدهم قدم لنا اشارة سريعة برأسه ويعني "عندي كل شيء" آخر اطلق صفيرا من فمه وآخر يتنحنح، اختلفت الاشارات ولكن العرض لم يختلف.. "مخدرات" ولا تبحث في "جامايكا" غير ذلك واذا بحثت فلن تجد، الشارع ضيق لا يتسع إلا لسيارة واحدة فقط ومنه تتفرع أزقة ضيقة تنفذ إلى داخل الحي وإلى الشارع العام، المنازل صغيرة للغاية وقصيرة، أطفال الحي يلهون وكأن شيئاً لا يحدث، قطعنا ذلك الشارع بالسيارة على قدر دقيقة من الوقت كان السير متقطعا بسبب السيارات التي تسبقني فمرة تقف عند شخص وتسير فتقف عند آخر، إلى ان نفذنا إلى الشارع العام عند كبري الميناء، فأول ما قلته لصاحبي بعد ذلك.. أين فرق المخدرات عنهم؟
فأجاب مبتسما: الفرق تدخل جامايكا في اليوم ألف مرة ومطارداتهم لا تنتهي لكن ما ان تدخل حتى يتناثر من رأيتهم ويفرون عبر الأزقة، فلا يخرجون بشيء ومن حرصهم يقومون بتوظيف البعض عند مدخل الشارع فإذا دخلت سياراتهم اطلقوا اشارات لمن في الداخل فلا ترى لهم اثرا.
واستطرد: "جامايكا" وصل صيتها إلى المدن الأخرى ويعرفها كل من يمشي في طريق المخدرات. لم أصدق ما رأيته ورغبة في التحقق من الأمر طلبت منه اعادة الجولة مرة أخرى عليّ التقط صورة لذلك المشهد، لكنه حذرني من ذلك فالتصوير المباشر قد يعرضني أنا وهو لأمر لا يحمد عقباه، ولي ان التقط ما اشاء من مسافة بعيدة.

الترويج فجرا
وعلى حد قول بعض السكان ان دوريات المكافحة تداهم جامايكا في أوقات غير متوقعة لذلك يحرص المروجون التواجد في السوق فجرا، لأن ساعة البداية لمكافحة المخدرات لم تبدأ بعد فهم يعملون في الثامنة صباحا، فينشط البيع بعد صلاة الفجر مباشرة وجميعهم يعرف ذلك تماما فأكبر عمليات البيع تتم في تلك الساعة وبعد ذلك يكون الخطر.

حبوب وحشيش
نقل السكان بعضا من معاناتهم فقالوا: كل صنوف المخدرات تقدم للراغبين في الشراء ولكن تتصدرها الحبوب المنشطة فغالبية المروجين يعملون على ترويجها لما لها من طلب ولمضاعفة ارباحها أيضا، يليها الحشيش ثم العرق، حتى ان المروجين هناك نظموا عملية البيع بشكل يفوق الوصف فهناك مكان خاص لباعة الحبوب وآخر للمتخصصين في بيع الحشيش وآخر لبيع المسكر ولكل منهم مشرف أو كبير كما يقولون ينظم عملية البيع ويتولى انهاء أي خلاف قد يظهر.
اخبرني احد السكان بأن الحبوب المنشطة وصل سعرها إلى خمسة ريالات مما يعني انها في متناول أيدي الجميع بمن فيهم المراهقون، ثم ارتفع إلى ان وصل الآن لخمسة وعشرين ريالاً. وهناك من يبيع بكميات كبيرة، أو بما يسمى في لغة المخدرات بـ "الشد" وهو يضم مائتي حبة مخدرة يباع بألف وثمانمائة ريال، وأما الحشيش فقد انخفض سعره من خمسة وعشرين ألف ريال للكيلو الواحد إلى تسعة آلاف ريال، مما يعني انها أصبحت سهلة الحصول عليها.

استغلال الصغار
يقول أحد السكان اقترن لقب "المعلم" بكل بائع للمخدرات لا يقوم هو ببيعها انما يعمل على تشغيل مجموعة من الأفراد يبيعون لصالحه، واذا بلغ هذه المرحلة فهو يستحق ذلك اللقب، وليس ذلك بل ان استحقاقه يكون بجدارة، فهو لا يعمل الا على جلب الكميات الكبيرة من الموزعين الخارجيين وليس له أي دور في البيع المباشر إلا عن طريق الإشراف فقط، وهؤلاء عادة ما يستخدمون الشباب الصغار ومن هم في سن المراهقة فالشبهات لا تحوم حولهم. ومن الفئات التي يتم استغلالها هم بعض المتخلفين المتخصصين في قلي البطاطس للأطفال، أو بما يسمون بالعمالة "البنقالية" فهم بعيدون جدا عن الشبهة لذلك يقوم البعض بوضع كمية معينة عنده واثناء مرور الزبون يقوم البائع بأخذ ما يشاء منها واعادتها لبائع البطاطس وهنا لو قامت مكافحة المخدرات بأية عملية مداهمة لا يجدون بحوزة الموزع أي مخدرات.

من الفقر إلى عالم الثراء
كثيرون هم الذين نقلتهم المخدرات من الفقر إلى عالم المال فأصبح من المألوف على سكان غليل ان يشاهدوا التحول الذي يطرأ على الكثير من شباب الحي، فكثير من المتخلفين يفدون إلى هنا وليس لديهم ما يأكلونه وبعد أشهر معدودة يتغير ذلك الوضع.
حكى لنا احد السكان فيقول: شاب قبض عليه اثناء بيعه للمخدرات وقضى سنوات عديدة في السجن إلى ان عاد بعد فترة طويلة إلى الحي بمفاجأة للجميع فقد عاد بمظهر الراحة والمال، وكل ذلك مما جناه من هذه التجارة المحرمة، وشاب آخر كان لا يملك قيمة سيارة يقودها وقد رأيناه فجأة في شارع جامايكا وقد أصبح من أكبر المروجين، ومن نراه هناك نعرف انه دخل إلى دوامة البيع المحرمة، مرت الأيام وبدأت تظهر عليه ملامح الرفاهية والبذخ الذي لا يمكن ان تراه في سكان الحي وبعد فترة انقطع ولم نشاهده إلى ان خرج علينا بمفاجأة وهي انه يفتش على بيت يرغب في شرائه، وهذا الوضع أصبحنا نراه بشكل مستمر وكثير من باعة الحبوب والحشيش يقومون بالبحث عن العقارات لشرائها وخاصة عندما يشعرون أنهم باتوا مراقبين من قبل الجهات الأمنية وان القبض عليهم بات وشيكا، وكل تلك العقارات تسجل بأسماء غيرهم خوفا من مصادرتها.

شفرات الترويج
المصطلحات التي تستخدم في جامايكا كثيرة والشفرات بينهم متغيرة، فيطلقون على الحبوب "اللجة" وعملية استخدامها "تقضيم"، أما الحشيش فله عدة مصطلحات ومنها "النكسة" وهي القطعة الصغيرة التي يتراوح سعرها من خمسين ريالا إلى مائة ريال، ويتحدثون عن "الصباع" وهو يزيد عن النكسة، وأكبر قطع الحشيش هي "الخابور" وهناك "الثمن" و "الربع" ويعني ربع الكيلو، وهناك من المروجين من يحمل عشرات الكيلوات فعمليات البيع تطورت لديهم.

المقلدة طالت المخدرات
من المفارقات العجيبة التي سمعتها من السكان هي: تعدد طرق الضحك على زبائن المخدرات فهم عادة ما يقلدون بعض المواد لتشبه في شكلها المخدرات، فكما يقولون ان هناك من يقوم ببيع مادة "الصلصال" التي تستخدم في بعض العمليات التعليمية التي تباع في المكتبات على انها حشيش وتمرر على الزبائن بعد تغيير شكلها بطريقة معينة ولو اكتشف المشتري ذلك وحاول العودة لاسترداد ماله يقومون بضربه، أما الكبتاجون فهم يقومون بشراء دواء "السيدافول" وهو دواء خاص بالمغص لون حبوبه شبيه الكبتاجون ولا تتجاوز قيمته الريالات الستة، وينقشونها بحيث يصبح شكلها كشكل الحبوب المخدرة وتباع بتلك الطريقة وبذلك تصبح أرباحهم مضاعفة.