.. لم يكن يخطر لي على بال أن يتوفر لأحد من أبناء عصرنا أن يصرف من وقته عشر سنوات في وضع وطبع كتاب يمثل قيمة دينية وتاريخية، كما يجسد الجهد المبارك الذي يثمر نتاجاً غير مسبوق.
فالعصر الذي نعيش برتمه السريع، وقضاياه المزعجة، ومتطلبات المعيشة الملحة للإنسان ومن يعول لم تترك فرصة للبحث الدؤوب والدراسة المتأنية.
بيد أنه كما اتضح لي أن لأصحاب الهمم العالية، والأهداف السامية من الملكات المقتدرة، والعزيمة الصادقة ما يمكنهم من التغلب على كل ذلك وانجاز عمل غير مسبوق، وذلك عندما تسلمت السفر الجامع لمرويات أعظم وأقدس بيت في أطهر بقعة من وضع فضيلة الشيخ محمد حسين الموجان، رئيس محكمة، والقاضي بالمحكمة الجزئية بجدة، وقد صدر بعنوان: «الكعبة المشرفة عمارة وكسوة»
والذي يطرح في سرد تأريخي شامل، وبحث استقصائي واسع وصور توضيحية وافية، قصة البيت الحرام الذي هو (أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين)، منذ أن وضعته الملائكة على الأرض وإلى عصرنا الحاضر بأحلى عبارة، وأوضح صورة، ودراسة غير مسبوقة وهو ما يؤكده صاحب المعالي فضيلة الشيخ صالح بن عبدالعزيز بن محمد آل الشيخ وزير الشؤون الاسلامية في تقديمه الذي تصدر صفحات السفر وجاء فيه:
مضى على البحوث والدراسات العلمية زمن طويل ترنحت فيه البحوث الجادة المتميزة التي تقل أوراقها ويعظم محتواها، يذكر الناس بحثاً لمستشرق ولمستغرب أو تذكرون قلة لأبناء أمتنا العظيمة. ولما لي من صلة وحدب وشوق للبحوث الجادة المتعلقة بتاريخ لنا أو موضوعات لم تبحث كنت أفتش وأسأل عمن رصد لتاريخ الكسوة المشرفة للكعبة المعظمة من خارجها أو داخلها أوما يتصل بالحرمين الشريفين من أنواع الاهتمام بهما. وكنت أرجع بخفي حنين لأن ما كتب لا يعدو وصفاً عاماً لا تصاحبه صورة تقنع ولا رسم يوثق ولا تحليل يفرح، لأن البحث عن توثيق العلم والتاريخ مركب صعب لا يتجاسر عليه إلا الكمل المخلصون من شدة الحقيقة والبحث العلمي الرصين، وكان من اهتماماتي الخاصة الشغف بكسوة الكعبة المشرفة الداخلية والخارجية، فجمعت منها شيئاً لأتفحص التاريخ والاهتمام بهذه الكسوة التي هي من سنن هذا الدين الذي حمله الخلفاء والولاة، وغابت البحوث التي تعنى بهذا الجانب إلا ما يصدر من مقتنيات متحفية أو شخصية هنا أو هناك، وفي إطار الاهتمام تعرفت على من له صلة بهذا التاريخ ممن رأى وأبصر ثم قال وأسمع رجل يصبر على البحث والترحال صبر الجبال على الرياح، باحث مدقق وشغوف بالحقيقة صادق الشيخ المتفنن محمد بن حسين الموجان كتابه هذا الكعبة المشرفة عمارة وكسوة، ليس كتاباً معتاداً ولا مكروراً فيه الجديد تاريخاً وصورة للكسوة المشرفة، أنفق لأجله ثماني سنوات من الترحال والبذل يفتح المخبوء ويفتش ويرفع ويصور، ومن عرف البحوث الاستقصائية غير الوصفية يعرف المعاناة وحسن النتائج.
إني لفرح بهذا الجهد العظيم، لأننا كدنا لا نراه إلا في أعمال المستشرقين فيما مضى وقل ما شئت بعد أن تنظر لهذا الجمع والتدقيق لصور الكسوة وما يتصل بها إني لشاكر ذاكر لأخي الشيخ المدقق محمد بن حسين الموجان هذا الجهد الذي سيجله من علم الحاجة إلى مثله وأدرك فقر مكتبتنا السعودية بل الاسلامية إليه». كان تاريخ كتابة هذه السطور في 25 شعبان 1425هـ وقد استغرق استكمال البحث والاعداد للاخراج والطبع سنوات ثلاثاً ليصدر السفر في مطلع هذا العام بعد عشر سنوات من البدء فيه، إذ يقول فضيلة الشيخ محمد الموجان: لقد استغرق إعداد هذا الكتاب عشر سنين من البحث الجاد والعمل الدؤوب والجهود الحثيثة وبميزانية مفتوحة حتى تم واستوى على سوقه متضمناً أعلى درجات المنهجية في البحث متوشحاً بأرقى جماليات الإخراج كاشفاً النقاب عن نوادر وفرائد لم تر النور من قبل، ليأتي العمل وبشهادة المختصين وحذاق الصنعة كأحد أهم المراجع عن الكعبة المشرفة وأشملها ولله الحمد».
وإلى الغد لنواصل الحديث عن محتويات سفر الكعبة المشرفة عمارة وكسوة.