في إجابته على سؤال حول البحث الذائع الصيت للباحث الشهير إبراهيم السكران والذي كان بعنوان (مآلات الخطاب المدني) والذي أحدث في حينه جدلا عريضا في الوسط الفكري، سألنا المحمود عنه وعن انطباعه عن البحث، فأجاب : نعم قرأت ذلك البحث، وإن يكن متأخرا، بعد تناول الأستاذ : شتيوي الغيثي له في مقال في الوطن . وانطباعي يمكن أن أختصره بما يلي :
1- ما كتبه الأستاذ : إبراهيم السكران، لا يختلف في شيء عن الرؤية السلفية المنغلقة على ذاتها . فموقفه من كل أنواع الخطاب المدني لا يختلف عن موقف أي سلفي تقليدي متعصب . ولا أدري ماذا ترك لغلاة السلفية . لا أقول هذا، لمجرد أنني أطرح بعض أنواع الخطاب المدني الذي لا يتفق مع الرؤية السلفية، فقد كان تركيزه على نوع من الشباب الدعاة الذين تحولوا عن السلفية، وتأثروا بالمدرسة الفرنكفونية بعد سبتمبر، وهؤلاء لست منهم، فأنا لم أكن داعية ولم أكن سلفيا، وبداياتي مع الفكر الحديث في تمظهره النقدي خاصة، كانت قبل عام 1990مـ، فهي رافقتني منذ بدايتي، فمنذ ذلك التاريخ كنت أقرأ في مناهج النقد الحديث، وتأثرت بالمناهج ذات الارتباط بالعلوم الإنسانية كالمنهج النفسي والاجتماعي والبنيوية التكوينية، فضلا عن الدوريات، كمجلة فصول النقدية، وإبداع، وعلامات وملحق الحياة والرياض، وتأثر بالثابت والمتحول لأدونيس وبمحمد جابر الأنصاري، قبل أن أقرأ للجابري والعروي بسنوات، بل قبل أن أقرأ لعمارة وخالد محمد خالد ومن في سياقهم . ولهذا، ليس توصيفي للبحث بالسلفي المنغلق، دفاعا عن شيء يمسني، وإنما هو واقع الحال، على الأقل كما أراه . وليعذرني السكران في صراحتي، فقد سألتني عن انطباعي تحديدا .
2- تبين لي من خلال ما كتبه الأخ السكران، أن ثقافته سلفية تماما، وأن اطلاعه على الأطروحات الحديثة التي يناقش تمظهراتها في المحلي السعودي، يكاد يكون تصفحا، أكثر مما هو قراءة جادة . ولهذا، فهناك سقطات معرفية تتعلق بالجذور المعرفية لما يتكلم عنه، وخلل في رؤية طبيعة اللغة وعلاقتها بالفكر، خاصة عندما تكلم عن اللغة الغامضة، التي تدل على أن ليس ملما بفلسفة اللغة . كما أنه توضيحه لبعض المصطلحات المنقولة، يدل على أنه لم يقرأها في سياقاتها المعرفية، بل إن حرصه على توضيحها، يدل على أي جمهور يخاطب، فهي مصطلحات شائعة جدا في الخطاب الثقافي الحديث، ومن يجهلها، فهو خارج السياق الثقافي، إذن، فلمن كان ذلك التوضيح ؟ !.
3- حاول الأخ السكران أن يجد سببا لهذا الخطاب المدني الآخذ في الظهور، وقد وجده في الاهتمام المغالي بما هو دنيوي على حساب الأخروي . أنا أعلم انه لا يدعو إلى الإهمال التام للمجالات الدنيوية، ولكنه يرى في الخطاب المدني غلوا في هذا الجانب . الاهتمام الطبيعي المعتدل كما يراه السكران لم يحقق شيئا للأمة . وأزمتنا ليست أزمة دينية، فلدينا أفضل دين، وإنما أزمتنا دنيوية . وحتى إشكاليات الديني لدينا، مبعثها أزمتنا الدنيوية . ولو استطعنا تحقيق النهوض الدنيوي، لحلت إشكاليات الديني تبعا . ومن ثم، فليست هذه مغالاة، وإنما هو تفكير على ضوء سياقات الواقع التي لا يستطيع حتى الديني الانفلات من تبعاتها.
4- واضح أن الأخ السكران من عشاق ابن تيمية . وابن تيمية مفكر إسلامي كبير، قادر على التهام أمثال الأخ السكران بسهولة . ولهذا، فليس من الغريب أن يهيم السكران في الشخصيات التراثية، وإنما الغريب أن يفرض هذا العشق على القارئ، من القراء من لا يوافقه في هواه . وهذا الاستعراض لا يدل على محض عشق، وإنما يدل على بساطة في التفكير، كثيرا ما تواجهك في السلفيين عندما يتماهون مع مقولات التراث أو شخصياته .
ويذكرني ذلك بمرحلة جميلة من عمري، فقد كنت عاشقا للمتنبي والمعري . كنت آنذاك في الرابعة عشرة من عمري، وكنت أتصور الدنيا بكل ما فيها من فكر بل وأحداث تبدأ بالشعر الجاهلي وتنتهي قمتها بالمتنبي والمعري . المهم أنني كنت أتصور أن الجغرافيا والتاريخ والطب والفلك والعلاقات الدولية كلها موجودة في أشعار هؤلاء . وأذكر أنني في ذلك العمر الذي لم أتجاوز فيه الرابعة عشرة، سألني أخي الأصغر عن ما يسمعه في الأخبار من حديث حول حرب النجوم . وكان حديث المرحلة الريجانية آنذاك، فأجبته بأن المعري يقول : زحل اشرف الكواكب دارا من لقاء الردى على ميعاد، ولنار المريخ من حدثان الدهر ..إلخ، وبأبيات المتنبي التي تعكس معرفته بأن ضوء القمر انعكاس لضوء الشمس، وتصورت أني أجبته الجواب الكامل . وغير هذا كثير من الأسئلة والأجوبة، وكنت على يقين من كل ذلك . إنني كلما تذكرت تلك الفترة المفعمة بالعشق واليقين الكامل بكيت بكل وجداني حنينا إليها، وعقلي يضحك مني في كل حال .
1- ما كتبه الأستاذ : إبراهيم السكران، لا يختلف في شيء عن الرؤية السلفية المنغلقة على ذاتها . فموقفه من كل أنواع الخطاب المدني لا يختلف عن موقف أي سلفي تقليدي متعصب . ولا أدري ماذا ترك لغلاة السلفية . لا أقول هذا، لمجرد أنني أطرح بعض أنواع الخطاب المدني الذي لا يتفق مع الرؤية السلفية، فقد كان تركيزه على نوع من الشباب الدعاة الذين تحولوا عن السلفية، وتأثروا بالمدرسة الفرنكفونية بعد سبتمبر، وهؤلاء لست منهم، فأنا لم أكن داعية ولم أكن سلفيا، وبداياتي مع الفكر الحديث في تمظهره النقدي خاصة، كانت قبل عام 1990مـ، فهي رافقتني منذ بدايتي، فمنذ ذلك التاريخ كنت أقرأ في مناهج النقد الحديث، وتأثرت بالمناهج ذات الارتباط بالعلوم الإنسانية كالمنهج النفسي والاجتماعي والبنيوية التكوينية، فضلا عن الدوريات، كمجلة فصول النقدية، وإبداع، وعلامات وملحق الحياة والرياض، وتأثر بالثابت والمتحول لأدونيس وبمحمد جابر الأنصاري، قبل أن أقرأ للجابري والعروي بسنوات، بل قبل أن أقرأ لعمارة وخالد محمد خالد ومن في سياقهم . ولهذا، ليس توصيفي للبحث بالسلفي المنغلق، دفاعا عن شيء يمسني، وإنما هو واقع الحال، على الأقل كما أراه . وليعذرني السكران في صراحتي، فقد سألتني عن انطباعي تحديدا .
2- تبين لي من خلال ما كتبه الأخ السكران، أن ثقافته سلفية تماما، وأن اطلاعه على الأطروحات الحديثة التي يناقش تمظهراتها في المحلي السعودي، يكاد يكون تصفحا، أكثر مما هو قراءة جادة . ولهذا، فهناك سقطات معرفية تتعلق بالجذور المعرفية لما يتكلم عنه، وخلل في رؤية طبيعة اللغة وعلاقتها بالفكر، خاصة عندما تكلم عن اللغة الغامضة، التي تدل على أن ليس ملما بفلسفة اللغة . كما أنه توضيحه لبعض المصطلحات المنقولة، يدل على أنه لم يقرأها في سياقاتها المعرفية، بل إن حرصه على توضيحها، يدل على أي جمهور يخاطب، فهي مصطلحات شائعة جدا في الخطاب الثقافي الحديث، ومن يجهلها، فهو خارج السياق الثقافي، إذن، فلمن كان ذلك التوضيح ؟ !.
3- حاول الأخ السكران أن يجد سببا لهذا الخطاب المدني الآخذ في الظهور، وقد وجده في الاهتمام المغالي بما هو دنيوي على حساب الأخروي . أنا أعلم انه لا يدعو إلى الإهمال التام للمجالات الدنيوية، ولكنه يرى في الخطاب المدني غلوا في هذا الجانب . الاهتمام الطبيعي المعتدل كما يراه السكران لم يحقق شيئا للأمة . وأزمتنا ليست أزمة دينية، فلدينا أفضل دين، وإنما أزمتنا دنيوية . وحتى إشكاليات الديني لدينا، مبعثها أزمتنا الدنيوية . ولو استطعنا تحقيق النهوض الدنيوي، لحلت إشكاليات الديني تبعا . ومن ثم، فليست هذه مغالاة، وإنما هو تفكير على ضوء سياقات الواقع التي لا يستطيع حتى الديني الانفلات من تبعاتها.
4- واضح أن الأخ السكران من عشاق ابن تيمية . وابن تيمية مفكر إسلامي كبير، قادر على التهام أمثال الأخ السكران بسهولة . ولهذا، فليس من الغريب أن يهيم السكران في الشخصيات التراثية، وإنما الغريب أن يفرض هذا العشق على القارئ، من القراء من لا يوافقه في هواه . وهذا الاستعراض لا يدل على محض عشق، وإنما يدل على بساطة في التفكير، كثيرا ما تواجهك في السلفيين عندما يتماهون مع مقولات التراث أو شخصياته .
ويذكرني ذلك بمرحلة جميلة من عمري، فقد كنت عاشقا للمتنبي والمعري . كنت آنذاك في الرابعة عشرة من عمري، وكنت أتصور الدنيا بكل ما فيها من فكر بل وأحداث تبدأ بالشعر الجاهلي وتنتهي قمتها بالمتنبي والمعري . المهم أنني كنت أتصور أن الجغرافيا والتاريخ والطب والفلك والعلاقات الدولية كلها موجودة في أشعار هؤلاء . وأذكر أنني في ذلك العمر الذي لم أتجاوز فيه الرابعة عشرة، سألني أخي الأصغر عن ما يسمعه في الأخبار من حديث حول حرب النجوم . وكان حديث المرحلة الريجانية آنذاك، فأجبته بأن المعري يقول : زحل اشرف الكواكب دارا من لقاء الردى على ميعاد، ولنار المريخ من حدثان الدهر ..إلخ، وبأبيات المتنبي التي تعكس معرفته بأن ضوء القمر انعكاس لضوء الشمس، وتصورت أني أجبته الجواب الكامل . وغير هذا كثير من الأسئلة والأجوبة، وكنت على يقين من كل ذلك . إنني كلما تذكرت تلك الفترة المفعمة بالعشق واليقين الكامل بكيت بكل وجداني حنينا إليها، وعقلي يضحك مني في كل حال .