تحدثت بالأمس عن كُرهي للمدرسة، وقد يحتج البعض بأنني أعطي مثالا سيئا لجيل الصغار.. ولكن اطمئنوا.. أتحداكم إذا لم يكن 99.9 % من تلاميذ المدارس على أيامنا هذا ينظرون الى المدرسة نظرة الزوجة إلى بيت الطاعة الذي تعود إليه قسرا لتكون تحت رحمة زوج بلا قلب.. وحتى لو كان الصغار في أيامنا هذه يحبون المدرسة، فأنا حر: ما أحببت يوما واحدا في حياتي المدرسية من المرحلة الابتدائية الى الثانوية.. وبعكس ذلك كنت سعيدا للغاية بالحياة الجامعية، والسبب في ذلك أنه لم يكن هناك ضرب ولا جلد في الجامعة، ولم يكن الأساتذة ينسبوننا الى صنف الحيوانات كما كان يحدث في المدرسة: يا حمار.. يا ثور الله في برسيمه.. ولو كنت ممتلئ الجسم: يا بغل.. يا بقرة.. وكان هناك مدرسون يطلقون على هذا التلميذ او ذاك لقب «حلُّوف» وتعني الخنزير، وقد لازم لقب حلوف احد زملاء الدراسة الى يومنا هذا.. وزميل آخر لا يزال زملاء الدراسة ينادونه بالـ«خروف» من وراء ظهر عياله فلا يغضب.. في المدرسة المتوسطة اخترعنا «البردعة» وهي الكلمة التي تطلق على السرج الخفيف المصنوع من القماش ليقي ظهر الحمار من ويلات الاحتكاك بالحمولة التي على ظهره.. وكانت البردعة المدرسية عبارة عن كيس مخدة نجعل منه اربع طبقات ثم نلفه حول الخاصرة ليمتص الضربات التي كانت تنهال على مؤخراتنا. ولهذا لا أحنُّ الى أيام الدراسة والطفولة، ولا يمكن ان أتحسر عليها.. ولكن يحلو للكثيرين من ابناء جيلي التباكي على تلك «الأيام»، والزعم بأن التعليم فيها كان «قويا»، ثم يعرجون بالكلام الى مدارس الحاضر التي يصفونها بــ«المسخرة» لأن المدرسين لم يعودوا يضربون التلاميذ بحزم والمناهج والمقررات صارت «أي كلام».. يا جماعة أس الداء هو ان مدارسنا مهتمة منذ بداية التعليم النظامي وإلى يومنا هذا بالتعليم وليس بـ«التربية».. المهم هو حشو الرؤوس بأصول القراءة والكتابة والحساب.. ليس هناك اهتمام بالكيف.. لذا تجد في كل مدرسة هناك مدرس واحد «مُفَضَّلا» يهش له الطلاب وينصتون الى كلامه ومثل هذا المدرس الفلتة يكون «ذاتي التكوين»، يعني لديه قدرات خاصة على التواصل مع التلاميذ وتوصيل المعلومات اليهم دون الحاجة الى إذلالهم او معاقبتهم بدنيا.. المقررات المدرسية على أيامنا هذه تطورت وتقدم في قوالب شيقة: رسومات إيضاحية ملونة وتدرج مريح في طرح المعلومة.. ولكن المعلم مطالب بإكمال تدريس كل جزء من المقرر في إطار زمني معين، ويحاسب بالطريقة التجارية: كم واحد نجح وكم رسب.. وعليه ان يسجل طريقة التدريس في دفتر التحضير – وهو من أسخف ابتكارات النظام التعليمي ولم يعد معمولا به إلا في العالم العربي وكنت خلال فترة عملي بالتدريس لا أتذكر أمر دفتر التحضير إلا عندما أعلم بقدوم مفتش/ موجه، وفي غضون ساعتين أكون قد حضرت دروس 4 أشهر فاتت!! كنت أتعامل مع مهنتي كمعلم بجدية، ولكنني كنت مقتنعا بأن دفاتر التحضير وطوابير الصباح كلها «حركات» بلا معنى يحافظ عليها ديناصورات بقاؤهم في مناصبهم رهن ببقائها.