كان الناس في أم القرى يحافظون على «النعمة» فلا يرمون شيئاً من الأطعمة في براميل القمامة بل يظلون يأكلون من «الطبخة» الواحدة أياماً عديدة فإذا طبخت ربة الدار قدر بامية وزاد منه رحَّلته إلى اليوم التالي ثم وضع على المائدة في الغداء والعشاء وإن بقي منه شيء رحل إلى اليوم الثالث وهكذا حتى ينتهي ما في القدر من بامية حامية، ولكي يشجع أهل الدار بعضهم بعضاً على أكل الطعام البايت فإنهم يطلقون عليه مسميات لطيفة مثل الادعاء أن الملوخية أو البامية إذا ظلت لعدة أيام بعد طهيها فإنها تكون «مسبكة» ويعنون بها أنها متماسكة وأكثر فائدة وأفضل مذاقاً، مع أن الأمر قد يكون مخالفاً لقوانين الأطعمة والأغذية التي تركز على الفائدة الكبرى لكل جديد لذيذ وما طازج إلا الطازج؟! ولكن دهاء ربات البيوت يجعلهن يمتدحن الطعام البايت حتى يقبل عليه أهل الدار لاسيما الأطفال منهم والناشئة تحت تأثير الدعاية لذلك الطعام كما تفعل وسائل الدعاية الحالية عند الترويج للوجبات الخفيفة والجاهزة التي يعلم الله كيف تُجهز وكيف تُملح وتُطهى وما يضاف إليها من خلطات سرية ومرية! قد يكون فيها السم الناقع.. ومع ذلك فإن قوة الدعاية تجعل الناشئة يتلهفون عليها ويقبلون على تناولها معرضين أشد الأعراض عن السليق ومختوم البامية والبرياني والجاوي والكباب الذي لا يعجب الشباب! وكان الناس يحافظون حتى على الخبز الجاف المتبقي عن الخبز الطازج بعد شرائه بعدة أيام فلا يُلقى عندما يجف أو قبل أن يجف في براميل القمامة كما هو حاصل الآن بل يُجمع ويُطهى بالماء مع قليل من السمن أو الزيت والثوم أو البصل ثم يقدم تحت مسمى «فتة هوا» وفي حالة وجود سخاء تقدم هذه الفتة مع شيء من المخلل أو رأسين من البصل الطازج فيأكلها من في الدار بالهناء والعافية، ولو قدمت فتة الهواء للناشئة هذه الأيام لصدوا عنها وقالوا بلا فتة هوا.. بلا سُخام..! أما أنهم يأكلون هامبرجر فيه لحم دجاجة ذبحت منذ أعوام فهذا ليس من السخام؟!
ويبدو أن عادة الاحتفاظ بالأطعمة المطهية وإعادة تناولها لعدة أيام قد نقلها الشرقيون إلى الغربيين فقد حدثني الداعية الإسلامي الأخ الدكتور عبدالعزيز سرحان مدير المركز الإسلامي في مدريد سابقاً أنه سمع خلال عمله في أسبانيا عن وجبة إسبانية وصفت بأنها لذيذة جداً يطلق عليها اسم «بَكَية» فلما تناولها عند أحد المسلمين الأسبان وجدها عبارة عن طعام جمع بعضه على بعض من خضار إلى لحوم إلى بقول وخبز وفهم من المضيف أن كلمة «بكية» محرفة عن كلمة «بقية» وأن هذه الوجبة دخلت مع المسلمين إلى أسبانيا حيث كانت الأسر المسلمة تجمع بقايا الأطعمة الزائدة عن حاجتها في إناء واحد وتعيد تسخينها وإضافة عناصر غذائية عليها من توابل ونحوها فتصبح وجبة جديدة ولذيذة فأطلقوا عليها اسم بقية ثم حرف الاسم إلى «بكية» ثم زعموا أنها أكلة أسبانية؟!
ويبدو أن عادة الاحتفاظ بالأطعمة المطهية وإعادة تناولها لعدة أيام قد نقلها الشرقيون إلى الغربيين فقد حدثني الداعية الإسلامي الأخ الدكتور عبدالعزيز سرحان مدير المركز الإسلامي في مدريد سابقاً أنه سمع خلال عمله في أسبانيا عن وجبة إسبانية وصفت بأنها لذيذة جداً يطلق عليها اسم «بَكَية» فلما تناولها عند أحد المسلمين الأسبان وجدها عبارة عن طعام جمع بعضه على بعض من خضار إلى لحوم إلى بقول وخبز وفهم من المضيف أن كلمة «بكية» محرفة عن كلمة «بقية» وأن هذه الوجبة دخلت مع المسلمين إلى أسبانيا حيث كانت الأسر المسلمة تجمع بقايا الأطعمة الزائدة عن حاجتها في إناء واحد وتعيد تسخينها وإضافة عناصر غذائية عليها من توابل ونحوها فتصبح وجبة جديدة ولذيذة فأطلقوا عليها اسم بقية ثم حرف الاسم إلى «بكية» ثم زعموا أنها أكلة أسبانية؟!